الاقتصاد المصري إلى أين مع استمرار أزمة فيروس كورونا وحتى بعد نهايتها؟ سؤال يطرح نفسه على خبراء الاقتصاد والمعنيين، كما يفرض نفسه على الواقع المعيشي لحياة الناس فى ظل تراجع الدخول وارتفاع الأسعار وتدنى معدلات الإنتاج، إلى غير ذلك مما تسببّت فيه الإجراءات الوقائية والاحترازية التي تتطلبها مواجهة هذا الوباء.

تساؤلات الخبراء والمواطنين تزايدت عقب إعلان حكومة الانقلاب عن إجراءات قاسية بموازنة الدولة للعام المالي الجديد، تضمنت تحرير أسعار الكهرباء وخفض دعم الوقود، ما يشير إلى أن دولة العسكر في طريقها إلى إعلان إفلاسها.

كان “محمد معيط”، وزير المالية بحكومة الانقلاب، قد كشف أمام مجلس نواب الدم عن أن مشروع موازنة العامة للعام المالي المقبل 2020-2021، تضمن إلغاء دعم الكهرباء بالكامل، وخفض دعم المواد البترولية بنسبة 46.8%.

كما أظهرت الأرقام المعلنة في مشروع الموازنة الجديدة، تراجع دعم المواد البترولية من نحو 52.963 مليار جنيه إلى 28.19 مليار جنيه في الموازنة الجديدة.

وبذلك يكون نظام العسكر قد رفع الدعم نهائيا عن أسعار الوقود، باستثناء البوتاجاز، كما تضمن خفض الدعم المقدم للمواطنين تراجع دعم السلع التموينية في الموازنة من 89 مليار جنيه إلى 84.487 مليار جنيه.

وفي مقابل خفض الدعم، قررت حكومة الانقلاب زيادة الإيرادات الضريبية، من خلال زيادة ضريبة السجائر بنحو 13.3% في موازنة العام المالي الجديد لتصل إلى 74.6 مليار جنيه، وزيادة ضريبة القيمة المضافة من 209.14 مليار جنيه إلى نحو 221.26 مليار جنيه.

كارثة كورونا

الخبراء أكدوا أن تداعيات الفيروس على الاقتصاد المصري ستكون كارثية، موضحين أن الانعكاسات السلبية ستستمر سنوات، وسيكون أول ضحاياها المواطن البسيط.

جانب من السلبيات كشف عنه تقرير صادر عن بنك استثمار “فاروس”، والذى حذر من انخفاض تدفقات عدد من مصادر العملات الأجنبية إلى مصر بنحو 12.1 مليار دولار؛ بسبب تداعيات انتشار فيروس كورونا الجديد على الاقتصاد المصري.

وأشار التقرير إلى أن إيرادات هذه المصادر، التي تتضمن السياحة، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، والاستثمار الأجنبي المباشر، وكذلك غير المباشر، ربما تصل إلى 33.5 مليار دولار خلال العام المالي الجاري مقارنة بتوقعات سابقة عند 45.6 مليار دولار. وأكد البنك أنه من المتوقع أن تنخفض إيرادات السياحة خلال العام المالي الجاري إلى ما بين 6 و8 مليارات دولار مقابل نحو 12.6 مليار دولار كانت متوقعة للعام قبل حدوث أزمة “كورونا”.

وأشار إلى أن خفض توقعاته لإيرادات السياحة راجع إلى الإغلاقات العالمية التي تفرضها الدول لمواجهة تفشي “كورونا”، ومنع السفر، والتدابير الاحترازية.

كما رجح “فاروس” تراجع تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى ما بين 17 و18 مليار دولار خلال العام المالي الجاري مقابل 22 مليار دولار في توقعات سابقة؛ بسبب تراجع اقتصادات دول الخليج العربي، وهبوط أسعار النفط، وانقطاع سلاسل التوريد والإنتاج، والتدابير الاحترازية التي تتضمن وقف قطاع الخدمات.

كما تضمنت توقعات البنك تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 4.5 مليار دولار خلال العام المالي الجاري مقابل 6.5 مليار دولار كانت متوقعة قبل أزمة “كورونا”؛ وذلك بسبب مخاوف الركود العالمي، وضعف الطلب العالمي والاستثمارات، وعدم جاذبية مصر كوجهة استثمارية طويلة الأجل.

ومن بين التوقعات أيضا تراجع تدفقات الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة لتصل إلى 3 مليارات دولار خلال العام مقابل 4.5 مليار دولار في توقعات سابقة؛ وذلك بسبب تخارج الأموال عالميا خاصة بالأسواق الناشئة، والخوف من الركود وارتفاع درجة عدم اليقين، وانهيارات أسواق الأسهم، وارتفاع المخاطر الائتمانية السيادية والشركات.

