كتب: أسامة حمدان

أهرام الجيزة سحر الشرق وتاج كنوز مصر الفرعونية، تقع -حتى الآن- على هضبة في محافظة الجيزة، على الضفة الغربية لنهر النيل، ويخشى المصريون أن يستيقظوا صباحًا ولا يجدوها، بعدما أصبح كل شيء للبيع بعد انقلاب 3 يوليو 2013.

وحتى ذلك الحين، يعلم القاصي والداني أن أهرامات مصر التي باتت الآن رهن جرس المزاد، في عهد العسكر، بنيت قبل حوالي 25 قرنا قبل الميلاد، ما بين 2480 و2550ق.م وهي تشمل ثلاثة أهرام هي خوفو، وخفرع ومنقرع، وكان بالقرب منهم هرم لملك يدعى "سقارة"، ما ترتب عليه إهماله وتركه لمقاول بناء، أجرى له عملية "نقاشة" و"مرمة" أخرجته من قائمة اليونسكو للتراث العالمي وأصبح تاريخيًّا لا يساوي بصلة!

تسلق التاريخ
في عهد الانقلاب مِصْر ليست كأي دولة تحترم تاريخها، فالعسكر لا يحترمون أي شيء ولا يمنع أن يكون التاريخ تحت البيادة، فالقاعدة التي أرساها "السيسي" لأتباعه تقل: "نحن أسياد البلد"، والبلد تشمل مناطق الآثار ومقابر الفراعنة، ونحمد الله أن قبور الصحابة في السعودية.

وانطلاقًا من قاعدة "أسياد البلد" قال حسين عبد البصير، مدير عام منطقة آثار الهرم في حكومة الانقلاب: إن الشاب الألماني الذي تسلق الهرم لم يتم منعه لأنه تسلقه في 8 دقائق فقط كونه شابًّا رياضيًّا، مؤكدا أن عملية التأمين داخل الأهرامات تتم بشكل جيد!

وزعم «عبد البصير» -خلال حواره لبرنامج «مفتاح الحياة»، عبر شاشة «الحياة 2»، الأحد- أن هناك خطة جديدة لتأمين الأهرامات بشكل جيد، كما أن هناك نية لزيادة عدد البوابات، مدعياً: «ليس من السهل الدخول بمتفجرات أو ما شابه ذلك للأهرامات».

وتوسع «عبد البصير» في التحليق بخياله قائلا: «عدد الزيارات خلال هذه الفترة غير مسبوق للأهرامات بالتزامن مع إجازة نصف العام الدراسي، ونحاول حاليا الوصول إلى ما كنا عليه قبل ثورة 25 يناير وقتها.. كان دخلنا مليار جنيه سنويا، ونفكر حاليا بشكل مؤسسي لمنافسة ديزني لاند»!

وعن رأيه في فيديو "بيع" قطع الأهرامات، والذي نُشِر على أحد المواقع الإخبارية، أكد أنه جريمة، مطالبا بتطبيق أشد العقوبة على من ظهروا بهذا الفيديو يبيعون الأهرامات!

مرسي والأهرامات
في عهد الرئيس محمد مرسي، أطلق العسكر خناجرهم الإعلامية للنيل من الرئيس، ودارت ماكينة الأكاذيب في عملها بمنتهى الكفاءة، فتسمع ثغاء عن بيع الأهرامات وقناة السويس ومياه النيل وينسجون الحواديت المسلية ثم يتعاملون معها على أنها حقائق دامغة، الأمر الذي فجر أنهارا من السخرية لأنهم لا يخاطبون شعبا من المجانين.

إلا أن هذه الاتهامات "التاريخية" والتي أثارت سخرية الرئيس مرسي وقتها ورد عليها، أكدت أن بعض الذين احتفلوا في أثناء ثورة 25 يناير بزوال حكم العسكر، بعد ستين عاما من هيمنته على البلاد كما يقولون، عادوا يبوسون أقدام المؤسسة العسكرية حتى تقوم بانقلاب على الرئيس، ولو بتدبير مزاعم وأكاذيب مثل بيع الأهرامات وأبو الهول!

وعادت عقارب الساعة إلى بدايات الخمسينيات، ونشط إعلام نكسة 67 فى اختراع الفكاهات، من جمع توكيلات للجيش بإدارة البلاد، إلى حشد الوقفات العكاشية للتشجيع على الانقلاب، والتحريض على هدم المبنى على رءوس من فيه، ثم بعد ذلك يقدمون أنفسهم باعتبارهم حماة المدنية والديمقراطية في عهد السيسي.

