في ملف إقالة المشير محمد حسين طنطاوي أول وزير دفاع للرئيس محمد مرسي ورئيس الأركان الفريق سامي عنان كثرت فيه الأقاويل ما بين أن يكون الرئيس محمد مرسي مسيرًا من المجلس العسكري الذي قال عنه اللواء محمد العصار إن القرار تم بالتشاور مع المجلس العسكري أو أن يكون السيسي هو صاحب خطة إقالة طنطاوي وسامي عنان، وأن ذلك ثبت من خلال وثيقة دبلوماسية سرية لهيلاري كلينتون!

وبحسب المراقبين فإن ما أفضى إليه واقع حكم العسكر والقرب بين السيسي وطنطاوي ينفي رواية هيلاري بنسبة كبيرة ويكشف سر ابتسامة طنطاوي في اليوم التالي لإقالته في 12 أغسطس 2012، ويقلل من شأن شهادة العصار والتي أوردتها مجلة “تايم” البريطانية، والدليل أنه سبق للعصار نفسه القسم بأن الجيش لن ينقلب على النظام الديمقراطي في شهادات معلنة وحوارات بينه وبين قيادات الثورة ومنهم جماعة الإخوان المسلمين.

شهادة مصدر رئاسي

وفي 2018، كشف مصادر رئاسية من فريق الدكتور محمد مرسي، عن القصة الحقيقية لتلك الإقالات، التي تؤكد جسارة الرئيس مرسي وأن دماء الجنود المصريين الذين قتلوا في رمضان أحيوا في عروقه دماء شباب ثورة 25 يناير ليأتي بحقهم.

وأكدت تلك المصادر أن ما جاء في رسائل كلينتون مخالف للواقع الذي جرى خلال الفترة من 5- 12 أغسطس 2012.

وأكدت المصادر أن الأزمة مع طنطاوي وعنان بدأت منذ اليوم الثاني من جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية 2012، وهو اليوم الذي أصدر فيه طنطاوي الإعلان الدستوري المكمل، الذي اعتبره مرسي خطوة استباقية لشل حركته، بعدما أصبحت معالم جولة الإعادة في صالحه، وعلق عليها في مقر حملته الانتخابية قائلا: “عايزين يكتفوني.. هانشوف مين هايكتف مين”.

وبحسب “عربي21” فحتى مساء 5 أغسطس 2012، وهو اليوم الذي قتل فيه 16 من جنود القوات المسلحة في الحادثة المعروفة برفح الأولى، طلب الرئيس مرسي من المشير طنطاوي تقريرا وافيا عن الموضوع، ثم أعلن أنه سوف يذهب إلى رفح؛ للالتقاء بالجنود هناك، والوقوف على حقيقة ما جرى، إلا أن طنطاوي اعترض على ذلك بشدة، وبرر اعتراضه بأنه يخشى من تجاوزات ضد الرئيس من بعض الضباط المنفعلين.

وفي اليوم الثاني، قرر الرئيس المشاركة في الجنازة العسكرية التي كانت ستخرج من أمام النصب التذكاري بمدينة نصر، وبالفعل بدأ الحرس الجمهوري والمخابرات العامة ومديرية أمن القاهرة والشرطة العسكرية في الإعداد لمشاركة الرئيس، وذلك من خلال السماح لأنصار توفيق عكاشة والفريق أحمد شفيق، إضافة إلى مجموعة “إحنا آسفين يا ريس” من أتباع المخلوع حسني مبارك، وأصبح محيط النصب التذكاري ومسجد آل رشدان الذي أجريت فيه صلاة الجنازة مرتعا لكل الفلول الذين كان يقودهم النائب مصطفى بكري.

وبالفعل تم الاعتداء على الدكتور هشام قنديل رئيس الحكومة وقتها والقيادات السياسية التي شاركت في الجنازة، وهو ما وصل إلى القصر الجمهوري، فقرر الرئيس عدم الذهاب في اللحظة الأخيرة، بعد أن تكشفت أمامه بوادر انقلاب يقف وراءه قيادات عليا في القوات المسلحة، ولذلك اتخذ عدة قرارات بإقالة رئيس المخابرات العامة ومدير أمن القاهرة وقائد الحرس الجمهوري، وإحالة رئيس المنطقة المركزية وقائد الشرطة العسكرية للتقاعد.

