تنتظر مصر جلسة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بجنيف لليوم، والذي يستعرض ملفات عدد من الدول من بينها مصر، فيما يخص سجلها الحقوقي، والملاحظات التي أبدتها المراجعة السابقة التي كانت في نوفمبر 2014، والتي شهدت أكبر كمية من الملاحظات والانتقادات الدولية للسجل المصري، بعدد 300 ملاحظة دولية.

وتضمنت أبرز التوصيات التي عرضها التقرير الحقوقي بشأن مصر في 2014، معاقبة قوات الأمن جراء جرائم التعذيب التي ارتكبتها، وضمان عدم تعرض المعتقلين لأي تعذيب أو معاملة سيئة، والتحقيق في كافة المزاعم المتعلقة بتعذيب المعتقلين والمحتجزين، والتصدي لظاهرة العنف ضد المرأة، وإطلاق سراح المعتقلين على خلفية قضايا متعلقة بحرية الرأي، والإفراج العاجل عن الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وإقرار قانون جديد خاص بالمؤسسات الأهلية، يتواءم مع المعايير الدولية، وإلغاء عقوبة الإعدام”.

فيما جاءت ردود الوفد المصري حينها أمام مجلس حقوق الإنسان الأممي، بعبارات فضفاضة وتجميلية للواقع المرير من عينة، الزعم بعدم وجود صحفي محتجز في مصر بسبب ممارسة حقه في حرية التعبير، على الرغم من تقارير حقوقية ثبوتية بوجود أكثر من 90 صحفيًّا معتقلا آنذاك، منهم محسن راضي، وهشام جعفر، وإبراهيم الدراوي وغيرهم.

وفي دراسة للشارع السياسي، بعنوان: “الاستعراض الدوري الشامل للملف الحقوقي المصري بالأمم المتحدة.. انتهاكات بالجملة تحميها المصالح السياسية”، توقعت أن يجري فضح الملف المصري بصورة غير مسبوقة لتعاظم الانتهاكات الحقوقية.

إلا أن الدراسة ذهبت إلى أن المصالح السياسية والاقتصادية الدولية التي تجمع نظام السيسي مع كثير من الفاعلين الدوليين، ستحدُّ دون اتخاذ قرارات قوية ضد مصر، من نوعية استدعاء قيادات بالنظام المصري لمحاكمات دولية، أو إدراجهم على قوائم دولية، أو إحالة الملف المصري للجنائية الدولية.

وقالت الدراسة المنشورة في 6 نوفمبر الجاري، “على الرغم من اقتراب موعد الاستعراض الدوري الشامل لملف مصر لحقوق الإنسان أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بجنيف، في 13 نوفمبر الجاري، إلا أن الانتهاكات الحقوقية تتواصل بحق الجميع في مصر، من اعتقالات وتعذيب للمعتقلين، وإعلان تصفيات خارج إطار القانون لما تسميهم السلطات المصرية “مسلحين”، سواء في سيناء أو غيرها من المحافظات المصرية، أو اعتقال نساء وفتيات من وسائل المواصلات، أو من خلال توقيفهن بالشوارع والميادين وفحص تليفوناتهن، بجانب استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان، والنشطاء والسياسيين الذين يخرجون من قضية ليدخلوا غيرها، بعد استئناف النيابة على قرارات الإفراج عنهم”.

وكان لافتا خلال الأيام القليلة الماضية، محاولات الأذرع الإعلامية والسياسية للنظام القمعي المصري، تجميل الوجه القبيح للنظام عبر نشر صور وتقارير ملفقة من السجون المصرية، لتظهر السجون على عكس حقيقتها كفنادق ومنتجعات ترفيهية، رغم القتل خارج القانون الممارس فيها، ومنع الدواء والتريض والزيارات، وحتى إجراء الفحوص الطبية.

بجانب اتصالات سياسية مع السفارات الغربية والمؤسسات الدولية والفاعلين بالمجال الحقوقي، وقرارات سياسية تجميلية، كإلغاء 4 دوائر مختصة بقضايا الإرهاب، وإصدار بعض قرارات العفو الرئاسي شملت قليلًا من السياسيين الذي قاربوا على الانتهاء من قضاء مدد حبسهم، وكثيرًا من الجنائيين أشهرهم البلطجي صبري نخنوخ.

من جهة أخرى، أطلقت سلطات الانقلاب حملة تكسير عظامٍ ضد المدافعين عن حقوق الإنسان داخل مصر، وصلت إلى حد الاعتداءات البدنية على الحقوقي جمال عيد، مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان، وسرقة سيارته وهاتفه المحمول، واعتقال المحامي محمد الباقر من داخل النيابة العامة أثناء دفاعه عن الناشط علاء عبد الفتاح، واعتقال الناشطة إسراء عبد الفتاح من سيارتها بالشارع، وتعريضها للتعذيب البدني والنفسي الشديد، وإخفاء أنباء مرض الناشطة عائشة الشاطر التي دخلت في إضراب عن الطعام منذ أكثر من شهر.

