لا يتمتع نظام الطاغية عبد الفتاح السيسي بأي شرعية شعبية أو أخلاقية، ولا يستند في بقائه بالسلطة واحتكاره لمفاصل الملفات السياسية والاقتصادية إلا على ضمان حماية أمن الكيان الصهيوني واستهداف الحركات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، وإجهاض أي مسار ديمقراطي يضمن مشاركة شعبية في صناعة القرار. ويبقى تكريس السلطوية العسكرية  كفيلا بضمان تحقيق هذه الأدوار الوظيفية للنظام في مصر.

وبحسب تقارير إعلامية عربية، فإن رئيس الموساد الإسرائيلي "يوسي كوهين" أجرى قبل أيام زيارة سرية إلى القاهرة، التقى خلالها عددا من مسئولي نظام الانقلاب، وفي مقدمتهم رئيس جهاز الاستخبارات العامة اللواء عباس كامل، بحضور وزير الخارجية سامح شكري.
 

3 ملفات شائكة

ووفقًا لمصادر مطلعة، فإن المباحثات بين الجانبين تركزت على الملفات الآتية:

أولا: تداعيات خطة حكومة الاحتلال بشأن ضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة في ظل رفض أطراف إقليمية ودولية لهذه الخطوة. وأجرى رئيس الموساد مناقشات معمقة مع عباس كامل وسامح شكري بشأن ردود الفعل المتوقعة والمحتملة من جانب الفصائل الفلسطينية، بناء على خبرة المسئولين بالقاهرة وتواصلهم مع فصائل المقاومة.

ويخشى الإسرائيليون من عودة أعمال المقاومة المسلحة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة لفلسطينية والقدس المحتلة والمدن الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي. ويعتزم الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ خطوة الضم، وفق ما أعلنه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عقب تشكيله حكومة ائتلافية مع زعيم ائتلاف "أزرق أبيض" بني غانتس.

ومن المخطط أن تشمل خطة الضم الإسرائيلية أكثر من 130 مستوطنة في الضفة الغربية المحتلة ومنطقة غور الأردن، التي تمتد بين بحيرة طبريا والبحر الميت.

ثانيا: تناولت المباحثات أيضا خطة التهدئة في قطاع غزة مع الفصائل الفلسطينية وتطورات صفقة تبادل الأسرى المحتملة بين الاحتلال وحركة حماس، ومطالب المقاومة بتنفيذ حكومة الاحتلال عدة خطوات كانت قد تراجعت عنها ضمن اتفاق التهدئة الذي ترعاه سلطات الانقلاب والأمم المتحدة.

وتعزو هذه المصادر المصرية المطلعة أسباب التراجع الإسرائيلي إلى رغبة حكومة نتنياهو في الحصول على تنازلات من جانب حركة "حماس" بشأن أسرى الاحتلال المحتجزين لديها، كخطوة أولية، على عكس ما تتمسك به المقاومة ببدء سلطات الاحتلال  في إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين من كبار السن، والنساء، كخطوة أولية، قبل شروعها في الإفراج عن معلومات بشأن الأسرى المحتجزين لديها.

وفي هذا الشأن طلبت القاهرة من الفصائل العمل على استمرار التهدئة، في المقابل طلبت قيادة حركة حماس توسط المسئولين بالمخابرات المصرية لدى السعوديين لإطلاق سراح مسئول ملف تنسيق العلاقة بين الحركة والرياض الدكتور محمد الخضري. الذي مضى على وجوده في السجون السعودية ما يزيد على العام، هو ونجله، وذلك في ظل الحالة الصحية المتردية له، خصوصا أنه لم يتم تقديمه لأي محاكمة وتجاوز الثمانين من عمره.

