لعقود عديدة، اعتبرت الدول العربية التي تمخض عنها اتفاق "سايكس بيكو" كيان العدو الصهيوني عدوًا، والتزمت حسب التعليمات الغربية وجدول ترويض الشعوب رفض كل أشكال التطبيع معها، قبل التوصل إلى حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية، ثم جاء الأمر الأمريكي البريطاني وفتحت مصر طريق التطبيع.
وذلك بتوقيع معاهدتي السلام مع كيان العدو الصهيوني عام 1979، على نحو منفرد، من دون اشتراط السلام بحل القضية الفلسطينية، أساس الصراع مع الصهيونية، ووقّعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق أوسلو مع كيان العدو الصهيوني عام 1993، ووقّع الأردن اتفاق سلام مع كيان العدو الصهيوني عام 1994.

تطرف صهيوني
ومع ذلك، ظلت بقية الثيران العربية على حالها في حظيرة الممانعة حتى اشعار آخر، ولم تسهم المعاهدات الأردنية والمصرية مع كيان العدو الصهيوني في حل القضية الفلسطينية، ولا اتفاق أوسلو؛ فقد ازداد كيان العدو الصهيوني تطرّفًا، وزاد في حدّة ممارساتها الاحتلالية.
وأصبح من الواضح أنه لا علاقة للتطبيع بحل قضية فلسطين، وأن من قام بذلك فلأسباب تخصه، لا علاقة لها بتحقيق العدالة في فلسطين، وأن كيان العدو الصهيوني فهم التطبيع على أنه قبول له بصهيونيته وعنصريته وسياستها الاستيطانية.

في مارس 2002، تبنّت قمة بيروت العربية مبادرة السلام التي أطلقها ولي عهد السعودية في حينه، عبد الله بن عبد العزيز، وطرحت سلامًا كاملًا مع الدول العربية، بشرط انسحاب كيان العدو الصهيوني الكامل من الأراضي العربية المحتلة في يونيو 1967، بما في ذلك الجولان، والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفقًا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، وقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.
وعلى الرغم من وجود تاريخ طويل من العلاقات السرية بين دول عربية عديدة والعدو الصهيوني، واستمرار الأخير في رفضه بنود مبادرة قمة بيروت العربية، فإن خطوات التطبيع أخذت منحىً متسارعًا وعلنيًا في الآونة الأخيرة.

ويجري هذا التطبيع على عدة مستويات، اقتصادية وتجارية وأمنية وعسكرية وثقافية ورياضية، فقد تنامى نسق التطبيع التجاري والاقتصادي بين كيان العدو الصهيوني والدول العربية بوضوح خلال السنوات الأخيرة، فوفقًا لبيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، قُدّر إجمالي الصادرات الصهيونية من السلع والخدمات إلى أسواق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو سبعة مليارات دولار أمريكي سنويًا، من بينها أكثر من مليار دولار لدول الخليج العربية.

تصريحات كوهين
وتمثل أسواق منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نحو 7% من إجمالي الصادرات، و6% من إجمالي الواردات الصهيونية من السلع والخدمات، وفي تصريحات أثارت جدلا واسعا قال وزير استخبارات كيان العدو الصهيوني إيلي كوهين، إن المفاوضات ستتكثف مع 5 دول عربية بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية مطلع الشهر المقبل لإقناعها بتطبيع علاقاتها مع العدو الصهيوني.
وفي تصريحات للقناة الصهيونية "20" أضاف "كوهين" أنه بعد التوقيع على الاتفاق مع الإمارات فإنه ستكون هناك اتفاقيات أخرى مع دولة من الخليج، ودولة من إفريقيا، ولاحقا انضمت البحرين والسودان إلى المسار التاريخي"، حسب وصفه.
وتابع وزير استخبارات الصهيوني: "هناك 5 أخرى وهي السعودية، وسلطنة عمان، وقطر، والجزائر، والمغرب، وستتكثف المفاوضات مع هذه الدول بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية".

الجدير ذكره، أن قطر أعلنت رفضها للتطبيع مع كيان العدو الصهيوني بعيدًا عن مبادرة السلام العربية والحل العادل للقضية الفلسطينية، مؤكدةً أهمية إيجاد حل ملائم القضية الفلسطينية في إطار حل الدولتين.