وعقدت الخارجية المصرية، في 31 أكتوبر الماضي، سلسلة من اللقاءات مع السفراء المعتمدين لدى مصر، اختتمتها باجتماع موسع مع سفراء الدول الغربية، وقدّم أحمد إيهاب جمال الدين، مساعد وزير الخارجية، خلال هذه الاجتماعات عرضًا حول الاستعدادات المصرية للاستعراض الدوري الشامل.

بجانب وعود أطلقها مساعد وزير الخارجية للسفراء الأجانب، بأن اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان برئاسة وزير الخارجية ستبدأ عملها قريبا، من أجل صياغة استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان، والنظر في الخطوات المؤسسية والتشريعية المطلوبة، وتعزيز التواصل الإعلامي في الداخل والخارج، بالإضافة إلى بناء القدرات والتدريب، ونشر ثقافة حقوق الإنسان وإدماج مبادئها في المراحل التعليمية المختلفة.

ومن المقرر أن يرأس الوفد المصري بالأمم المتحدة المستشار عمر مروان، وزير شئون مجلس النواب، لتقديم تقرير مصر حول ما أنجزته في مجال حقوق الإنسان خلال السنوات الأربع الأخيرة.

أوراق المنظمات الحقوقية

ومن جهة أخرى، تستعد المنظمات الحقوقية لعرض انتهاكات مصر في المؤتمر المقبل، حيث أعدت منظمة «العفو الدولية» تقريرا جديدا مفصلا ستعرضه على مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة لمواجهة الوفد المصري به، يتناول متابعة لتنفيذ مصر للتوصيات السابقة من عدمه، ووضع حقوق الإنسان حسب القوانين التي تملك تعديلها في الدستور المصري، ثم وضع هذه الحقوق على أرض الواقع وتحويلها من السياق المكتوب إلى السياق الحقيقي، ثم توصيات جديدة.

ومن أبرز الانتهاكات التي ستُواجه مصر بها: انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكب باسم مكافحة الإرهاب، التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، المحاكمات الجائرة، الإفلات من العقاب، عدم التعاون مع آليات الأمم المتحدة.

بالإضافة إلى الإعدام خارج نطاق القضاء، والإفلات من العقاب، وعقوبة الإعدام، والتمييز والعنف الجنسي، وحرية التجمع، والاختفاء القسري.

ومن المتوقع أيضا، أن يتم مواجهة مصر بقضايا أثارت الرأي العام محليا وعالميا مثل؛ قضية الباحث الإيطالي «جوليو ريجيني»، ووفاة الرئيس «محمد مرسي» في قاعة المحكمة، وتصفية مئات المعارضين بذريعة الحرب على الإرهاب، واعتقال أكاديميين ورجال أعمال وقيادات عسكرية وغيرهم، ووفاة معتقلين بالموت البطيء بسبب ما يتعرضون له من إهمال طبي.

الواقع المرير

وعلى الرغم من التقارير الحقوقية، الفاضحة لممارسات النظام المصري، تتواصل الانتهاكات بحق الجميع، من المواطنين إلى المدافعين عن حقوق الإنسان والأكاديميين، بل والأجانب أيضا، وهو ما عبر عنه توقيع  200 أكاديمي بريطاني على مطالبة للحكومة البريطانية، بتعليق التعاون مع مصر.

ووجهوا نداءهم إلى جامعات المملكة المتحدة العاملة في مصر أو التي تخطط لفتح أفرع لها بالقاهرة بتعليق هذه المشاريع حتى يتحسن وضع حقوق الإنسان، بما يكفي لضمان حماية الحريات الأكاديمية، وإطلاق سراح المعتقلين.

وتأتي الرسالة عقب قرار جامعات كوفنتري ولندن وهيرتفوردشاير وغيرها من الجامعات البريطانية بإتاحة شهاداتها لمؤسسات تعليم خاصة، تعمل كفروع لها بالعاصمة الإدارية الجديدة التي يجرى إنشاؤها بمصر.

وكانت جامعة إدنبرة أعادت، في 12 أكتوبر الماضي، عددًا من طلابها البريطانيين الذين أرسلتهم إلى مصر لمدة عام، ضمن منحة للتبادل الطلابي التعليمي مع الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

وجاء هذا الإجراء ردًّا على اعتقال قوات الأمن اثنين من طلاب المنحة دون ذكر أسباب احتجازهم أو أماكنهم، وسبق أن ألغت جامعة ليفربول خططًا لفتح فرع لها في مصر، بعد تعرضها لانتقادات حادة من أكاديميين وطلاب بسبب الانتهاكات الحقوقية في مصر.

