على الرغم من عدم تعليق أي مسئول مصري على المحادثات الأخيرة بين "حماس" وفتح التي استضافتها تركيا، سارعت وسائل إعلام الانقلاب إلى التنديد بالاجتماع، متهمة "حماس" بالتودد إلى تركيا لتنفيذ طموحاتها الإقليمية.

للمرة الأولى منذ عام 2006، اتفقت حركتا حماس وفتح الفلسطينيتين على إجراء انتخابات عامة في غضون ستة أشهر. جاء هذا الإعلان يوم 24 سبتمبر فى ختام المحادثات التى جرت بين الحزبين فى إسطنبول بناء على دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لنظيره التركى رجب طيب أردوغان لرعاية المصالحة الفلسطينية.
وقوبل الاتفاق بصمت مصري رسمي، علماً أن القاهرة هي التي ترعى وتقود جهود المصالحة الفلسطينية منذ سنوات. ونددت وسائل الإعلام المصرية المقربة من السلطات بالاتفاق متهمة حماس بتنفيذ خطة تورلي للسيطرة على الضفة الغربية من خلال رعايتها للمصالحة الفلسطينية.

وقال سياسيون وخبراء فلسطينيون ومصريون تحدثوا إلى "المونيتور" حول هذا الموضوع إن الاتفاق يشير إلى خطة تركيا لسحب البساط من تحت القاهرة عندما يتعلق الأمر بملف المصالحة الفلسطينيّة، كما يظهر، وفقاً لهذه المصادر، الاستياء المتزايد للسلطة الفلسطينية من دعم مصر لصفقات التطبيع الأخيرة التي تم التوصل إليها بين الكيان الصهيوني والإمارات العربية المتحدة والبحرين.

وقال حسام الدجاني، المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الأمة في غزة، لـ"المونيتور" إن لجوء الأحزاب الفلسطينية إلى أنقرة في ملفّ المصالحة، يهدف إلى إرسال رسالة احتجاج إلى مصر بسبب ترحيبها بصفقات التطبيع.

وأضاف الدجاني أن السبب الآخر الذي دفع عباس إلى أردوغان هو رفض الجامعة العربية لمشروع بيان فلسطيني لإدانة اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، وقبل ذلك رفضها لمطلب فلسطيني بعقد اجتماع طارئ، مضيفا أن ذلك دفع فلسطين إلى التنحي عن الرئاسة الدورية للجامعة العربية.
ويرى الدجاني أن علاقات عباس مع المحور القطري التركي وعلاقات حماس القوية مع المحور نفسه ستؤدي إلى انفراج إيجابي في الملف الفلسطيني وقال إن حماس أكدت لعباس أنها لن تسيطر على منظمة التحرير الفلسطينية وأنها ستقبله رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية مقابل اتفاق بين الطرفين لانتخاب رئيس توافقي في حال إجراء الانتخابات الرئاسية، وذلك لإضعاف فرص زعيم حركة فتح المفصول ومنافس عباس محمد دحلان المدعوم من الولايات المتحدة والإمارات.

وأضاف الدجاني "مصر، بتفويض من الجامعة العربية، تمثل الراعي الحصري لملف المصالحة الفلسطينية، وإبعاد هذا الملف سيشكل خسارة سياسية كبيرة لمصر".

واتفق حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، مع الدجاني. وقال لـ"المونيتور" إن دور تركيا [الجديد] في المصالحة الفلسطينية يعكس الاستياء الفلسطيني من سياسات مصر الغامضة تجاه القضية الفلسطينية، فمن الناحية النظرية، تعرب [مصر] عن دعمها للقضية الفلسطينية، في حين أنها في الواقع تضغط من أجل التوصل إلى تسوية وتدعم الدفع [الأخير] نحو التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني.

وقال نافعة إن تركيا استغلت علاقاتها مع حماس ومواقف مصر لسحب بساط ملف المصالحة من تحت القاهرة، وأضاف أن "مصر تتفهم الاستياء الفلسطيني ولن تنتقد الاتفاق [على الانتخابات] علناً ما لم تستخدم تركيا البطاقة الفلسطينية لصالح جماعة الإخوان المسلمين، التي تشكل نقطة الخلاف والتوتر الرئيسية بين أنقرة والقاهرة.