وكان الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مفتي سلطنة عمان اتخذ موقفا واضحا برفض التطبيع مع الاحتلال، رغم أن الموقف الرسمي لمسقط أيّد اتفاق الإمارات مع الكيان المحتل، معتبرا ذلك شأنا خاصا داخليا للدول، وفي نفس الوقت أكدت السلطنة رسميا على تمسكها بحقوق الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

ومنذ مدة طويلة، لم يعد الكثير من المحللين يتحدثون عن نزاع عربي-صهيوني، بل نزاع فلسطيني-صهيوني، ومن أبرز المؤشرات على هذا الأمر، استقبال دولة عربية محورية، هي مصر، للاتفاق الإماراتي-الصهيوني بـ"التثمين"، وكذلك حديث البحرين عن أن الاتفاق يعزّز فرص السلام، بينما اتخذت الأردن موقفًا وسطًا بالحديث عن أن "أثر الاتفاق سيكون مرتبطًا بما يقوم به الكيان الصهيوني" مستقبلًا، في وقت صمتت فيه جلّ الدول العربية، ولا يوجد أيّ مؤشر على انعقاد قمة عربية طارئة لمناقشة الأمر.

مواقف حازمة
وتآكلت مركزية الصراع العربي الصهيوني، من وجهة نظر الحكومات العربية، بشكل تدريجي إلى حصر الصراع بين الفلسطينيين والصهاينة، ما أدى إلى استبعاد الصراع من قائمة أولويات السياسات الخارجية للأنظمة العربية التي تراجع موقفها في تبني قرارات أو مواقف حازمة ردا على مواقف الدول الأخرى، مثل الموقف من قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة الاحتلال الصهيوني ونقل سفارة بلاده إليها.

ونددت جماعة "الإخوان المسلمون" بقرار دولة الإمارات العربية إقامة علاقات متكاملة مع الكيان الصهيوني، كما نددت بالمساعي الدائرة لإسقاط مزيد من الأنظمة العربية في مستنقع التطبيع المشئوم.
وتؤكد الجماعة أن هذا القرار يُعد خيانة للقضية الفلسطينية وللقدس والمسجد الأقصى، وإهدارًا لدماء الشهداء الذين ضحوا -وما زالوا يضحون– على امتداد العقود الماضية في سبيل تحرير بلادهم، كما يُعد تفريطًا صريحًا في حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة التي أقرتها الشرعية الدولية.
وتشدد الجماعة على موقفها المبدئي الرافض للتطبيع مع الكيان الصهيوني المحتل من أي دولة عربية أو إسلامية، وبأي صورة من الصور وفي أي مجال من المجالات، معتبرةً أن أي توجه في هذا الصدد يمثل خيانة للقضية الفلسطينية، قضية العرب والمسلمين الأولى.

وتطالب الجماعة جميع الفصائل الفلسطينية بكل توجهاتها وضع حدٍّ للانقسام فيما بينها، والتحرك العاجل لتوحيد صفوفها تحت راية تحرير فلسطين، والتصدي لكل المخططات الرامية لتصفية القضية الفلسطينية، كما تناشد الشعوب العربية والإسلامية إعلان رفضها للهرولة نحو التطبيع مع الصهاينة، والالتفاف حول تيار الكفاح الفلسطيني، وتقديم كل سبل الدعم والتأييد له حتى يتم تحرير الأرض وإقامة الدولة على كامل التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس الشريف.

وقالت إن حصاد التطبيع الذي جنته الأنظمة العربية التي خاضت غماره على امتداد السنوات الماضية هو حصاد بائس، وقد جرّ عليها الفشل والخراب والتبعية، وأسقطها في دوامة لم تستطع الفكاك منها حتى الآن، وعلى كل من يفكر في تلك الخطوة أن يأخذ العظة والعبرة ممن سبقوه. وإن جماعة "الإخوان المسلمون" التي كانت قضية فلسطين -وما زالت- قضيتها الأولى تؤكد على الحقيقة الثابتة وهي أن فلسطين وفي القلب منها القدس والمسجد الأقصى أمانة في عنق كل مسلم، وأن تحريرها مسئولية كل المسلمين وكل الأحرار حول العالم، وليس لأحد الحق في التفريط في ذرة من ترابها.

Facebook Comments