أعطى الشهيد أحمد ياسين مثالًا حيًّا دائمًا ونموذجًا عمليًّا للجهاد ضد الصهاينة فى كل الأحوال، سواء فى شباب الإنسان أو شيخوخته أو أثناء قوته أو ضعفه أو فى يقظته وحتى فى منامه، فكل حياة الشيخ ياسين كانت جهادًا فى سبيل الله من أجل طرد الصهاينة الغزاة وتحرير الأرض الفلسطينية والعربية واستعادة القدس والمسجد الأقصى- مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم– وتحريره من دنس اليهود.

ونجح الشيخ ياسين في تحقيق ما لم تنجح فيه جيوش العرب وقواتهم، فقد أذاق الصهاينة الذل والهوان وبادلهم الضربات واحدة بواحدة، حتى أدركوا أنهم لن يستطيعوا مواجهة هذا الشيخ الصلب العتيد المخلص لدينه ولقضية بلاده، ولهذا اغتالوه بالطائرات الحربية في 22 مارس 2004 أثناء صلاة الفجر، لكن نهجه مستمر وسيستمر حتى يتحقق الهدف الذى كافح- رحمه الله- من أجله، وهو تحرير الأرض واستعادة المقدسات .

كان رحمه الله يقول: “العدو الإسرائيلي لا يترك للشعب الفلسطيني خيارات سوى خيار واحد، هو المقاومة والجهاد والاستشهاد”، ويقول :”إننا طلاب شهادة، لسنا نحرص على هذه الحياة، هذه الحياة تافهة رخيصة، نحن نسعى إلى الحياة الأبدية”.

ولد أحمد إسماعيل ياسين في قرية تاريخية عريقة تُسمَّى جورة عسقلان قضاء المجدل جنوبي قطاع غزة، في ربيع الثاني يونيو 1936، وهو العام الذي شهد أول ثورة مسلحة ضد النفوذ الصهيوني المتزايد داخل الأراضي الفلسطينية، ومات والده وعمره لم يتجاوز خمس سنوات.

وكني الشيخ الشهيد الرمز أحمد ياسين في طفولته بـ(أحمد سعدة)، نسبة إلى أمه الفاضلة (السيدة سعدة عبد الله الهبيل) لتمييزه عن أقرانه الكثر من عائلة ياسين الذين يحملون اسم أحمد.

مدرسة الجورة

التحق الشيخ الشهيد أحمد ياسين بمدرسة “الجورة” الابتدائية وواصل الدراسة بها حتى الصف الخامس الابتدائي، حتى النكبة التي ألمت بفلسطين وشردت أهلها فلجأ مع أسرته إلى قطاع غزة بعد حرب العام 1948م وكان عمره آنذاك 12 عاما، وعانت أسرة الشيخ الشهيد أحمد ياسين كثيرا- شأنها شأن معظم المهاجرين آنذاك- وذاقت مرارة الفقر والجوع والحرمان، فترك الشيخ أحمد ياسين الدراسة لمدة عام (1949م) ليعين أسرته المكونة من سبعة أفراد عن طريق العمل في أحد مطاعم الفول في غزة، ثم عاود الدراسة مرة أخرى 1950م، وكان يذهب إلى معسكرات الجيش المصري مع بعض أقرانه لأخذ ما يزيد عن حاجة الجنود ليطعموا به أهليهم وذويهم.

في السادسة عشرة من عمره تعرض لحادثة خطيرة أثّرت في حياته كلها، فقد أصيب بكسرٍ في فقرات العنق أثناء لعبه مع بعض أقرانه عام 1952، ولم يخبر الشيخ أحمد ياسين أحدا ولا حتى أسرته، بأنه أصيب أثناء مصارعة أحد رفاقه (عبد الله الخطيب) خوفا من حدوث مشاكل عائلية بين أسرته وأسرة الخطيب، ولم يكشف عن ذلك إلا عام 1989.

وبعد 45 يومًا من وضع رقبته داخل جبيرة من الجبس، اتضح بعدها أنه سيعيش بقية عمره رهين الشلل الذي أصيب به في تلك الفترة.

وقيل إنه في صيف 1952 خرج الشيخ أحمد ياسين مع أصدقائه على شاطئ البحر في غزة، وشاهدوا هناك شبابا في مثل سنه يتدربون على الوقوف على الرأس، في سباق لمن يستمر أطول مدة في ذلك الوضع، وفي لحظة اندفاع قرر الشيخ ياسين منافستهم، ووقف على رأسه لدقائق طالت حتى سقط على ظهره من أثر الوضع المقلوب، وأصيب عموده الفقري بشدة، ورغم محاولات العلاج إلا أنه فقد مرونة الحركة وأصبح يحرك قدميه بثقل ثم تحول لعكازين خشبيين ثم صار لا يستطيع الحركة دون كرسي متحرك.

