بالنظر إلى المظاهرات التي استمرت لليوم الرابع على التوالي ضد نظام الانقلاب نلاحظ أنه لم يجرؤ أحد على رفع علامات الدعم والتأييد لزعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي، بل على العكس فإن الغالبية الساحقة من الجماهير تدعم هذه الانتفاضة المباركة وتتمنى لو اتسعت وامتدت لتشمل جميع محافظات الجمهورية، لكن لا يزال قطاعات واسعة من الناس تخشى البطش والقمع الأمني، ولو وجدت هذه الجماهير بصيصا من حماية؛ لملأت أكثر من مائة ميدان مثل ميدان التحرير ولامتلات كل شوارع مصر بهدير المصريين الذين يلعنون السيسي ونظامه وإجرامه.

هذه هي الملاحظة الجديرة بالتأمل في انتفاضة 20 سبتمبر 2020م، إلى جانب السمة الشعبية الغالبة على المظاهرات وعدم تلونها بأي لون سياسي، ما يمثل رسالة وبرهانا على أن نظام انقلاب "30" يونيو لم يعد له ظهير شعبي.

تجريد النظام من الظهير الشعبي لم يحدث في يوم وليلة، بل جرى في محطات كثيرة وفاصلة كان العامل البارز فيها أمرين: الأول هو قرارت النظام نفسه التي لم يراع فيها مصالح الجماهير بقدر ما ركز على تعظيم مفاهيم الجباية والإتاوة. والثاني، ثبات الرافضين للانقلاب رغم حملات السحق والإقصاء والتشويه المتواصلة.

عندما قام انقلاب 3 يوليو 2013م، كان هناك انقسام شعبي حاد وقبل الانقلاب بشهر واحد كان هناك نحو 56% من المصريين راضين عن حكم الرئيس الشهيد محمد مرسي، رغم حملات التشويه والدعاية السوداء التي لم تتوقف يوما وجرى استخدام جميع أساليب الكذب والتدليس والبهتان من أجل تشويه صورة الرئيس وتياره الفكري والسياسي.

بالطبع لو أن من خرجوا في سهرة 30 يونيو كانوا مهددين بالرصاص أو الاعتقال، أو كانوا يتوقعون أن ينالهم شيء من الأذى؛ لما خرج منهم أحد، لكنهم خرجوا آمنين وتحت حماية من أجهزة الدولة العميقة (الجيش المخابرات الشرطة)، فلم تكن تلك المظاهرات سوى سهرة جرى فيها تصوير الحشود المأجورة في أغلبها وتوزيع الوجبات والعصائر والطائرات ترسم لهم القلوب في السماء ثم عادوا إلى بيوتهم آمنين ينامون لا يخشون بطش سلطة أو ملاحقة أمنية.

عندما كنا نطوف شوارع وميادين مصر رفضا للانقلاب ونواجه رصاص الجيش والشرطة وقنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي وغيرها من أسلحة القمع والبطش الأمني بخلاف الاعتقال وحشود البلطجية الذين جرى توظيفهم أمنيا لملاحظة مظاهراتنا، كنا نرصد حجم ومنسوب الرفض أو التأييد للانقلاب من خلال شارة رابعة التي مثلت برهانا على رفض الانقلاب أو علامة النصر كبرهان على تأييد انقلاب العسكر ومذابح السيسي الوحشية، وكان الاستقطاب حادا بالفعل. لكننا مع رحلة سنتين أو ثلاثة من هذه المظاهرات كنا نرصد تراجعا كبيرا في حجم دعم النظام، وفي 2015 لم نعد نشاهد هؤلاء الذين كانوا يرفضون مظاهراتنا ضد الانقلاب، وبدأنا نرصد تقبل الناس بشكل تدريجي لأخلاقية المظاهرات ضد السيسي ونظامه الدموي.