تراجع اقتصادي

وكشف موقع ستراتفور الأمريكي عن أن النمو الاقتصادي في دولة العسكر شهد تباطؤا في الربع الأول من  2020.

وتوقع ستراتفور، فى تقرير له، أن يفاقم وباء كورونا الوضع الاقتصادي من خلال التسبب في تراجع النمو الصناعي، وإلحاق أضرار خطيرة بقطاع السياحة الحيوي بالنسبة للاقتصاد المصري على المدى القصير.

وأشار الموقع إلى أن جائحة كورونا تهدد بزيادة معدل البطالة، بجانب تباطؤ نمو الأجور في ظل التضخم الذي تشهده البلاد التي يعيش ثلث سكانها في فقر مدقع.

وأوضح أن تفشي جائحة كورونا وعوامل خارجية أخرى- من بينها التراجع الحاد في أسعار النفط والحروب التجارية العالمية المستمرة- باتت تهدد مكاسب الاقتصاد المصري، كما تهدد بتقويض قدرة نظام السيسي على الاستمرار في التسويق لنفسه، على أنه الركن المنيع للاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وأكد التقرير أن تأثيرات كورونا تتسبب فى:

– استمرار إغلاق قطاع السياحة.

– إقدام حكومة الانقلاب على تطبيق إجراءات تقشف جديدة.

– استمرار انخفاض الطلب العالمي على الصادرات حتى عام 2021.

هروب الاستثمارات

من جانبه وصف وائل النحاس، الخبير الاقتصادي والمحلل المالي، تأثيرات فيروس كورونا على الاقتصاد المصري بـ”كرة الثلج”، التي تكبر يوما بعد آخر، مشيرا إلى أن التأثير على دولة العسكر ربما يختلف عن باقي دول العالم لأن تأثيره سيكون أكبر.

ولفت النحاس، فى تصريحات صحفية، إلى تراجع تأثر الاستثمارات غير المباشرة والاستثمارات في أدوات الدين المحلية، نتيجة تضرر الأسواق المالية العالمية، وهذا قد يؤدي إلى هروب جزء من الاستثمارات. وأضاف أنه عند طرح أي نوع من السندات أو أدوات الدين لن تجد المشتري بسهولة.

وتابع: عندما أريد تغطية دين بدين، لا بد أن أقترض، وبالتالي قد تتوقف عجلة الاقتراض أو تتراجع، مع الأخذ في الاعتبار تناقص تدفقات نقدية قادمة من استثمارات حقيقية، ومن قطاع السياحة، وهذا يؤثر على احتياطى النقد الاجنبي.

ركود بالبنوك

وتعد البنوك من أكبر القطاعات المتضررة من الفيروس، فقد شهدت البنوك تراجعًا في طلبات فتح الاعتمادات المستندية بين التجار بغرض الاستيراد.

وقال حشمت بهجت، مدير الاعتمادات المستندية في أحد البنوك الخاصة، إن فيروس كورونا أدى إلى تراجع فتح الاعتمادات المستندية للاستيراد خاصة من الصين، نتيجة تخوفات من انتقال فيروس كورونا، واستمرار الصين في إغلاق مصانعها تخوفًا من الوباء.

وأشار بهجت، في تصريحات صحفية، إلى أنّ الواردات الصناعية ومستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة تمثل  نحو 80% من حجم واردات مصر من الصين.

أسعار النفط

وحول استفادة اقتصاد العسكر من تراجع أسعار البترول، قال “أنجوس بلير”، رئيس مركز سيجنت البحثي لتوقعات الأعمال والاقتصاد: “نحن في خضم حدث لا يزال في حالة تطور”، مشيرا إلى أن انعكاسات هذا الحدث لا تزال تتطور تباعا.

وأضاف أن انخفاض أسعار النفط لن يكون له تأثير يذكر على الاقتصاد المصري، إذ إن قيمة واردات مصر من المواد البترولية البالغة 15.5 مليار دولار تعادل فعليا ما تحصل عليه من صادرات القطاع، وهي من الغاز في الأساس.

وتوقع “بلير”، فى تصريحات صحفية، تراجع تحويلات العاملين في الخارج والتي تبلغ 25 مليار دولار سنويا، خاصة إذا خفضت دول الخليج، أكبر سوق للعمالة المصرية في الخارج، أحجام مشروعاتها.

Facebook Comments