تعيين مستشار عسكري لكل "محافظ"، علماً أن المحافظ هو في الأصل لواء من الجيش أو الشرطة، آخر إبداعات السفاح عبد الفتاح السيسي، وبما أن برلمان الدم والذي يرأسه علي عبد العال، وظيفته الأساسية أن يعمل "ختّامة" عند العسكر، فقد وافق على تعديلات قانون "منظمات الدفاع الشعبي"، التي من أهمها أن يكون لكل محافظ عسكري مستشار عسكري وعدد كاف من المساعدين العسكريين!

وصوّر الإعلام أيام الرئيس المنتخب الشهيد محمد مرسي، أن حكومة "الإخوان" كارثة ستأتي على البلاد والعباد، في حين هو الآن يغض الطرف عن العسكرة ولا يراها إلا حلا منطقيا باعتبار أن رجال المؤسسة العسكرية مشهود لهم بالضبط والربط كما يزعمون، رغم أن التحقيقات لم تثبت أي تهمة فساد للإخوان، ولم تكشف عن حادثة رذيلة لإخواني واحد من عهد الشهيد مرسي، وكل تهم الفساد كانت لمحسوبين على المخلوع مبارك الذين عادوا بقوة إلى مقاعد النهب والسلب بعد 30 يونيو 2013.

عسكري لكل عسكري
وليس بعيداً عن إرهاق اقتصاد مصر المنهار والمثقل بالديون، سيكون للجنرالات الجدد ومساعديهم رواتب تتصف بالبذخ، واختصاصات تشمل حسب المشروع المساهمة في المتابعة الميدانية الدورية للخدمات المقدمة للمواطنين، والمشروعات الجاري تنفيذها، والتواصل الدائم مع المواطنين في إطار الحفاظ على الأمن القومي بمفهومه الشامل، ولتحقيق موجبات صون الدستور والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة والتنسيق مع الجهات التعليمية على مستوى المحافظة لتنفيذ منهج التربية العسكرية، وفقاً للقواعد التي تحددها سلطات الانقلاب.
وتضمن المشروع استبدال الفقرة الأولى من المادة رقم 4 من القانون بأن تشتمل التربية العسكرية للطلبة والطالبات على التدريب، والثقافة العسكرية، والخدمة الطبية، ومواجهة الأزمات والتحديات، والتعريف بالمشروعات القومية، ودور القوات المسلحة في صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة، طبقاً للمناهج التي تحددها سلطات الانقلاب.

وأمام هذه العسكرة المقيتة سكتت أبواق المدخلية المخابراتية في مصر، أمثال حزب "النور" الذي يحتفظ السفيه السيسي ببعضهم في برلمان الدم، ومضت الأيام لتكشف أن "ياسر برهامي" وحزبه "النور" لا يعنيهم أمر الإسلام ولا مشكلات المصريين.
فقد حملتهم ثورة 25 يناير إلى المجالس النيابية، وراحوا يزايدون على الرئيس المنتخب الشهيد محمد مرسي، ويشاركون في الحملة المجرمة التي عوّقت خطاه وشهّرت به، وانتهت إلى خطفه قسراً والانقلاب على الحرية والشورى والدستور، ثم ذبح المسلمين الأبرياء في ميادين رابعة والنهضة والمنصة والفتح ورمسيس والقائد إبراهيم وميادين مصر وشوارعها وقراها وهو الذبح الذي مازال مستمراً حتى اليوم!

حزب المدخلية
وككل القادة المنتخبين، كان للرئيس الشهيد مرسي بعد فوزه في انتخابات الرئاسة عام 2012، الحق في تعيين أعضاء الحزب وغيرهم ممن يُمكنهم مساعدته في تنفيذ برنامجه السياسي، غير أن الكثيرين من معارضيه من كافة التيارات وعلى رأسهم مدخلية حزب "النور" عارضوا تعيينات مرسي لأعضاء جماعة الإخوان، بزعم أن التعيينات كانت دليلا على "أخونة" الأمة.
وسرعان ما تحكمت حجة "الأخونة" في سير الأمور، فكانت مزاعم "الأخونة" في غير محلها ومضخّمة كذلك؛ حيث كان 11 من أصل 35 من أعضاء الحكومة وقتها، و10 من 27 محافظا، ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين.
وهذه ليست بالأرقام غير المعقولة، لا سيما مع هيمنة الإخوان على الانتخابات، وبالنظر إلى أن مرسي كان يواجه تهديدات منتظمة بالإطاحة والتي بلغت ذروتها في النهاية بإطاحة فعلية.