الرئيس في سيناء

وفي صباح اليوم التالي، قرر الرئيس الذهاب إلى سيناء دون الالتفات لتحذيرات طنطاوي، الذي لم يجد مفرًّا من الاستجابة لأوامر الرئيس، وتوفير طائرة هليكوبتر. وطبقا للمصادر ذاتها، كانت هذه الزيارة هي المحطة الأخيرة لطنطاوي، الذي قال للرئيس في وجود قيادات القوات المسلحة: إن المخابرات الحربية رصدت مكان الذين قاموا بالعملية، وهنا تساءل الرئيس: ولماذا لم تقوموا بضربهم بالطائرات طالما تأكدتم من أنهم الذين قاموا بالعملية؟ فرد المشير قائلا: “إحنا خفنا إن ضربناهم.. ممكن نزعل حضرتك: لأنهم ممكن يكونوا تابعين للجماعات الإسلامية”، فرد عليه الرئيس قائلا: وهل لأنهم تابعون للجماعات الإسلامية يكونوا بعيدين عن العقاب؟ وأضاف بنبرة حادة: “إذا كانت لديكم أدلة عن تورطهم كان يجب عليكم تصفيتهم؛ لأن من يقوم بهذا العمل الإجرامي ليس له علاقة بالإسلام من قريب ولا بعيد”.

وبعد عودة الرئيس للقاهرة، عقد اجتماعًا حضره السيسي باعتباره رئيسا للمخابرات الحربية، وكذلك اللواء رأفت شحاتة القائم بأعمال رئيس المخابرات، ومساعد وزير الداخلية للأمن الوطني وآخرين؛ للاطلاع على المعلومات التي قدمتها المخابرات الحربية.

ثلاثة اجتماعات

وأضافت المصادر أنه في مساء 11 أغسطس، عقد الرئيس اجتماعًا بمسكنه الخاص بعد الإفطار، وهو الاجتماع الذي شارك فيه معظم الفريق الرئاسي المعاون لمرسي، والذين استعرضوا أمامه كل المعلومات التي توافرت لديهم، وكانت تشير إلى وقوع انقلاب عسكري يوم الجنازة العسكرية، وهو الاجتماع الذي استمر لما قبل الفجر بساعة.

وطبقًا لمشاركين في الاجتماع، فإن الرئيس كان يستمع ولا يتحدث إلا لمعرفة بعض التفاصيل، وانتهى الاجتماع دون التوصل إلى قرار من الرئيس، الذي قام بعد صلاة الفجر مباشرة بالاتصال بمدير مكتبه الدكتور أحمد عبد العاطي، وطلب منه الدعوة لثلاثة اجتماعات متتالية، الأول يضم المستشار محمود مكي نائب رئيس الجمهورية، ود.هشام قنديل رئيس الوزراء، والسفير رفاعة الطهطاوي، رئيس الديوان، واللواء رأفت شحاتة رئيس المخابرات العامة، والاجتماع الثاني مع اللواء عبد الفتاح السيسي مدير المخابرات الحربية، والاجتماع الثالث مع المشير حسين طنطاوي، والفريق سامي عنان، واللواء محمد نصر رئيس إدارة الشؤون المالية للقوات المسلحة.

وبالفعل، بدأ الرئيس اجتماعاته بنائبه ورؤساء الحكومة والديوان والمخابرات، وطرح عليهم المشهد كاملاً والمعلومات التي كانت تشير إلى حدوث انقلاب، وأكد الرئيس أنه يفكر في اتخاذ خطوة تنهي هذا الازدواج في السلطة بينه وبين المجلس العسكري، وطرح عليهم اختيار اللواء السيسي وزيرًا للدفاع، وهو ما أيده المشاركون، الذين أكدوا أن الأمور تحتاج إلى قرارات جريئة، ولكن في الوقت ذاته التعامل معها بهدوء؛ حتى لا يحدث صدام مع الجيش الذي يتمتع فيه طنطاوي بشعبية كبيرة.

قرار الإقالة

المصادر قالت إن الرئيس مرسي التقى السيسي، وعرض عليه الموقف بشكل مفصل، وأخطره باختياره وزيرا للدفاع خلفا لطنطاوي، وهو ما قابله السيسي بابتسامة سعادة، ووقف مباشرة لأداء التحية العسكرية للرئيس، في إشارة لقبوله بالمنصب، ورشح للرئيس اللواء صدقي صبحي ليكون رئيسا للأركان خلفا لعنان.

وطبقًا للمصادر ذاتها، فإن السيسي قدم للرئيس ملفًّا بالمخالفات المالية للمشير والفريق، وهو الملف الذي استخدمه الرئيس كورقة ضغط عليهما للقبول بالإقالة، دون إحداث أزمة بين الجيش والشعب، وبالفعل انتهى الاجتماع الثالث مع طنطاوي وعنان بقبول ما قرره الرئيس.

Facebook Comments