وبحسب منظمات حقوقية عدة، فإن أوضاع حقوق الإنسان حاليًا أسوأ كثيرًا عما كانت عليه في 2014. إذ شهدت السنوات الخمس الماضية ارتفاعا في حالات القتل خارج نطاق القانون، خاصة بعد كل عملية إرهابية، فضلاً عن الإفراط في إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام حتى للأطفال، وشبهة القتل العمد للمساجين السياسيين بالإهمال الطبي والصحي العمدي لهم أثناء الاحتجاز، بالإضافة إلى التنكيل بالأحزاب السياسية والانتقام من الحقوقيين، واستمرار التعدي على حقوق النساء والأطفال، ناهيك عن السيطرة على الإعلام وحجب المواقع، وحبس الصحفيين وترحيل المراسلين الأجانب.

ماهية الاستعراض الدوري الشامل

وحسب الموقع الرسمي لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، فإن الاستعراض الدوري الشامل، هي عملية استعراض سجلات حقوق الإنسان الخاصة بجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولة مرة كل أربع سنوات. ويوفر الاستعراض فرصة لجميع الدول للإعلان عن الإجراءات التي اتخذتها لتحسين أحوال حقوق الإنسان في بلدانها والتغلب على التحديات التي تواجه التمتع بحقوق الإنسان.

وأُنشئ الاستعراض الدوري الشامل عندما أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة مجلس حقوق الإنسان في 15 مارس 2006 بواسطة القرار 60/251. وقد أناط هذا القرار بمجلس حقوق الإنسان «إجراء استعراض دوري شامل يستند إلى معلومات موضوعية وموثوق بها لمدى وفاء كل دولة بالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان على نحو يكفل شمولية التطبيق والمساواة في المعاملة بين جميع الدول».

ويستهدف الاستعراض الدوري الشامل تحسين أحوال حقوق الإنسان في كل بلد، ودعم وتوسيع نطاق تعزيز وحماية حقوق الإنسان على الطبيعة. ولكي يتحقق ذلك، ينطوي الاستعراض الدوري الشامل على تقييم سجلات الدول بشأن حقوق الإنسان ومعالجة انتهاكات حقوق الإنسان أينما تحدث. كما يهدف إلى توفير مساعدة تقنية للدول وتوطيد قدرتها على معالجة تحديات حقوق الإنسان بفعالية وتقاسم أفضل الممارسات في ميدان حقوق الإنسان فيما بين الدول وأصحاب المصلحة الآخرين.

ويجري استعراض جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة مرة كل أربع سنوات- إذ يجري استعراض 48 دولة كل سنة. ويتم استعراض جميع الدول الأعضاء في المجلس البالغ عددها 47 دولة أثناء فترة عضويتها.

وفي أعقاب الاستعراض الذي يقوم به الفريق العامل للدولة، تقوم الترويكا بإعداد تقرير بمشاركة من الدولة قيد الاستعراض وبمساعدة من مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان. ويوفر هذا التقرير، الذي يشار إليه باسم “تقرير النتائج”، موجزا للمناقشات الفعلية. ومن ثم فإنه يتألف من أسئلة وتعليقات وتوصيات قدمتها الدول إلى البلد قيد الاستعراض، علاوة على ردود الدولة المستعرضة.

وتتحمل الدولة بمسئولية أولية عن تنفيذ التوصيات الواردة في النتائج النهائية. ويكفل الاستعراض الدوري الشامل أن تكون جميع الدول موضع مساءلة عن التقدم أو الفشل المحققين في تنفيذ تلك التوصيات. وعندما يحين الوقت للاستعراض الثاني لدولة ما فإنه يتوجب عليها أن تقدم معلومات عما قامت به لتنفيذ التوصيات المقدمة في الاستعراض الأول قبل أربع سنوات. ويقدم المجتمع الدولي المساعدة في تنفيذ التوصيات والاستنتاجات فيما يتعلق ببناء القدرات والمساعدة التقنية، بالتشاور مع البلد المعني. وإذا ما اقتضت الضرورة، يتصدى المجلس للحالات التي لم تبد الدول تعاونا فيها.

وفي حال لم تتعاون الدولة مع الاستعراض الدوري الشامل، يقرر مجلس حقوق الإنسان التدابير التي يتعين اتخاذها في حالة ما إذا ثابرت الدولة على عدم التعاون مع الاستعراض الدوري الشامل.

Facebook Comments