والجدير بالذكر أنه منذ بداية ولاية الشهيد محمد مرسي، رفض السياسيون غير الإسلاميين بشكل منهجي المشاركة في حكومته، وشملت القائمة الطويلة لهؤلاء الذين رفضوا المناصب السياسي الناصري والمرشح الرئاسي لعام 2012 حمدين صباحي، الذي رفض عرض مرسي لمنصب نائب الرئيس، ومؤسس حركة 6 إبريل أحمد ماهر الذي رفض منصب مستشار رئاسي.

ولم يحدث أن تمت "أخونة" أيٍّ من مؤسسات الدولة الرئيسية في مصر، سواء كان في الجيش أو الشرطة أو القضاء أو وسائل الإعلام، ولو كان الأمر كذلك لما وقع الانقلاب العسكري بهذه السهولة.

ركلهم الانقلاب
وكان أعضاء حزب النور في حملتهم الإجرامية ضد جماعة الإخوان المسلمين انتهازيين ظالمين، وفضحهم الله حين عرف الناس أنهم كانوا يتحركون بوحي الأجهزة الأمنية التي صنعتهم في زمن المخلوع مبارك، ووظفتهم للوشاية بالشباب من أتباعهم وبالإسلاميين من غيرهم.
وتغاضت هذه الأجهزة عن جرائمهم الخاصة من تجارة حرام وصفقات مريبة وزيجات غريبة واستقبال أموال من السعودية والإمارات، وأتاحت لهم فرص الحديث من خلال الإعلام الانقلابي والزيارات الخارجية والمنح الدراسية في أمريكا!

ورضخ مدخلية حزب "النور" أمام قيام العسكر بشطب المادة (219) من الدستور، وقد زعموا أن إلغاءها دونه الرقاب، وطالبهم جنرال الخراب وهم أصحاب اللحى، بعدم تقديس العقيدة والشريعة الإسلامية لأنه قد مرّ على نزول الوحي بها مئات السنين، وبزعم العسكر تدفع المسلمين إلى الاعتداء على غيرهم، وأخرجتهم الانتخابات التشريعية الأخيرة من برلمان الكنيسة والمخابرات بخفي حنين، فلم يحصلوا إلا على عدد أصابع اليدين من نواب لا يستطيعون أن يقولوا: "بما لا يخالف شرع الله"، ولا أن يقدموا سؤالاً أو استجواباً".

رغم أن مدخلية حزب "النور" انهالت عليهم ملايين الدولارات من محمد بن سلمان ولي أمرهم الحقيقي، والتي أنفقوها على جلب الناخبين في الميكروباصات والتكاتك، ولم يقولوا من أين جاءتهم هذه الملايين الحرام، وفي الوقت نفسه يأكلون حقوق الذين يعملون في صحفهم وإعلامهم ومواقعهم!
لقد انتهى الانقلاب من استخدام مدخلية "النور" أصحاب افتراء "أخونة الدولة"، وركلهم ببيادته إلى حفرة عميقة وحرم عليهم المنابر والمساجد إلا بتصريح عسكري، والفتاوى الهامشية الخائبة التي تتجاهل محنة الإسلام والمصريين في ظل الانقلاب.

وانتهت "الأخونة" المزعومة بالانقلاب العسكري الدموي الفاشي، وصار الإخوان أسرى وراء القضبان، وزاد عددهم عن 60 ألفاً، ويزداد عددهم مع زيارة الفجر كل ليل، وتتم تصفية بعضهم في البيوت والشوارع والاختفاء القسري، بحجة أنهم إرهابيون أو تكفيريون، أو يتبادلون إطلاق النار مع المجموعات القتالية التي تداهمهم!
وصارت مصر التي كان يحكمها رئيس منتخب مسلم، تحت الحكم العسكري الكامل، لا مجال فيها لحكم مدني، أو دستور أو قانون بفضل خيانة اللحى الزائفة والقوى المتحالفة وفي مقدمتها الكنيسة والتنظيم الطليعي والشيوعيون والانتهازيون والمرتزقة من رجال كل العصور.

وصارت العسكرة في كل مكان ومجال، وزارة الأوقاف يحكمها العسكر والمحليات والثقافة والتعليم ومحو الأمية والصناعة والتجارة والرقابة والمحاسبات والصحافة والإعلام والزراعة والخارجية والجامعات والنقابات والكهرباء والمياه والصرف الصحي وغيرها، يتحكم فيها العسكر مباشرة أو بطريقة غير مباشرة.

Facebook Comments