فجر عاطف صحصاح

لم يختتم هذا الأسبوع الثوري فعالياته إلا بمأساة لها طابع خاص؛ وهي المعاناة الشديدة للمضربين عن الطعام في سجون الانقلاب؛ حيث أفصح المتابعون عن أن حالتين من بين هؤلاء في حالة صحية دقيقة للغاية، بحيث يقترب من الهلاك كل من عبد الله الشامي -مراسل قناة الجزيرة الفضائية-، ومحمد سلطان -نجل العالم والقيادي في تحالف دعم الشرعية- صلاح سلطان. وذلك بحسب ما كشفت عنه حالتهما الصحية هذا الأسبوع.

 

فمن جانبه "عبد الله الشامي" والمختطف في سجون الانقلاب منذ أحداث الإبادة الجماعية في اعتصامات ميادين الشرعية في رابعة والنهضة حين كان يؤدي وظيفته ومهمته الصحفية في التغطية، ولأنه شعر بالعنت والظلم الشديد لاختطافه القسري هذا؛ خاصة أنه لم توجه له أي اتهامات محددة.

ولذا فقد أقدم "الشامي" على الإضراب الكلي عن الطعام منذ ما يقرب من 113 يوما؛ وأكد الأطباء مؤخرا أنه يعاني من فقر دم شديد وتناقص في كريات الدم الحمراء, بالإضافة إلى اختلال في وظائف الكلى، ورغم ذلك رفضت سلطات الانقلاب كافة المناشدات بالإفراج عنه، أو حتى نقله للعلاج في مستشفى خارج السجن، ولم تكتف قوات الانقلاب بذلك بل اقتادته إلى مكان غير معلوم ودون أن تبلغ محاميه أو أيا من أسرته.

 

والحالة الثانية لمختطف آخر وهو "محمد صلاح سلطان" تخطى يومه السابع بعد المائة في الإضراب عن الطعام داخل السجون المصرية، حيث تم اختطافه من منزله في 27 أغسطس الماضي نكاية في والده والذي لم يكن موجودا في البيت حينها، ومع أنه تم اختطاف والده أيضا فيما بعد؛ إلا أن سلطات الانقلاب لم تفرج عن الابن. وفي مهزلة محاكة التجديد الأخير له أفصح "محمد" عن حالة التعذيب الشديدة التي تعرض لها، وكيف أنه تنقل بين خمسة سجون وشارف على الهلاك من شدة التعذيب والذي أدي به إلى النزيف داخل الزنزانة لدرجة كادت أن تودي بحياته، فضلا عن الكثير والعديد من المخالفات الحقوقية التي تغافلت عن أي وجود لقانون في تلك البلاد، وهو ما جعلهم يساومونه على التنازل عن جنسيته المصرية مقابل إطلاق سراحه، وهو الأمر الذي رفضه "سلطان الابن" بشدة. كل ذلك رغم أن حالته الصحية متدهورة جدا نتيجة التعذيب البدني والإضراب معا، ما جعله يفقد ما يزيد عن 45 كجم من وزنه، ونسبة السيولة في دمه ليست منتظمة، فضلا عن احتمال دخوله في غيبوبة في أي وقت نتيجة الانخفاض الشديد في معدلات السكر في الدم.

 

ووفقا للآراء الطبية فإن الشخص المضرب عن الطعام بشكل كلي، يبدأ جسمه في استخدام طاقته المخزونة -من الجلوكوز- في أول ثلاثة أيام، ثم تبدأ عضلات وأجهزة الجسم في التأثر تباعا مع فترات الجوع المستمرة والطويلة، مع التأثير الشديد على النخاع مما يهدد حياة الإنسان، ولذا فهناك أمثلة لبعض المضربين توفوا بعد فترة تمتد لما بين 52  إلى 74 يومًا من الإضراب عن الطعام.