وكان الشيخ الشهيد يعاني- إضافة إلى الشلل التام- من أمراض عديدة منها فقدان البصر في العين اليمنى بعدما أصيبت بضربة أثناء جولة من التحقيق على يد المخابرات الصهيونية في فترة سجنه، وضعف شديد في قدرة إبصار العين اليسرى، والتهاب مزمن بالأذن وحساسية في الرئتين وبعض الأمراض والالتهابات المعوية الأخرى.

مهنة التدريس

أنهى الشيخ أحمد ياسين دراسته الثانوية في العام الدراسي 1957/1958، ونجح في الحصول على فرصة عمل رغم الاعتراض عليه في البداية بسبب حالته الصحية، وكان معظم دخلِهِ من مهنة التدريس يذهب لمساعدة أسرته، ثم عمل خطيباً ومدرساً في مساجد غزة، وأصبح في ظل الاحتلال أشهر خطيب عرفه قطاع غزة لقوة حجته وجسارته في الحق.

عايش أحمد ياسين الهزيمة العربية الكبرى- نكبة عام 1948- وهاجرت أسرته إلى غزة، مع عشرات آلاف الأسر التي طردتها العصابات الصهيونية، وكان يبلغ من العمر آنذاك 12 عامًا، وخرج منها بدرسٍ أثّر في حياته الفكرية والسياسية فيما بعدُ، مؤدّاه أن الاعتماد على سواعد الفلسطينيين أنفسهم- بعد الله- عن طريق تسليح الشعب أجدى من الاعتماد على الغير، سواءٌ كان هذا الغير الدول العربية المجاورة أو المجتمع الدولي.

الجهاد ضد الصهاينة

شارك الشيخ أحمد ياسين وهو في العشرين من العمر في المظاهرات التي اندلعت في غزة احتجاجا على العدوان الثلاثي الذي استهدف مصر عام 1956، وأظهر قدرات خطابية وتنظيمية ملموسة، حيث نشط مع رفاقه في الدعوة إلى رفض الإشراف الدولي على غزة، مؤكدا ضرورة عودة الإدارة المصرية إلى هذا الإقليم.

اعتنق أفكار جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر على يد الإمام حسن البنا عام 1928، والتي تدعو إلى فهم الإسلام فهما صحيحا والشمول في تطبيقه في شتى مناحي الحياة .

في العام 1968 اختير الشيخ أحمد ياسين لقيادة الحركة في فلسطين، فبدأ ببناء جسم الحركة، فأسس الجمعية الإسلامية ثم المجمع الإسلامي، وكان له الدور البارز في تأسيس الجامعة الإسلامية، وبدأ التفكير للعمل العسكري.

اعتقل الشيخ أحمد ياسين عام 1983 بتهمة حيازة أسلحة، وتشكيل تنظيم عسكري، والتحريض على إزالة الدولة الصهيونية من الوجود، وحوكم أمام محكمة عسكرية صهيونية أصدرت عليه حكما بالسجن لمدة 13 عاماً، ولكن أفرج عنه عام 1985 في إطار عملية تبادل للأسرى بين سلطات الاحتلال والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

حركة حماس

اتفق الشيخ أحمد ياسين عام 1987 مع مجموعة من قادة العمل الإسلامي في قطاع غزة على تكوين تنظيم إسلامي لمحاربة الاحتلال الصهيوني بُغية تحرير فلسطين أطلقوا عليه اسم “حركة المقاومة الإسلامية” المعروفة اختصارًا باسم “حماس”، وكان له دور هام ومؤثر في الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت آنذاك، والتي اشتهرت بانتفاضة المساجد، وكان الشيخ ياسين ولا يزال الزعيم الروحي لتلك الحركة.

داهمت قوات الاحتلال الصهيوني منزله أواخر شهر أغسطس 1988، وقامت بتفتيشه وهددته بدفعه في مقعده المتحرك عبر الحدود ونفيه إلى لبنان، وفي ليلة 18/5/1989 اعتقلت سلطات الاحتلال الصهيوني الشيخ أحمد ياسين مع المئات من أبناء حركة “حماس” في محاولة لوقف المقاومة المسلحة التي أخذت آنذاك طابع الهجمات بالسلاح الأبيض على جنود الاحتلال والمستوطنين، والعملاء.

