أكد الكاتب الصحفي وائل قنديل إن قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي يتجه بأقصى سرعة إلى القاع، وأن هذه المرحلة ستنتهي بقبحها وظلمها وفسادها وانحطاطها على المستويين السياسي والاقتصادي، موضحًا أن مصر ستعود دولة، ولا توجد مشكلات كبيرة في ذلك، لكن المعضلة الأكبر، والسؤال الأهم هنا: كيف يمكن استعادة المجتمع المصري؟.

 

وأضاف قنديل خلال مقاله بصحيفة "العربي الجديد" اليوم السبت، أن النخب السياسية تشغل نفسها بشكل الحكم القادم، وهندسة علاقات القوى السياسية والكتل الحزبية، مع إفراط في الحديث عن ضمانات الدولة المدنية، ومتطلباتها، إلا أنه قال "المشكلة الحقيقية أن هذا الجدل يقفز على القضية الأهم قبل كل ذلك، وهي: كيف يمكن أن تتحدث عن دولة، من دون مجتمع إنساني؟".

 

وأوضح أن الكارثة الحقيقية في مصر، بعد انقلاب السيسي، أن الهوس بوهم بناء الدولة قضى على مكونات المجتمع البشري وملامحه، بحيث بات الناس يحيون، بعيدًا عن ضوابط القانون، ومحددات القيم الإنسانية، ليرتد نمط الحياة إلى تلك الحالة الطبيعية، السابقة على صياغة مفهوم "العقد الاجتماعي" واختراع القوانين، مشيرا إلى أن المأساة الإنسانية في منطقة "الدرب الأحمر" بالقاهرة تُجسد، بشكل كامل، انتحار مفهوم الدولة في مصر، بعد الجريمة التي راح ضحيتها مواطن تمرد على جبروت أمين الشرطة، فأطلق عليه الرصاص.

 

وقال قنديل إن هذا المواطن ضحية أمين الشرطة، والأمين ضحية نظام حكم يكرس في ذهنه طوال الوقت أن "الجيش والشرطة" عادا الصنمين المقدسين، على المواطن، لكي يكون صالحاً، ألا يغضبهما، أو يراجعهما، أو يجادل بشأنهما، ووراءهما جيش من الإعلاميين والسياسيين يؤدون أدوار الكهنة في معابد "جيشنا وشرطتنا"، ليس إيمانا كاملا بهما، وإنما استثماراً في التزلف، وتربحاً من تجارة الأيقونات وتماثيل الآلهة.

 

وتابع: "لذلك، كانت الصدمة مروعة، حين تجرأ الأطباء، وأقدموا على تحطيم صنم الداخلية، ولم يصدق "أمين الشرطة المقدسة" نفسه، وهو يرى مواطناً يرفض تقديم فروض الولاء والطاعة له، فقتله"، موضحا أن "أصنام هذا الوطن" لا تستطيع أن تستوعب هذا التغير في عقيدة العباد المحكومين بالحديد والنار والخرافة، ونزوعهم إلى تحطيم الأصنام التي ثبت أنها لا تقدر على سد جوعهم، أو تأمينهم من الخوف، فتكرّرت مظاهر التمرد والارتداد.

 

وأشار إلى أن الأكثر إثارة للفزع مما هو قادم أن أهالي قتيل "الدرب الأحمر" أرادوا الثأر في التو واللحظة، بأيديهم، لا بالقانون، في تعبير صارخ عن يقينهم بأنه لا توجد دولة في مصر، وتلك هي الكارثة، و"بالتالي، لا يوجد "حاكم" ولا حتى "حاتم"، حيث يتندر المصريون على بطش إمبراطورية الضباط بالقول "مفيش حاتم بيتحاكم" في بلادٍ تغرق في آبار الخوف والدجل، يقودها شخص واحد، بالكرباج وتمائم الشعوذة".

 

وقال قنديل إن الجنون وصل في مصر إلى الحد الذي صارت معه عبارة "جزاك الله خيراً" دليلاً مادياً لاتهام قائلها بالإرهاب، كما جرى في مدينة بنها حين ارتاد أربعة شباب مقهى للفرجة على مباراة، فسألهم النادل عن نوعية دخان الشيشة الذي يريدونه، فكان ردهم "جزاك الله خير نحن لا ندخن" وما هي إلا دقائق، حتى كانت قوات الشرطة قد حضرت للقبض على الإرهابيين الأربعة الذين أبلغ عنهم النادل النذل.

 

وتساءل قنديل "كيف لمجتمعٍ أن يعود إنسانيًا، وقد زرعوا فيه بذور قيم سامة، وأعرافًا وتقاليد جديدة موغلة في الخسة والدناءة، واتخذت المسميات مفاهيم غريبة، جعلت أشياء، مثل العيش المشترك والجيرة والتكافل والتضامن، مفردات بالية وعملاتٍ لا تصلح للتداول في مجتمعٍ، يقوم على مبدأ الافتراس وعقيدة النهش والقنص والخطف، وكيف يمكن أن يوصف بأنه مجتمع بشري، هذا المكان الذي يعيش وفق قاعدة "الكل بريء ما عدا الإخوان"، ويكرّس مبدأ الترقي الاجتماعي والوظيفي، تبعاً لمستوى كراهية الفرد "الإخوان المسلمين"، وحسب ما يقوم به من أدوار لمساعدة السلطة في قمعهم؟.

 

واختتم مقاله قائلاً: "أغمض عينيك، وافترض أن سلطة الانقلاب العسكري رحلت غدًا، وتخيل شكل مجتمع أمضى سنوات من عمره يتغذّى على أعشاب الكراهية، كيف يمكن أن يعيش أفراده في وضعٍ يليق بالبشر، بعد أن فرضوا عليه الحياة بمنطق الضواري والوحوش الجائعة؟".

 

Facebook Comments