 

وقد حفظ التاريخ العديد من تجارب "حرب الأمعاء الخاوية" وذلك كسبيل للمقاومة غير العنيفة، ومن أشهر من مارسوا تلك الآلية كان "غاندي" الزعيم الهندي، وآخرون إبان الاحتلال البريطاني هناك، وفي تلك الآونة رضخت سلطات الاحتلال البريطاني لبعض مطالب المضربين ومن بينهم "غاندي" خشية أن يموت في سجونها وتتأثر سمعتها بهذا الحدث.

 

والحقيقة أن معركة "الأمعاء الخاوية" اشتهر بها الأسرى الفلسطينيون مؤخرا احتجاجا على تعاملات قوات الاحتلال معهم؛ وهم ما يعني أننا أصبحنا في بلادنا نعيش نفس تلك الظروف التي يحياها الأسرى في ظل احتلال قمعي عنصري، ومع هذا فالواقع يقول إن القوات الصهيونية تفزع بشدة من فكرة الإضراب عن الطعام، وتسارع في اتخاذ التدابير والاحترازات له من جهة، أو التفاوض مع الأسير المضرب من جهة أخرى، كل ذلك بالطبع ليس خوفا على حياة الأسرى؛ وإنما من أجل رسم صورة جيدة لها أمام العالم؛ والذي يتابع عن كثب مسألة الإضرابات الكلية لأنها لا تعني سوى اعتراضات على قضايا وأمور مهمة، لا بد من التحقيق العاجل فيها. وعلى سبيل المثال ففي فبراير 2012 بدأ ما يقرب من 1800 أسير فلسطيني إضرابًا جماعيًا عن الطعام احتجاجا منهم على تطبيق الاعتقال الإداري، وبعد مباحثات تم الإعلان في 14 مايو، عن موافقة السجناء على إنهاء إضرابهم عن الطعام بعد توصلهم لاتفاق مع سلطات الاحتلال الصهيوني؛ وذلك بوساطة مصرية وأردنية وبعد أن عبّر كل من الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون"، واللجنة الدولية للصليب الأحمر عن قلقهما من ظروف المضربين عن الطعام. أي أن مدة الإضراب لم تتعد الثلاثة أشهر ونصف إلا وقد تم التوصل لاتفاق وآلية لحله.كذلك فقد حقق بعض الأسرى الآخرون المعتقلون دون تهمة ودون محاكمة -في سجون الصهاينة- بهذه الوسيلة انتصارًا, كالأسيرة هناء الشلبي والأسير المحرر خضر عدنان الذي استمر في اضرابه عن الطعام 66 يومًا على التوالي.

 

الانقلاب يتخطى الصهاينة إجرامًا

ومن جانبه يرى جمال عبد السلام -محامٍ بالهيئة العامة للدفاع عن المعتقلين-: "إن معركة "الأمعاء الخاوية لا تنجح في مصر نتيجة لعدم وجود أية حقوق إنسان حاليًا، فمن اليسير الآن القول إن مصر دولة بلا قانون".

 

في حين يضيف عماد الدين نجيب -المحامي- قائلا: "إن الإنسان حاليًا هو أرخص ما في مصر، وقد شاهدت ما حدث مع محمد سلطان إبان عرضه رسالته التي أوضح فيها للقاضي ما حدث له طيلة التسعة أشهر الماضية وكيف تعرض للتعذيب ومن ثم أضرب عن الطعام كلية، حتى إنه كان يتحدث من فوق سرير من شدة تردي حالته الصحية، ومع ذلك لم يُعره القاضي أي اهتمام، بل أصدر قراره بتجديد حبسه، دون قرار مثلا بنقله إلى المستشفى أو متابعة لحالته المتدهورة".

 

ويؤكد "نجيب" أن الوضع الحالي في سجون الانقلاب قد بات عداء صريحًا لكل المخالفين للنظام الانقلابي، بل صارت الرؤية أن مؤيدي الشرعية هؤلاء لا يستحقون الحياة أساسًا.

