استضافة تركيا، ثاني أكبر أعضاء حلف الناتو من حيث حجم القوات بعد الولايات المتحدة، مناورات بحرية للحلف في هذا التوقيت قد لا تخلو من دلالة وفي لائحة المشاركين دول بينها اليونان وفرنسا اللتان ساءهما جدا تنقيب تركيا عن الغاز شرقي البحر المتوسط.

فكيف لهذا المناورات المشتركة أن تسهم في نزع محتمل لفتيل الأزمة بين أنقرة وكل من أثينا وباريس؟ وهل تجرى في خليج إزمير بمعزل عن أزمة شرقي المتوسط؟ وما دلالة تحذير واشنطن لأنقرة من تشغيل منظومة صواريخ s400 روسية الصنع؟

ففي خليج مدينة إزمير ببحر إيجه غرب تركيا يجتمع من فرقتهم حسابات شرقي البحر المتوسط على مدار 10 أيام تجرى مناورات بحيرة يطلق عليه اسم "نصرت" يشارك في تلك المناورات العسكرية أفراد من مجموعات الألغام البحرية في دول حلف الناتو. واللافت هو توقيت انطلاق المناورات والأعضاء المشاركون فيها فباستضافة تركيا لتلك التدريبات تشارك اليونان وفرنسا والولايات المتحدة وإيطاليا وأسبانيا بعد يوم واحد من سجال أوروبي تركي بشأن أعمال أنقرة الاستكشافية شرقي البحر المتوسط.

وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رفض بلاده أي مخطط أو فرض للأمر الواقع شرقي المتوسط دون مشاركة بلاده والقبارصة الأتراك متهما في الوقت ذاته الاتحاد الأوروبي بالانحياز الكامل لليونان والقبارصة اليونانيين. ويعد تصريح الرئيس التركي ردا قويا على تلويح الأوروبيين خلال اجتماعهم الأخير في بروكسل الجمعة بفرض عقوبات على أنقرة في اجتماعهم القادم في ديسمبر ردا على ما يعتبرونه خطوات تركية استفزازية.

وفي حسابات الوقت والأطراف تبدو مشاركة الولايات المتحدة لافتة هي الأخرى إذ لوحت واشنطن على لسان المتحدثة باسم الخارجية بإجراءات تجاه علاقاتها الأمنية بتركيا لم تحددها لكنها وصفتها بالخطيرة، وقد جاء الاستياء الأمريكي من تركيا عقب أنباء أوردتها وكالة رويترز عن تجربة للجيش التركي يحتمل أنها لمنظومة الدفاع الجوي الروسي s400. ولم يصدر أي رد من تركيا بشأن صواريخ s400 ولا تعليق من حلف الناتو حتى الآن وهو الذي يشارك واشنطن موقفها بشأن حيازة أنقرة لمنظومة الصواريخ الروسية. ويرى مراقبون أن مناورات نصرة 2020 ليست بالضرورة لتخفيف التوتر بين تركيا واليونان لان أنقرة درجت على إجراءها كل عام .

لا تناقض

وقال غونترزويفارت، مدير دائرة الدراسات التركية في المعهد الألماني للشئون الدولية والأمنية، إنه ليس هناك تناقض بين تهديد الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على تركيا ومشاركة دول الاتحاد في مناورات على أرضها لأن الأوروبيين معظمهم أعضاء في حلف الناتو وكلهم يريدون من تركيا البقاء في حلف الناتو ومشاركتها في تدريباته، مضيفا أنه فيما يتعلق بأزمة شرق المتوسط هناك فروقات كبيرة في مواقف الطرفين وفي المجمل يريد الأوروبيون بقاء تركيا بالحلف.