وفي 16 أكتوبر 1991 أصدرت إحدى المحاكم العسكرية حكماً بسجنه مدى الحياة، إضافة إلى 15 عاما أخرى، وجاء في لائحة الاتهام أن هذه التهم بسبب التحريض على اختطاف وقتل جنود صهاينة، وتأسيس حركة حماس وجهازيها العسكري والأمني.

وفي عملية تبادل للأسرى في أكتوبر 1997 بين الأردن والكيان الصهيوني في أعقاب المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل في العاصمة عمان، وإلقاء السلطات الأمنية الأردنية القبض على اثنين من عملاء الموساد سلمتهما للكيان مقابل إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين، فأفرج عنه وعادت إليه حريته منذ ذلك التاريخ، وتوجه الشيخ بعدها إلى الأردن للعلاج، وزار العديد من الدول العربية، واستقبل بحفاوة من قبل زعماء عرب ومسلمين ومن قبل القيادات الشعبية والنقابية، ومن بين الدول التي زارها السعودية وإيران وسوريا والأمارات.

انتفاضة الأقصى

خلال انتفاضة الأقصى التي اندلعت نهاية سبتمبر 2000، شاركت حركة حماس بزعامة الشيخ ياسين في مسيرة المقاومة الفلسطينية بفاعلية بعد أن أعادت تنظيم صفوفها، وبناء جهازها العسكري، حيث تتهم سلطات الاحتلال الصهيوني “حماس” تحت زعامة ياسين بقيادة المقاومة الفلسطينية، وظلت قوات الاحتلال الصهيوني تحرض دول العالم علي اعتبارها حركة إرهابية وتجميد أموالها، وهو ما استجابت له أوربا حينما خضع الاتحاد الأوربي فى 6 سبتمبر 2003 للضغوط الأمريكية والصهيونية وضم الحركة بجناحها السياسي إلى قائمة المنظمات الإرهابية.

وبسبب اختلاف سياسة حماس عن السلطة كثيرًا ما كانت تلجأ السلطة للضغط على حماس، وفي هذا السياق فرضت السلطة الفلسطينية أكثر من مرة على الشيخ أحمد ياسين الإقامة الجبرية، مع إقرارها بأهميته للمقاومة الفلسطينية وللحياة السياسية الفلسطينية.

شهيد صلاة الفجر

تعرض في 6 سبتمبر عام 2003م لمحاولة اغتيال صهيونية، حين استهدفت مروحيات الجيش الإسرائيلي شقة في حي الدرج شمال مدينة غزة بقنبلة زنة ربع طن، كان يوجد بها الشيخ أحمد ياسين، وحلقت طائرة مقاتلة إسرائيلية من طراز إف 16 وأخرى من طراز أباتشي على مستوى منخفض في سماء المنطقة وأطلقت قذيفة صاروخية على منزل مروان أبو رأس المحاضر في الجامعة الإسلامية وسقطت القذيفة بعد لحظات من مغادرة ياسين والقيادي في الحركة إسماعيل هنية المنزل، وأصيب ثلاثة فلسطينيين على الأقل بجراح في الهجوم، كما أصاب الصاروخ شقة في عمارة سكنية من ثلاث طوابق مما أدى إلى تدميرها بشكل كامل، إلا أن أحمد ياسين خرج منها سالمًا رغم الدمار الهائل الذي لحق بالبيت.

وفي يوم الاثنين الموافق 22 مارس عام 2004م، أطلقت الطائرات الصهيونية عدة صواريخ استهدفت أحمد ياسين بينما كان ياسين عائدًا من أداء صلاة الفجر في مسجد المجمع القريب من منزله في حي صبرا في غزة بعملية أشرف عليها رئيس الوزراء الصهيونى سفاك الدماء أرئيل شارون.

وقامت مروحيات الأباتشي الإسرائيلية التابعة الجيش الإسرائيلي بإطلاق 3 صواريخ تجاه ياسين المقعد وهو في طريقه إلى سيارته مدفوعًا على كرسيه المتحرك من قبل مساعديه، فسقط ياسين شهيدًا في لحظتها وجرح اثنان من أبنائه في العملية وقتل معه سبعة من مرافقيه.

وتناثرت أجزاء الكرسي المتحرك الذي كان ينتقل عليه ياسين في أرجاء مكان الهجوم الذي تلطخ بدمائه ومرافقيه خارج المسجد، مما أدى أيضًا إلى تناثر جسده وتحويله إلى أشلاء.

Facebook Comments