يضع غياب الزوج المعتقل في مصر، الذي لا تُعرف لسنوات اعتقاله نهاية، عائلتَه أمام خيارات صعبة؛ فإمّا أن يسلّموا بغيابه ويتابعوا حياتهم، معدمين الأملَ بكونه سيخرج من زنزانته على قيد الحياة، وإمّا أن ينتظروا سنوات لا تعرف لها نهاية تحقق احتمال ضئيل بعودته، أو بسقوط الانقلاب.

وبين هذين الخيارين المرّين، تتحمّل زوجة المعتقل مع أطفالها الجزءَ الأكبر من المعاناة بشقّيها الاقتصادي والاجتماعي، وإذا فكّرتْ تلك الزوجة في إيجاد حلّ لمعاناتها؛ فإن الخيارات تكون محدودة وصعبة، وتراوح بين الانفصال عن الشريك الغائب، أو البقاء سجينة الانتظار والوفاء.

وفي عهد جنرال إسرائيل السفيه السيسي ازدادت الصورة قتامة، فاعتقل ما يقرب من 100 ألف معتقل سياسي، غيّبتهم سجون العسكر عن الحرية، ومعهم أسرهم، وجميعهم يتعرضون لمضايقات وانتهاكات تشمل عائلاتهم، ولا تقف عند حد إلغاء الزيارات، وجعلهم ينتظرون ساعات قبل السماح لهم بزيارة قصيرة لا تتعدى عشر دقائق، وتتعرض جميع الأسر للإهانة والتهديد في أي وقت، وقد تصل الأمور إلى اعتقال بعض أفراد الأسرة أثناء الزيارة.

وتعيش أسر المعتقلين معاناة صعبة، باتت من أصعب المآسي التي تعيشها الأسر المصرية منذ الانقلاب العسكري في يوليو 2013 وغدر السفيه السيسي بالرئيس الشهيد محمد مرسي أول رئيس منتخب عرفته البلاد.

أم عبيدة

روت صفحة "حريتها حقها" المتخصصة على الفيس بوك بقضايا النساء ضد الانقلاب قصة زوجة أحد المعتقلين في مصر وهي تروي جانباً من المعاناة اليومية التي تعيشها، خاصة عندما تبدأ يومها برحلة لزيارة زوجها المعتقل في سجون العسكر، حيث لخصت صورة لـ"ام عبيدة" نشرتها الصفحة النسائية تحكي المعاناة.

تقول الصفحة :" ليس الرجل وحده من يعتقل بين ظلمات السجون ويقهر ويظلم ، بل تعتقل زوجته وأبنائه بين ظلمات القهر وهموم الحياة التي تنتهي بغياب عائلها .."، مضيفة:"ام عبيده زوجة معتقل في القضية رقم " 64 عسكريه" مريضة مرض شديد، وجاء موعد التجديد لزوجها فذهبت مسرعة برغم شدة مرضها لعلها تلمح زوجها الممنوع من الزيارة من شباك الأتوبيس أو تسمع صوته".

وتمضي الصفحة في وصف معاناة الزوجة بالقول:"سافرت أم عبيدة لأكتر من أربع ساعات وسط شمس حارقة ، وقسوة سجان رفض حتي السماح لها بالمكوث في الظل برغم حالاتها الصحية المتدهورة".

وختمت الصفحة روايتها بالخبر غير السعيد:"وأخيرا وبعد الانتظار رفضوا إنها تدخل الجلسة، ولم تسمع صوت زوجها ، ولم تلمح حتي خياله ، وعادت أم عبيدة تجرجر أذيال القهر وتشكو إلي الله ظلم وقسوة السجان ..".

مأساة رضوى!

وتأكيدا على مأساة أم عبيدة تقول الكاتبة رضوى أحمد فتوح، وهى أيضا زوجة معتقل في مقال لافت تحكي فيه المعاناة عنونت له بــ(يوميات زوجة معتقل مصري)، إن "الحشود الكبيرة من الأطفال والأمهات والزوجات وسط حرارة الشمس الشديدة والغبار الذي يملأ المكان" ليس سوى "مشهد إنساني مليء بالألم والحزن"، في إشارة إلى مشهد هؤلاء وهم يتزاحمون لزيارة أقاربهم وذويهم المعتقلين لأسباب سياسية في السجون المصرية.

وتضيف: "نجلس على الأرض جميعاً في انتظار النداء على أسماء معتقلينا لنأخذ دوراً للدخول من هذا الباب الخشبي العتيق الذي كُتب أعلاه (سجن الاستقبال والتعذيب( "!، وتقول فتوح بعد أن تروي معاناة زيارة زوجها في السجن: "كل التفاصيل محفورة في الوجدان والذاكرة، تلك اللحظة التي يرتمي فيها أطفال صغار في حضن أبيهم، تنساب دموعي دون تفكير، يشتاقون إليه وقد حرموا منه. كانوا رُضّعا والآن يمشون ويجرون ويتكلمون.. كانت أحاديث أمهم عن أي مدرسة ستختار لهم، واليوم تحتفل بدخولهم للصف الأول الابتدائي".

وتؤكد فتوح التي لم تكشف اسم زوجها المعتقل لأنه مجرد واحد من بين آلاف المعتقلين في مصر، تؤكد أنها لا تستجدي العطف والشفقة بما تكتبه من مذكرات، حيث تقول: "لا أكتب هذه الكلمات لأستجدي عطفاً أو لأرى دموعاً في عيون القارئ، ولكن لأدوّن في التاريخ أن هؤلاء الرجال دفعوا من أعمارهم ومن أعمار زوجاتهم وأبنائهم من أجل ما اعتقدوه حرية وطن".

وتنتهي زوجة الأسير المصري إلى القول: "للحديث بقية، أروي بها عن آلامي وآلام الكثيرين، عن أحلامنا بأوطان تكبر بنا وبأولادنا، عن خطوط رسمناها واجتهدنا في تلوينها بأرواحنا وعلمنا، عن تاريخ صار جزءاً منا فما كنا أبداً عالة على أوطاننا، وما حلمنا إلا بحياة كالحياة".

Facebook Comments