28/12/2014

 

ما العمل؟!

بقلم : حسن القباني

طرحت الأيام القليلة الماضية، أحداثا عدة، وقرارات عدة، واجراءات عدة، سواء في القاهرة أو اسطنبول أو الدوحة، أو تونس، ذهب فيها المفسرون مذاهب شتى، ووجلت منها قلوب، وفرحت بها عقول، وبات السؤال الأكثر عمقا وتدوالا فيما يبدو لنا مع مطلع عام نضالي جديد، هو: ما العمل؟!. 

في البداية يجب أن نشير بوضوح وجلاء أن الثورة تحملت أهوالا ضخمة وما ركعت، ودفع الثوار ضرائب باهظة وما وهنوا لما اصابهم في سبيل الله، وأنه لن يؤثر فيها اقالة خفير أو اغلاق قناة أو تقدم وقتي للباطل هنا أو هناك، فلدى الثورة الفرسان ولدى الثوار الوعي والايمان ولدى الامة الناهضة معركة حق كسبت فيها شوطا وتعادل الخصم في شوط وتبقى الشوط الثالث للحسم. 

ونري أن الرد على هذا السؤال الأهم، يتأسس على قواعد أربع، تعالج اصل الداء لا اعراضه، وتضبط المسار وهي:  

 

أولا: بوصلة المعركة

 

تدور رحى معركة عالمية دولية، تحت رعاية مجلس الغدر والطغيان، ضد ارادة الشعوب الشرقية المسلمة والمؤمنة بالحقوق والحريات والمطالبة بالحق والعدل، وهي ليست معركة وطن ضيق أو معركة جزئية تخص جزء من القوم أو الفكر، بل هي معركة أمة تريد أن تتحرر، ومعركة حضارة تحمل الخير للانسانية، وهنا أنت جزء من معركة أكبر تدور في منطقة ترفض عصابة أمريكا والكيان الصهيوني أن تعيش حرة مستقلة متحضرة. 

إن ثورتنا -ثورة 25 يناير- مصرية عربية اسلامية.. مصرية المكان والأهداف، عربية الأمال والطموحات، اسلامية الوقود والقاعدة، معركة الحضارة/الهوية جزء منها، ومعركة الحرية مفتاح تطبيق كل الاهداف والتطلعات، ومعركة الاستقلال الوطني أساس جذري في الانطلاق والانجاز، ومعركة القصاص جزء حيوي فيها، ومعركة العيش والتنمية بعد أساسي في طور استكمالها، ومعركة العدل قاطرة حراكها، وتحرر مصر هو بداية الحرية للقدس والشام والعرب.  

 

ثانيا: آليات المواجهة

 

تتعدد آليات المواجهة مع عصابة الاحتلال والاستبداد، وكل وضع له أداة مقاومة وآلية تحدي، فما يصلح في القدس لا يصلح في القاهرة، وما يصلح في دمشق لا يصلح لتونس، وما يصلح في ليبيا قد يصلح في العراق،وقد يصلح للجميع في وقت واحد نفس المسار والآليات، وأهل النضال والجهاد والمقاومة هم أدرى الناس بتحديد الاليات المناسبة في الوقت المناسب دون استعجال وتهور أو تباطيء وتخاذل، وفق ضوابط الشرع الحنيف. 

يقول شهيد القرآن سيد قطب في ظلال القرآن: "إن تكاليف الخروج من العبودية للطاغوت والدينونة لله وحده -مهما عظمت وشقت- أقل وأهون من تكاليف العبودية للطواغيت! إن تكاليف العبودية للطواغيت فاحشة - مهما لاح فيها من السلامة والأمن والطمأنينة على الحياة والمقام والرزق! - إنها تكاليف بطيئة طويلة مديدة!".  

 

ثالثا: مآلات الصراع

 

إن المصارعة بين الحق والباطل "سنة من سنن الاجتماع البشري"، كما يقول الشيخ محمد عبده، ولكن مآلات الصراع بينهما، معروفة وثابتة، فالنصر حليف الحق كل حق، والهزيمة قرين الباطل كل باطل، يقول تعالى:"ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته". 