وبدأت الآيات تترى لتبصر الناس بالحقيقة التي أريد طمسها بغطاء كثيف من دخان الأكاذيب والافتراءات؛ فمذبحة رابعة أسهمت في تراجع طائفة من الناس عن تأييد السيسي، ولما أعلن ترشحه للرئاسة أدرك قطاع آخر من الناس أنه ما قام بانقلابه ومذابحه إلا طمعا في السلطة والحكم، ولما قرر رفع أسعار الوقود لأول مرة في يوليو 2014م بنسبة تصل إلى 75% دفعة واحدة؛ ابتعد قطاع واسع من الناس عن دعمه وتأييده وأيقنوا أنهم أمام سفاح مستبد لا يكترث لآلام الناس. وكان عام 2016م مليئا بالأحداث التي عرت السيسي ونظامه من أي دعم شعبي، باستثناء قطاعات المنتفعين والمأجورين، وعلى رأس القرارات التي برهنت للمصريين أنهم أمام خائن عميل هو التفريط عن جزيرتي "تيران وصنافير"، بل إن السيسي أصر على التنكيل بكل الرافضين للتنازل عن التراب الوطني وأهدر حكم الإدارية العليا بهذا الشأن الذي أكد على أن مصرية الجزيرتين مقطوع به ولا يتسلل إليه شك.

المحطة الفاصلة التي أسهمت في تجريد النظام من أي شعبية، كانت اتفاق السيسي وحكومته مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016 تحت مسمى "برنامج الإصلاح الاقتصادي" واقتراض 12 مليار دولار من الصندوق مقابل شروط مجحفة ووضع الاقتصاد المصري تحت سيطرة الصندوق؛ وتراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بنسبة النصف على الأقل حيث ارتفع الدولار من 8 جنيهات إلى 18 جنيها ما أفضى إلى تأكل نصف مدخرات المصريين على الأقل وتسبب ذلك في موجات من الغلاء الفاحش الذي طال جميع السلع الغذائية والخدمات، في ذات الوقعت جرى رفع أسعار الوقود مجددا وارتفعت فواتير الكهرباء والمياه ورسوم استخراج الوثائق الحكومية وفي 2017 جرى رفع أسعار تذاكر المترو، وباتت أحوال المصريين تزداد فقرا وبؤسا وشقاء.
ارتفع عدد الفقراء إلى نحو 60 مليون مصري بحسب تقديرات البنك الدولي، وارتفع حجم الديون، وأيقن الجميع أن السيسي مسلط على ثروات مصر بالإهدار على مشروعات بلا جدوى اقتصادية لكن الأكثر خطورة أن مصر وشعبها كانوا يزدادون فقرا في الوقت الذي كان كبار القادة والجنرالات يزدادون غنى وثراء كل يوم، مصر تفتقر من أجل أن يغتني قادة العصابة الحاكمة.

وتعتبر التعديلات الدستورية التي جرى تمريرها في إبريل 2019م، أيضا محطة فاصلة، كشفت مدى السلطوية الشمولية التي يتسم بها نظام 30 يونيو، حيث كرست البنية الاستبدادية للدولة، ودفعت بعسكرة الدولة مستويات غير مسبوقة، وكرست وصاية الجيش على الشعب والمجتمع وباقي مؤسسات الدولة، وبات الجميع مدركين أن نظام السيسي إنما هو مافيا تحكم بالحديد والنار من أجل ضمان مصالحهم الخاصة وضمان مصالح رعاتهم في إسرائيل وأمريكا والإمارات والسعودية.

وبسن قانون التصالح في في مخالفات البناء وتوجه النظام نحو هدم مئات المنازل فوق رؤوس أصحابها وهدم عشرات المساجد بدعوى أنها مخالفة، لم يعد للنظام ظهير شعبي بالمعنى الصحيح لمفهوم الظهير الشعبي؛ ذلك أن النظام خلال السنوات الماضية، راح يؤسس لظهير سياسي على غرار الحزب الوطني، وهو حزب "مستقبل وطن" ومجموعة من الأحزاب الصورية الأخرى الرابط المشترك بينها جميعها هو سيطرة أجهزة السيسي الأمنية عليها من الألف إلى الياء، وبذلك لم يعد للنظام سوى مجموعة المنتفعين من بقائه.

Facebook Comments