عشرون طبيبًا -حتى الآن- سقطوا بـ"الكورونا"، أو قلْ بالإهمال، أهملهم النظامُ مثل باقى المصريين ولم يشفع لهم أنهم المحاربون أو خط الدفاع الأول، وباعتهم نقابتهم، وهى فرع من النظام، فصاروا كالأيتام على موائد اللئام.
وفى اعتقادى أن فى الإهمال شبهة العمد، خصوصًا أن استغاثات لا حصر لها صدرت من الأطباء المتعاملين مع الوباء بشكل مباشر.. ولا مجيب، نذكر -مثلًا- ما كتبته طبيبة مؤخرًا، قالت: (أنا حكمت محمود، أخصائية الطب الوقائى بمستشفى العباسية، والله الناس بتموت، اعملوا أى حاجة، أجهزة تنفس يا عالم، الحقوا الناس، فقدنا السيطرة على الوضع، والإسعاف مبتقفش تجيب ناس، الدكاترة بتنط من على السور، بتهرب، مفيش حاجة نقدمها للناس، والأمن محاصر المستشفى، بيرجعوا اللى بيخرج من الطاقم الطبى).

والكلام عن إهمال النظام وفساده كالضرب فى الميت، وهو حرام، فماذا فعلت نقابة الأطباء لأعضائها؟ لم تفعل شيئًا على الإطلاق، سوى كتابة نعى الشهداء على صفحتها على "الفيسبوك"، وكان بإمكانها عمل الكثير لو كانت نقابة حرة أتى مجلسها باقتراع حقيقى. وإذا كان النظام قد أرسل أدوات الحماية إلى إيطاليا ثم أمريكا ثم جنوب السودان، فعلى النقابة أن تنقذ ما يمكن إنقاذه، وأن تحمى أبناءها، وهذا هو أساس عمل مجلسها الطوعى، وهو أحد أهدافها كما جاء فى قانونها رقم (45) لسنة (1969م)، والأطباء لا يطلبون الكثير، يطلبون عمل تحليل كشف مبكر لأعضاء الفريق الطبى، وسرعة علاج المصاب منهم، واستكمال أدوات الحماية الشخصية.

والنقابة تدّعى عدم امتلاكها الإمكانات، وهذا غير صحيح، بل هى قادرة لكنها لا ترغب، ولا تستطيع المبادرة إلا بأوامر من النظام الذى يمتنع عن المساعدة؛ نكاية فى الأطباء، كما لم يُرد أن يخرج المعتقلين من السجون فى ذروة الأزمة كما فعلت دول العالم، المتحضر منها وغير المتحضر.

وأقول إن تكلفة وقاية الطبيب من "الكورونا" التى يستثقلها الأمين العام لا تتعدى إسهام النقابة لمشترك واحد فى مشروع العلاج، ثم إن اتحاد المهن الطبية يمتلك شركات ولديه استثمارات بمئات الملايين؛ أين هى والوقت وقت أزمة؟ ولو وُجدت النية لوجدنا ألف اقتراح لوقاية الأطباء، خاصة أن لديهم مشروعًا للتكافل وغيره من أبواب الإعانة وجبر خاطر هؤلاء الفدائيين.  

بل كان بإمكان النقابة إرغام النظام على علاج الأعضاء كما فعل مع الفنانين، وكان بإمكانها تنظيم إضراب، أو التهديد به، فى حال عدم الإجابة، لكن مستحيل أن يتم ذلك؛ لأن المجلس الحالى يشبه "البرلمان الحالى"؛ ولأن أى عضو فى مجلس أى نقابة من نقابات المحروسة الآن لا بد أن تختاره الجهة الأمنية قبل أن يختاره زملاؤه، ولا يجرؤ معارض لتك الجهة أن يترشح فضلًا عن أن ينجح. إذًا وقع الأطباء بين رحى النظام وسندان النقابة.

وإذا كانت النقابات جزءًا من المكوِّن السياسى وإحدى جماعات الضغط، فإن النظام يصرُّ على تجميدها لاستكمال إخلاء الساحة السياسية من أى معارضة؛ لذا خصص لها إدارة مستقلة فى "الأمن الوطنى"، مثل إدارة الأحزاب والنشاط الدينى، وبدءًا من ديسمبر 2013م استطاع  تجميد نشاط نقابة الأطباء بمساعدة القوى الوطنية التى مهدت للانقلاب العسكرى فيما عُرف بـ"تيار الاستقلال" الذى تزعمته الدكتورة "منى مينا" والذى استغل محنة الإخوان وملاحقة النقابيين منهم فى الحصول على أغلبية المجلس، وأول ما فعله هذا المجلس هو محاولة إجهاض إضراب الأطباء الذى استمر لشهور وكانوا يطالبون بتعديل الكادر وزيادة مخصصات المؤسسات الطبية. وإذا استجاب النظام الآن لمطالب الأطباء فكأنما أعاد الحياة ولو بشكل جزئى إلى العمل النقابى، وهو ما يحرِّمه، إضافة إلى أنه نظام غشوم لا يعرف التفاوض ويعتبر المطالب المهنية "لوى دراع" وتهديدًا لسلطته.  

والعبد لله أشرف على معظم الإصدارات الصحفية النقابية، ودخلتُ "دار الحكمة" لأول مرة عام 1988 مشرفًا على نشرة "أطباء القاهرة" وقت أن كان الدكتور سمير ضيائى نقيبًا والدكتور أسامة رسلان أمينًا عامًّا، وأعلم حساسية نظام مبارك والنظام الحالى للنقابات عمومًا ولنقابة الأطباء خصوصًا، وأنها "صداع" يجب التخلص منه.. فى 17 فبراير 1993م أصدر "مبارك" القانون (100) لسنة 1993؛ للحيلولة دون وصول الإخوان إلى مجالس هذه النقابات؛ حيث اشترط القانون (50%) لإجراء الانتخابات، وفرض لجنة قضائية لإدارة العملية الانتخابية، وهو ما قيد العمل النقابى ووضع بعض هذه النقابات تحت الحراسة، وقد حُكم بعدم دستورية هذا القانون فى 2 من يناير 2011م بعد عشر سنوات من التقاضى حيث تم الطعن عليه فى يوليو2001م. وفى 2 من أبريل 1995 أُلقى القبض على الدكتور حسام حسين، أمين صندوق الأطباء، أمين لجنة الإغاثة الإنسانية، ولُفقت له عدة تهم. وفى عام 1999 قُدم عشرون نقابيًّا إلى المحاكمة العسكرية بتهم ملفقة، منهم عشرة أطباء، حُكم عليهم بمدد تتراوح ما بين 3 – 5 سنوات سجنًا.

والنظام الحالى يسير على خطى سابقه؛ فحتى الآن طالت الحراسة نقابة الصيادلة، وهى فى طريقها إلى المهندسين والعلميين، أما الباقيات فهى مجرد أبنية لا حركة فيها ولا حياة ولا صوت يخالف صوت النظام.. وكان الله فى عون الأطباء الذين استقال منهم (3500) عام 2019م، ولا ندرى ماذا ستكون الصورة فى 2020 بعد محنة "الكورونا"؟

Facebook Comments