وتقود مصر جهود المصالحة بين الفصائل الفلسطينية منذ أكتوبر 2017، واستضافت ممثلين عن حماس وفتح حول طاولة واحدة في القاهرة في عدة مناسبات، بعد الانقسام الفلسطيني في عام 2007 بعد سيطرة حماس العسكرية على قطاع غزة وطرد حماس من الأراضي المحتلة لكن هذه الجهود المصرية تعثرت في السنوات الأخيرة بسبب الخلافات الكبيرة بين الحركتين الفلسطينيتين.

وقال طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، والذي هو على اطلاع جيد على ملف المصالحة الفلسطينية، لـ"المونيتور": "ليس لدى القاهرة تحفظات على أي [إجراء] يخدم القضية الفلسطينية، بما في ذلك الاتفاق الذي تم التوصل إليه في إسطنبول".

وعلى الرغم من أن تركيا تسعى إلى مواجهة مصر في ضوء التطورات في ليبيا والقضايا الإقليمية الأخرى، ويريد الفلسطينيون الضغط على مصر، إلا أن فهمي قلل من قدرة تركيا على لعب دور مصر وقال إن الفلسطينيين قد لا يكونون مستعدين للقيام بذلك من دون القاهرة.
وأضاف أن "تركيا ليس لديها خبرة تراكمية سابقة في القضية الفلسطينية مثل مصر والمملكة العربية السعودية والأمم المتحدة، أو حتى قطر بالإضافة إلى ذلك، اقتصر دور تركيا في المحادثات الأخيرة على استضافة الوفود، لكنها لم تقدم أي رؤية لحل المشكلة".
وتابع فهمي "مصر هي مركز الملف الفلسطيني وستبقى المرجع الرئيسي لأي مفاوضات فلسطينية".

وفي الوقت نفسه، قال بركات الفارع، سفير فلسطين السابق في القاهرة، إن المحادثات التي ترعاها تركيا تشبه المحادثات السابقة التي تهدف إلى تقريب رؤى السلطة الفلسطينية وحماس والتي تستضيفها روسيا وتركيا والسنغال والسعودية وقطر.

وقال لـ"المونيتور" إن ما تردد عن التوتّرات بين السلطة الفلسطينية ومصر ليس سوى "تكهنات لا أساس لها من الصحة"، مؤكداً أن "علاقاتنا مع مصر قوية وتاريخية، وهي تدعمنا منذ ظهور القضية الفلسطينية".
وأضاف الفارع "حتى علاقات حماس مع القاهرة لم تتأثر على الرغم من علاقاتها المشبوهة مع قطر وإيران وتركيا. وذلك ببساطة لأنه لا يمكن لأحد أن يُشغل دور مصر في القضية الفلسطينية".

وبعد وقت قصير من إعلان الاتفاق فى إسطنبول ، أرسل عباس الوفد المكلف بالتفاوض مع حماس إلى القاهرة يوم 27 سبتمبر لإجراء محادثات مع القادة المصريين لإطلاعهم على ما حدث فى إسطنبول والتقى أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب وعضو اللجنة المركزية للحركة، روحي فتوح، في القاهرة، وزير خارجية الانقلاب سامح شكري.

وفي هذا السياق، قال الدجاني إن محادثات المصالحة شهدت دائماً تدخل دول مختلفة مثل السنغال واليمن وقطر وحتى روسيا والمملكة العربية السعودية، وأضاف أن القيادة الفلسطينية ستبلغ مصر دائما بالتفاصيل الطفيفة فى كل مرة.
وأضاف أن "هذه الزيارة تؤكد أن التوجه الفلسطيني [تجاه مصر] لم يتغير"، مضيفا أن وفدا من حماس سيزور القاهرة أيضا في وقت لاحق من هذا الأسبوع لمناقشة ملف المصالحة.

واختتم الدجاني حديثه قائلاً: "ليس من مصلحة أحد في فلسطين الالتفاف على مصر، فهي رئة قطاع غزة وحماس، وفي الوقت نفسه القاهرة قادرة على استيعاب الفلسطينيين في أعقاب تعامل الإمارات والبحرين مع الكيان الصهيوني وتسوية ملف المصالحة من أرضها".

اضغط لقراءة التقرير

Facebook Comments