 

ويشدد "نجيب" أنه مع افتراض أن من هم قيد الاعتقال هؤلاء هم رهن تحقيق جنائي وليس سياسيًا، فهناك لوائح لإدارة السجون، ومع ذلك لا تطبق عليهم، ومن بينها أنه لو أن مسجونًا أضرب عن الطعام لا ينبغي أن تتعرض حياته للخطر، وفي حالة تعرض صحة السجين لخطر ما لابد من نقله للمستشفى والإتيان بلجنة طبية تجري فحصًا له، كذلك لدينا بند في القانون المصري يسمح بالإفراج الصحي، ومع ذلك فلدينا سجناء كثيرون مصابون بالسرطان وطالبنا كثيرًا بالإفراج مراعاة لذلك، ولكن ما من أحد يجيب، كذلك لدينا قدر كبير جدًا من المحتجزين ليسوا في السجون أساسًا وإنما في أقسام الشرطة، وهؤلاء لو توفي أحدهم لن يشعر به أحد، فالتعامل الحالي أن السجين هذا طالما كان سياسيًا فلا قيمة له سوى بثمن رصاصة رخيصة الحال، مع تقرير جيد يؤكد أنه تم قتله ادعاء بأنه حاول الهرب وتنتهي القضية تمامًا.

 

وحول عامل القوة الذي من المفترض وجوده في الإضراب الكلي عن الطعام، ما يجعل مثلا الكيان الصهيوني يضطرب لأجله، يؤكد "نجيب" أن الفكرة تقول إن من يقوم بهذا العمل الشاق فلا بد أن يكون متضررًا مثلا من المعاملة أو من أسباب اعتقاله، ولذا فلا بد من التحقيق العادل في مطالبه، لأنه لو كان معه حق فسيعني ذلك مؤاخذة ومجازاة المتسبب في هذا. أما لدينا الآن في مصر فلا يوجد من يحاسب أو يتابع أو يقدم اللوم لأي سلطة انقلابية، فالسجون وداخلية الانقلاب تفعل ما بدا لها ولا نيابة أو قضاء يرى تلك الجرائم تمامًا.

 

وفي السياق نفسه يؤكد حسين فاروق -محامٍ ضمن فريق اللجنة القانونية بحزب الحرية والعدالة-: إنه لا بد للنيابة في حالة الإضراب عن الطعام لأنها المنوط بها الإشراف على السجون الانتقال إلى هناك والتحقيق في شكاوى المضربين، وإذا وجدت لهم الحق، عليها أن تلبي طلباتهم. يتابع: أما نحن الآن في ظل الانقلاب فقد تعدينا إجرام الكيان الصهيوني في تعامله مع الأسرى، وصرنا مضرب المثل في الاستبدادية وعدم احترام آدمية الإنسان، ومن بين أهم الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون المضربون عن الطعام أن الحبس الاحتياطي بعد التعديلات الأخيرة في ظل الانقلاب قد يصل مددًا ما بين خمس إلى عشر سنوات، وفي بعض القضايا لا يتقيد بمدة على الإطلاق، ويظل تجديد الحبس بمدد مفتوحة.

 

يضيف"فاروق" أن القاعدة تقول إن الرعاية الصحية أولى من المحاكمة، وهو ما يجعل هناك إفراجًا صحيًا للمجرم المحكوم عليه أساسًا، فما بالنا بمن في الحبس الاحتياطي والذي هو ليس أكثر من ضمانة فقط وليس عقوبة. ففلسفة العقوبة أنها للردع، فكيف نردع إنسانًا شبه متوفى من شدة المرض، وهو ما يجعل أن المريض الذي يحتاج إلى عملية جراحية إذا كان محكومًا عليه بالإعدام أولى بنا أن نجري له الجراحة قبل تنفيذ العقوبة، وهذه القواعد لا نخترعها الآن بل هي موجودة بالفعل في القانون المصري، ولذا فمن اليسير التأكد أنه في ظل الانقلاب لا قانون ولا حقوق إنسان.

ويشدد "فاروق" على أن حالات الإضراب عن الطعام أوسع مما هو معروف إعلاميًا، فهناك الكثير من المعتقلين مضربون الآن ولا يعلم عنهم أحد وذلك في سجون أبي زعبل، ووادي النطرون، طره، المرج، وشديد الحراسة، بل إن هناك بعض الأطفال أضربوا عن الطعام. 

Facebook Comments