ثالثا: طلب الكيان الصهيوني توسط القاهرة في تهدئة الموقف مع الأردن، وذلك في أعقاب التوتر الجاري ورفض عمان لأي خطوات إسرائيلية أحادية الجانب بشأن ضم أجزاء من الضفة المحتلة وغور الأردن إلى السيادة الإسرائيلية، ولذلك أجرى عباس كامل اتصالات فورية مع المسئولين بالمخابرات الأردنية بهذا الشأن في محاولة لترميم العلاقات المتوترة بين تل أبيب وعمان.

وكان وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي قد أبلغ نظيره الأمريكي مايك بومبيو، أول من أمس الخميس، رفض المملكة للخطة الإسرائيلية، التي تقضي بضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة.

وأكد الصفدي، خلال مباحثات هاتفية مع بومبيو، أن هذه الخطوة ستؤدي إلى تقويض فرص السلام، داعيا إلى إطلاق مفاوضات مباشرة وجادة لإنهاء النزاع بين الإسرائيليين والفلسطينيين على أساس حل الدولتين، لتحقيق السلام العادل والشامل. وشدّد الصفدي على أن "السلام العادل والشامل هو خيار استراتيجي عربي، سيظل الأردن يعمل على تحقيقه".

تواطؤ السيسي

وحول موقف نظام العسكر في مصر من الخطوة الصهيونية الرامية إلى ضم 30% من الضفة الغربية وغور الأردن للسيادة الإسرائيلية، توقع مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي أن يكون رد نظام السيسي باهتا ووصفه بالمعتدل؛ بحيث لا يؤثر على علاقته الاستراتيجية مع كل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

وفي ورقة أعدها الباحث عوفر فنتور، أوضح المركز أن نظام السيسي لن يقدم على أية خطوات يمكن أن تهدد تواصل التعاون الأمني مع إسرائيل تحديدا في كل ما يتعلق بـ"الإرهاب" في سيناء، أو يمكن أن يؤثر سلبا على الدعم الأمريكي، والذي تعاظمت قيمته في أعقاب انتشار وباء كورونا.

ويرى معد الورقة أن الرد المصري المتوقع على قرار الضم لن يختلف عن رد السيسي على قرار الاعتراف الأمريكي بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها واعتراف إدارة ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، بحيث لا تتجاوز ردة الفعل المصرية إصدار بيانات التنديد بالخطوة في المحافل الدولية.

وبحسب المركز، فإن ما يقلص من فرص إقدام نظام السيسي على خطوات كبيرة ردا على الضم حقيقة أنه يحتاج إلى دعم واشنطن في الصراع الدائر مع إثيوبيا حول بناء سد النهضة الذي يهدد حصة مصر في مياه النيل.

وأشار معد الورقة إلى أن نظام السيسي ينطلق من افتراض مفاده أن تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس خطة ترامب (صفقة القرن) يسهم في تكريس استقرار المنطقة، وقد يقود إلى تدشين مشاريع اقتصادية ضخمة بمليارات الدولارات على الأراضي المصرية.

ولاحظ معد الورقة أن وسائل الإعلام المؤسساتية المرتبطة بنظام السيسي عكفت مؤخرا على دعوة الفلسطينيين لاستغلال الضم عبر دفع نحو مشروع "الدولة الواحدة" من خلال حل السلطة الفلسطينية والموافقة على الحصول على "مساواة في الحقوق" مع اليهود.

ونصحت الورقة صناع القرار في تل أبيب بعدم الإقدام على خطوات أحادية الجانب وإجراء حوار مع نظام السيسي ونظم عربية أخرى بهدف دفعها لاقناع الفلسطينيين بقبول مسار التسوية الذي تعتمده "صفقة القرن".

وحسب الورقة، فإن القاهرة تخشى أن تسفر ردة الفعل الفلسطينية على قرار الضم عن انفجار انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية "تعزز بيئة التطرف" وفق تصورات نظام السيسي، وتقوي من حضور "القوى المتشددة" في المنطقة، وضمنها حركة حماس في قطاع غزة، وجماعة الإخوان المسلمين في مصر.

Facebook Comments