تقطيع أحجار الأهرامات اليوم في عهد السيسي وبيعها بالقطعة، تنقل المصريين إلى حالة الهيستيرية التي انتابت إعلام الانقلاب فى عهد الرئيس محمد مرسي، وحفلات الاتهامات التي كان لها أثر المولوتوف، وسقوط بعض "الرموز" المحسوبة على الثورة في مستنقع البذاءة والمشتمة وسب الرئيس "مرسي" آناء الليل وأطراف النهار، واتهامه ببيع الهرم والتفريط في نهر النيل، ووضع العسكر شرطاً أمام مؤيدي الانقلاب، إن لم تتهم "مرسي" والإخوان بأي شئ فأنت خائن للعسكر وعديم الوطنية ومن عملاء الإخوان!

لقد بلغ الإفلاس الإعلامي والسياسي حد اتهام الرئيس مرسي ببيع الأهرام، واليوم بلع عتاة الليبرالية ألسنتهم وهم يرون مصر تباع بالقطعة حتى الأهرام نفسها، لأنهم يريدونها عسكرية رغم رائحة البيادة الكريهة، هذا الإفلاس الذي ذابت معه الفواصل بين الخطاب العكاشى وخطاب "رموز" محسوبة على الثورة، صفقوا وهتفوا أيام الرئيس مرسي بسقوط "الإخوان" وهم يقصدون سقوط الثورة وعودة العسكر، واليوم يقفون مثل التماثيل المنحوتة في جدار الخرس أمام إخفاق العسكر اقتصاديا، بل ويقيمون المهرجانات الصاخبة فرحا بكل قطرة تنزفها مصر ماليا أو أمنيا في عهد الانقلاب.

إهانة التاريخ
وفى وسط هذه الغابات من الابتزاز والوقاحة العسكرية، بات المصريون يشعرون بالأسى، حتى أولئك الذين أيدوا العسكر في البداية، وضحك عليهم السيسي بـ"السهوكة"، وأصبح المصريون ضيوفاً دائمين على خط الفقر الاقتصادي والقحط التاريخي، وبات رافضي الانقلاب وحدهم معتصمين بضميرهم وحبهم للوطن.

وفي فترة قصيرة جدًا من عودة العسكر للحكم عبر الانقلاب، رأى المصريون كمًا هائلاً من إهانة التاريخ وعرضه للبيع ، في البداية كان تمثال نفرتيتي المرعب الذي وضعته الوحدة المحلية لسمالوط عند مدخل المدينة، وأثار هلع الناس وقرفهم.

وأمام غضبة الناس العارمة تم رفع التمثال، وكان مبرر "الانقلاب" إنه كان هناك تمثال أكثر إتقانًا لنفرتيتي لكن الأخوان –كالعادة- حطموه مما جعل الوحدة المحلية تقبل بأن يصنع أحد المواطنين تمثالاً مشوهاً للملكة الفاتنة، واتضح أن هناك فارق 4000 سنة بين عقلية العسكر والبشر.

ومن تمثال "نفرتيتي" انتقل العسكر لتشويه الفن الحديث، عبر وضع تمثال "العقاد" في احد ميادين أسوان، تكريمًا لابنها المفكر والفيلسوف والأديب العظيم، ومنذ البداية تدرك ان مخرج أفلام الرعب الأمريكي الشهير "هاتشكوك" يعجز عن مجاراة العسكر في تشويه خلق الله، حتى أن هذا التمثال لا يشبه العقاد بتاتًا، ولكن كما قال رواد "الفيس بوك" أنه تمثال للتبّاع بطل مكالمة (هبة يا حبيبتي) الجنسية الشهيرة.

أما معبد "الكرنك" العظيم الذي استوعب كل تاريخ قدماء المصريين وملوكهم، والتي تشتهي دول العالم أن يكون لديها مثله، لأنها ستجعله موردًا قوميًا رئيسًا، بما يعني أن هذا المعبد وحده يمكنه أن ينفق على دولة، قامت حكومة الانقلاب بتعليق "زينة صينية" على أركانه وحول رقاب التماثيل الفرعونية احتفالاً بقدوم الرئيس الصيني!

وجلبت حكومة السيسي التي تنحر من أموال الشعب، "مبيض محارة" لترميم المعبد، وتمت عملية الترميم الأثرية كما يفهمها العسكر عبر قصعة أسمنت وأجنة ومسطرين، وكانت النتيجة كارثية عبارة عن تدمير تام لنقوش قدماء المصريين وطمس تاريخهم الفرعوني، نفس الشئ قامت به الحكومة في معبد "سرابيط الخادم" في سيناء، فضلاً عن أن قصة ترميم ذقن توت عنخ آمون بأنبوب "أمير" باتت معروفة على مستوى العالم.

ولجا السيسي إلى تصفية الحسابات مع "كليوباترا" الملكة العظيمة ذات الأصل الإغريقي، التي حكمت مصر 17 عامًا، باعتبارها امرأة مدنية وليست عسكرية، او لأنها لا تدعم الانقلاب بحسب تقارير الأمن، فصنع لها أتباعه تمثالا عجيباً وضعوا له "ميك أب"، كما ظهر في مواقع التواصل الاجتماعي، وانهالت النكات كالرصاص على الانقلاب.

Facebook Comments