يقول الشيخ محمد الغزالي: "إذا احتدمت المعركة بين الحق والباطل حتى بلغت ذروتها، هناك ساعة حرجة يبلغ الباطل فيها ذروة قوته،ويبلغ الحق فيها أقصى محنته. والثبات في هذه الساعة الشديدة هو نقطة التحول والامتحان الحاسم لإيمان المؤمنين سيبدأ عندها، فإذا ثبت، تحول كل شيء عندها لمصلحته وهنا يبدأ الحق طريقه صاعداً ويبدأ الباطل طريقه نازلاً".  

 

رابعا: فهم النصر

 

النصر كلمة تهوى لها القلوب والعقول معا، لانهاء الأوضاع الاجرامية، ولكن النصر نصران، شخصي بالثبات علي الحق ودعمه ونصرته، وعام بانتصارات جزئية تراكمية أساسها الفرد، فلننصر انفسنا ولنشارك في صناعة النصر العام، ولنعلم أيضا أن هناك فرق بين النصر الاخلاقي وبين النصر الميداني، وقد حققنا الأول عندما تمسكنا بالمباديء ورفضنا الانقلاب وأكملنا الثورة، ومازالنا في طريق تحقيق الثاني عندما نفرض كلمة الثوار وتحكم سلطة جماهير الثورة. 

ومن هنا ننطلق، ومن هذا الأساس يمكن أن نجيب علي سؤالنا.. ويبقى للجميع حق الإبداع والتفكير في وسائل تخدم على مراد السؤال، تنطلق من الآتي: 

أولا: الوعي والثبات، فلابد من وعي ثوري واضح بطبيعة الصراع والثبات في مواجهة المحن، ولا وعي بدون ثبات. 

ثانيا: الاخلاص والايمان، ويجب أن يعلو الاخلاص لله عزوجل والتجرد من أي حظ نفسي وحزبي، في ظل وجود ايمان بالله عظيم وايمان بأن النصر من عند الله وايمان بأن الباطل لا بقاء له، ولا ايمان حق بلا اخلاص للحق. 

ثالثا: التطوير والتثوير، وذلك باستمرار الدراسات والتقييمات والتجديد المبدع للمشهد الداخلي والخارجي وتجديد الدماء، والعمل علي انزال جهاد العقل الي أرض الواقع وتمكين الطاقات الخلاقة في مسارات تثوير لاتنقطع لجماهير الثورة بغية الاقناع والتصحيح. 

رابعا: التراكمية والتجذير، فالمعركة في مصر تراكمية النتائج، وتكرار تجربة الاستعجال والسلق الثوري وعدم تجذير المكتسبات اليومية من الحراك في التربة المصرية، قد يؤثر علي تحفيز بركان الغضب ويؤخر انفجاره المطلوب في لحظات الحسم. 

خامسا: الاصطفاف والحشد، فالحق يجب أن يحشد انصاره ويستعد لليوم الفاصل، والاصطفاف موجه للشعب بغية الحشد نحو الحق وعلى الحق، ولا حشد يجدي دون اصطفاف ولا اصفاف ينفع دون حشد. 

سادسا: الجهاد والتضحيات، وهما أساس النقاط الخامسة السابقة، فلا قدرة علي احداث الوعي والثبات والاخلاص والايمان والتطوير والتثوير والتراكمية والتجذير والاصطفاف والحشد، دون اليقين بأن مسارنا الثوري هو جهاد في سبيل الله لاعلاء كلمة الحق، وبذلك تكون التضحيات واجب مقدس، وفي هذا يقول الامام الشهيد حسن البنا: "وليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه". 

سابعا: وحدة وتنسيق، فلا مواجهة لمجلس الغدر العالمي، الا بوحدة مواقف ومصير وتضافر الجهود والتنسيق، بحسب الاليات المناسبة لكل مكان في الوطن العربي والاسلامي، كي تتقدم الشعوب الشرقية المسلمة على التوازي في معركة غدر تتواصل على التوازي تستهدف التفتيت والحيلولة دون قيام اتحاد فعال للدول الاسلامية والعربية مناط التمييز والترويع من مجلس الغدر العالمي الآن.
وتبقى كلمة: 

إن الامبراطورية الغربية في أفول، وقد ضربت عمقها مادية جارفة وعنهجية وتمييز، والعالم الانساني بات في حاجة الي الاسلام وقيمه، وثورة حضارة وتحرر، وحراك ربيع عربي مصطف خلف لواء الحق في مواجهة كل باطل، وثورتنا في مصر المتواصلة ضد اغبي انقلاب في التاريخ قد تكون شرارة هذا الانطلاق اذا احسن الثوار صناعة النصر بعون الله.