وأضاف في مداخلة هاتفية لقناة الجزيرة، إن موقف الناتو من امتلاك تركيا منظومة إس 400 متناقض؛ فالأمين العام للحلف قال إنه من حق أي دولة امتلاك ما تحتاجه من منظومات عسكرية وهو يتناقض مع الموقف الأمريكي الذي اعترض على امتلاك تركيا للمنظومة. وأوضح أنه لو قررت تركيا الخروج من حلف الناتو فإنه سيكون أمرا سلبيا جدا لأن تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو وهي تطور قدراتها الحربية بشكل سريع، واستبعد خروج تركيا من الحلف حتى في ظل وجود نزاع بينها وبين أحد الأطراف لأنها إذا خرجت من الحلف لن تتمكن من هامش المناورة مع روسيا، فتركيا تحاول الموازنة بين أمريكا والناتو من جهة وروسيا من الجهة الأخرى.

تركيا تتمسك بالناتو

بدوره رأى إسماعيل كايا، الكاتب والمحلل السياسي، أن مشاركة دول حلف الناتو في مناورات سنوية تجري في تركيا ليس له علاقة بالخلاف حول امتلاك تركيا منظومة إس 400، مضيفا أن تركيا تنظر إلى الحلف بشكل جمعي وليس بالمواقف والنزاعات التي تحدث مع إحدى الدول مثل فرنسا أو الولايات المتحدة.

وأضاف أن تصريحات أمين عام الحلف تختلف تماما عن التصريحات الأمريكية وبينما تهدد أمريكا بعقوبات يبدي أمين عام الحلف تفهمه لموقف تركيا وبينما تحاول فرنسا إثارة الحلف ضد تركيا نرى أمين عام الحلف يخرج بخطاب مختلف، مضيفا أنه عندما اتهمت فرنسا أنقرة بالتحرش بسفينة عسكرية تابعة لها قبالة سواحل ليبيا تعاونت تركيا مع التحقيقات داخل الحلف وأثبتت كذب الرواية الفرنسية.

وأوضح أن تركيا تتفهم جيدا أن بعض الدول تحاول العمل ضدها كما يحدث من فرنسا في ليبيا ونزاع شرق المتوسط، لكن تركيا تعاونت مع الحلف بشكل مباشر ووصلت إلى تشكيل آلية فض النزاع بشكل كبير مع اليونان ولاحقا اليونان أفشلت هذا الأمر بمناوراتها العسكرية. وأشار إلى أن تركيا ما زالت تعتبر أن موقعها الرئيسي يجب أن يكون داخل حلف شمال الأطلسي وتعمل من أجل ذلك بشكل كبير وتحاول إثبات أن مواقف الولايات المتحدة رغم أنها الدولة الأكبر والأكثر تأثيرا داخل الحلف، لا تمثل كافة أعضاء الحلف.

الأمر متوقف على أنقرة

من جانبه رأى جيمس روبنز، كبير الباحثين في المجلس الأمريكي للسياسة الخارجية، أن الناتو منظمة كبيرة لها أهداف عسكرية وإستراتيجية ولا يمكن أن تتوقف أنشطته وتدريباته أو يحدث تفكك للحلف بسبب امتلاك دولة منظومة صواريخ.
وأضاف روبنز، في مداخلة للجزيرة، أن الأمر يتوقف على الكيفية التي ستوازن بها تركيا بين مصالحها وهل ستحاول إثارة حفيظة الحلفاء الآخرين في الحلف فقط من أجل الحصول على منظومة الدفاع الجوي هذه، الأمر متروك للحلف ككل لكي يتفاوض مع تركيا ويجعلها تتصرف كحليف جيد لأن إدخال نظام دفاع أجنبي ضمن شبكة الناتو قد يخلق مشكلات للناتو. موضحا أن سباق التصريحات الصادرة من مرشحي الرئاسة الأمريكية ضد تركيا تعد سمة من سمات الموسم الانتخابي، لكن بعد حسم نتيجة الانتخابات ستكون الغلبة للوسائل الدبلوماسية الطبيعية وستختفي هذه التصريحات، مستبعدا خروج تركيا من الحلف رغم الخلافات الموجودة.

 

Facebook Comments