من المؤكد أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة نقلت الجزائر إلى مرحلة جديدة في تاريخها السياسي، لكن ليس معروفا حتى الآن مصير الحراك الثوري الذي انطلق في الثاني والعشرين من  فبراير الماضي ضد العهدة الخامسة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، والذي رفع شعارا واسعا “يتنحوا قاع”، أي ضرورة تنحي كل رموز عهد بوتفليقة. ولو أخذنا هذا الشعار على ظاهره وباطنه، فإنه يضم أيضا الرئيس المنتخب الجديد عبد المجيد تبون وقائد الجيش الحالي احمد قائد صالح وكل الرموز الموجودة في السلطة حاليا؛ لأنهم جميعا شاركوا في حكومات بوتفليقة المتعاقبة.

النقلة الجديدة للجزائر هي وصول رئيس مدني عقب انتخابات تنافسية حقيقية لم تفرض فيها شروط إقصائية لأول مرة في تاريخ الجزائر، كما أنها جرت تحت رقابة محلية وعالمية، وبتنظيم هيئة وطنية مستقلة، وبالتالي فإن هذا المكسب الديمقراطي وإن لم يلب كل مطالب الحراك، إلا أنه يصعب التراجع عنه لأنه لم يكن منحة من حاكم، بل جاء نتيجة حراك شعبي امتد على مدار أكثر من تسعة أشهر.

المعضلة الحقيقية أمام الحراك الآن أنه لن يستطيع المطالبة بإلغاء هذه الانتخابات وإجراء انتخابات جديدة عاجلة، وبالتالي لم يعد أمامه سوى المطالبة بدستور عصري للجزائر على مقاس الشعب لا مقاس الحاكم، وكذا تثبيت المكاسب الديمقراطية التي حققها خلال الفترة الماضية، وتحقيق المزيد منها عبر الدستور الجديد أو سلسلة التشريعات التي ستصدر بناء عليه، أيضا الاستمرار في تعقب ومحاكمة رموز الفساد في العهد السابق.

يمكن للحراك الثوري حاليا أن يطلب مددا محددة لإنجاز الدستور، وأن يفرض ممثليه في لجنة صياغته، وأن يشكل أيضا لجانا وطنية لمتابعة قضايا الفساد، ومتابعة التعهدات التي قطعها الرئيس على نفسه في حملته الانتخابية، وأن يحدد توقيتات للانتهاء من هذه التعهدات، حتى لا يترك الأمر للقوى الخفية التي ربما تدير أو تسهم في إدارة المشهد من خلف الستار.

بالتأكيد هناك مخاوف قوية من استمرار العسكر في إدارة المشهد من خلف الستار كما فعلوا دوما من قبل، حين كانوا يتركون الرئاسة ظاهرا لرؤساء مدنيين آخرهم عبد العزيز بوتفليقة، لكنهم يتحكمون في الخيوط من الخلف. وقد ظهروا للواجهة عقب الانتخابات البرلمانية عام 1991 التي منحت الجبهة الإسلامية للإنقاذ الأغلبية النيابية، فقرروا إلغاء نتيجة الانتخابات، وأجبروا الرئيس ابن جديد على الاستقالة لينصبوا من شاؤوا بعد ذلك وحتى بداية الحراك الحالي. لكن الوضع هذه المرة مختلف ولو نسبيا، إذ أن العسكر اضطروا لمجاراة الشارع والرضوخ لمطالبه المنطقية، فساندوا مطلبه بتنحي بوتفليقة الذي كانوا يرغبون في بقائه، واضطروا لتقديم عدد كبير من رموز عهد بوتفليقة، يتقدمهم شقيقه سعيد ورئيسا المخابرات السابقين وعدد من الوزراء للمحاكمة بتهم الفساد، كما اضطروا لتشكيل هيئة وطنية مستقلة لإدارة العملية الانتخابية من بدايتها حتى نهايتها، ولم يكن هناك أي قيد على ترشح أحد على عكس الانتخابات السابقة. كما شهدت الجزائر لأول مرة مناظرة حرة بين المرشحين الخمسة سمحت للشعب (أو على الأقل لمن قبلوا خيار الانتخابات) بمعرفة فكر من سيحكمهم.

يمكننا ببساطة مقارنة الوضع في الجزائر بنظيره في مصر عقب ثورة 25 يناير 2011؛ التي أنهت حكم مبارك وفتحت الباب لانتخابات رئاسية حرة تنافس فيها 13 مرشحا، منهم من كان يمثل الثورة ومنهم من كان يمثل الدولة القديمة أو حتى الثورة المضادة. ثم فتحت الثورة الباب لصياغة دستور جديد للبلاد، وانتخابات برلمانية، وكل ذلك مع استمرار ملاحقة رموز عهد مبارك الذين حبس بعضهم بالفعل ولو لبعض الوقت، كما فر بعضهم إلى خارج البلاد حتى الآن,

لم تكن كل هذه المكتسبات هي كل مطالب الثورة التي رفعت شعارات كبيرة أيضا (عيش- حرية- عدالة اجتماعية- كرامة إنسانية)، ولكن هذا ما أمكن تحقيقه في ظل توازنات صعبة في تلك اللحظة بين قوى الثورة وقوى الدولة العميقة بقيادة المؤسسة العسكرية، التي نجحت لاحقا في الانقضاض على تلك المكتسبات حين اختل ذلك التوازن الدقيق في انقلاب الثالث من يوليو 2013، بدعم من قوى مناهضة لحكم الرئيس مرسي وجماعة الإخوان.

ويبدو أن الثورة الجزائرية تسير في هذا الاتجاه، وقد حققت بالفعل كما ذكرنا الكثير من المكاسب لكنها لا تمتلك القوة الكافية لفرض بقية مطالبها. فالحراك الشعبي فقد زخمه الذي شهده العالم كله في بداياته، بل ظهر حراك مقابل له حتى لو كان مصطنعا. وحين أعلنت نتيجة الانتخابات يوم الخميس الماضي (أي عشية الجمعة الثالثة والأربعين للحراك) لم يزد الحراك كثيرا عن الجمع السابقة، بينما كان الكثيرون يتوقعون حشودا مضاعفة للاعتراض على الانتخابات ونتيجتها، وهو ما لم يحدث، ما أعطى رسالة لخارطة الانتخابات بالمضي قدما للأمام.

الفترة المقبلة ستكون حامية الوطيس بين قوى الثورة التي عليها الحفاظ على مكاسبها وتعزيزها، وقوى الثورة المضادة التي ستبذل كل طاقتها للانقلاب على المكاسب التي حققها الحراك، وسيظهر ذلك عند صياغة الدستور الجديد، وفي المحاكمات الجارية حاليا لرموز العهد السابق. وربما نشهد محاولات اشتباك مباشر مع متظاهري الحراك بدعوى الحفاظ على الأمن والاستقرار بعد انتخاب رئيس جديد الخ. كما أن هذه القوى ستبدأ على الفور تجهيز نفسها للانتخابات التشريعية التي ستجري عقب إنجاز الدستور والتي يمكنها من خلالها العودة بقوة إلى المشهد، وإذا كان الحراك قد فشل أو رفض تقديم مرشح له للانتخابات الرئاسية، فإن عليه الاستعداد القوي لمعركة الدستور التي يمكنه خلالها وضع نص خاص باجراء انتخابات رئاسية جديدة بناء على هذا الدستور، وكذا الاستعداد للانتخابات البرلمانية المقبلة، مع استمرار الحشد في الجمع المتتالية ضمانا للحفاظ على المكاسب ومضاعفتها.
نقلاً عن “عربي21”

Facebook Comments