اعتبر مراقبون أن حضور محمد بن زايد، أمس، بمشهد إصراره على مصافحة اليمنيين الموالين له فيما يسمى بـ”المجلس الانتقالي” أولًا، تاركًا ابن سلمان والرئيس هادي ينتظران قبلاته الحارة لهما، إنما هو علامة على ادعاء انتصاره في “اتفاق” ينتقص من وحدة البلاد، ويعلن قهر ولي عهد أبو ظبي الذي انغمست يده في دماء اليمنيين لقطاع عريض من أنصار الشرعية في اليمن، في الوقت الذي يسيطر فيه الحوثيون على نحو 26 مديرية من اليمن، أغلبها في اليمن الشمالي، متركزين في صعدة حيث مقرهم الرئيسي وصنعاء.

وقال “مختار الرحبي”، المستشار السابق لوزير الإعلام اليمني: “كيف سيصافح محمد زايد رئيس الجمهورية بعد أن قام بقصف جيشه بغارات جوية غادرة جبانة؟”. وتابع متسائلا، عبر حسابه على “تويتر”: “كيف تحولت الإمارات من طرف في الأزمة إلى وسيط؟”.

وفي 29 أغسطس الماضي، أعلنت الحكومة اليمنية عن أن الطائرات الإماراتية الداعمة للمجلس الانتقالي الجنوبي، شنت غارات استهدفت مواقع الجيش في مدن بينها عدن.

وأقرت الخارجية الإماراتية، في بيان آنذاك، بأن بلادها “شنت ضربات جوية جنوبي اليمن”، وبررت ذلك بأنها “استهدفت مجموعات مسلحة ردًا على مهاجمتها قوات التحالف في مطار عدن”.

اليمني محمد رضا قال: إن “الانتقالي الخائن لا يمثل كل مكونات الجنوب الشرفاء الذين يرفضون أي وصاية على بلادهم من أي دولة أجنبية كالإمارات الحقيرة، لذلك الاتفاق باطل؛ لأنه يعطي الانقلابيين أكبر من حجمهم ومكانتهم الحقيقية، والمفروض يحاكموا على جرائمهم في عدن وغيرها من محافظات الجنوب”.

فيما قال بلال فواز: إن “اتفاق الرياض هو اعتراف واضح بالمجلس الانتقالي، والذي سيكون له دور سلبي حسب الإملاءات الخارجية له؛ لأنه مرتهن وليس بيده القرار، وإنما سيعمل لصالح أسياده”.

وأضاف أنه “سيكون خاليًا تماما من الوطنية والسيادة وحب الوطن، وحجرة عثرة أمام الشرعية”.

انقلاب جديد

ورصد نشطاء يمنيون انقلاب المجلس الانتقالي على الاتفاق الأخير الذي رعاه محمد بن سلمان، بوجود محمد بن زايد والرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وقالت “الشرعية نت” إن “أول انقلاب صريح على بنود اتفاق الرياض قبل أن يجفّ حبر التوقيع من قبل نائب رئيس الدائرة الإعلامية بالانتقالي منصور صالح لقناة الحدث: لن تعود الحكومة كلها إلى عدن.. فقط سيعود رئيس الوزراء لصرف الرواتب حتى ننظر في أمر عودة الحكومة، ولن نسمح بذوبان القوات الجنوبية في وزارة الداخلية”.

الصحفي اليمني أنيس منصور، كتب أن “اللجنة الرباعية التي كبلوا بها السيادة اليمنية هي لجنة تتكون من ممثل عن الشرعية وممثل عن السعودية وممثل عن الإمارات وممثل عن الانتقالي، وقبل كل تعيين أو إصدار قرار  جمهوري.. على الرئيس هادي أن يقطع رخصة من هذه اللجنة، معتبرًا أن ذلك مهزلة”.

وأضاف متحسبًا “أجمل ما في الاتفاق هو إشراف السعودية عليه، وهذا يؤكد الفشل مسبقًا، لا يوجد في التاريخ اتفاق أشرفت عليه السعودية وكُتب له النجاح أو انتهى بسلام”.

وتصديقًا لحديث أنيس منصور كتب عبد الله محمد قائلا: “التاريخ يعيد نفسه من التوقيع على المبادرة الخليجية الانتهازية التي نتج عنها انقلابات وحروب وملشنة ودمار وحصار وانهيار للعملة والاقتصاد وتجويع اليمنيين وسفك دمائهم، إلى #اتفاق_الرياض الملغوم بأطماع #الإمارات و#السعودية! الخلاصة.. أي اتفاق ترعاه المملكة فاشل”.

ميدل إيست آي

واعتبر تقرير نشرته صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، الاثنين، بعنوان “اتفاق السلام في اليمن.. هدنة هشة بين السعودية والإمارات” أن هذه “الصفقة” في الحقيقة تعد فرصة للقوى الخارجية لتعزيز نفوذها في البلاد، بالنظر إلى أن الفصيلين اليمنيين قد تلقيا دعما متباينا من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على الترتيب.

واعتبرت الصحيفة أن انسحاب القوات الإماراتية بعد وصول القوات السعودية إلى عدن خفف من شكل الانقسام السعودي الإماراتي في اليمن، وبه استعادت الرياض مؤقتا اليد العليا ظاهريا، وهي تسعى لتمكين ممثلها السياسي المفضل، “هادي”، مع تأمين العلاقات مع المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يزداد نفوذه بشكل متزايد.

هادي مستهدف

وألمحت الصحيفة إلى أن هادي في طور الاستهداف الإماراتي، وقال التقرير: يجب على أبو ظبي مواجهة وجود “هادي” الذي حاولت تقويضه بدعم الطموحات الانفصالية، ويعطي المملكة الشرعية الحق في التدخل في سياسة البلاد بحكم وجوده في الرياض.

وأضاف أنه على الرغم من أن “هادي” هو الرئيس المعترف به من قبل الأمم المتحدة، فإنه يعتبر غير شرعي على نحو متزايد في جميع أنحاء المجتمع اليمني، خاصةً أنه يقيم في الرياض منذ أكثر من 4 أعوام، ولم يتمكن “هادي” من توفير الأمن والخدمات الكافية لليمن، لكن السعودية لا تزال تدعمه.

وكان انقلاب المجلس الانتقالي الجنوبي تهديدا لهذا النفوذ السعودي، خاصة أن المجموعة كانت مدعومة أساسًا من الإمارات، ولو لم يتم التوصل إلى اتفاق، لكان المجلس قد سيطر على جزء كبير من الجنوب.

وتسعى المملكة الآن إلى استرضاء المجلس الانتقالي بهدف إعادة توحيد الحكومة والانفصاليين ضد خصم الرياض الأساسي في اليمن، أي “الحوثيين”، ومع ذلك، يخاطر هذا بإحداث رد فعل عنيف آخر في بلد قد تم تدميره بالفعل، حيث تتجاهل الصفقة حالة الأمن والاستقرار الخطيرة في اليمن.

الهشاشة هنا

ورصد التقرير أن المجلس الانتقالي الجنوبي لم يتخل عن دعواته لاستقلال الجنوب، معتبرا الصفقة فرصة لتأمين قدر أكبر من الحكم الذاتي.

وحذر من أن السعودية سوف تضطر لمواجهة هذه الحقيقة في وقت قريب، ومن المرجح أن تعارض الرياض رغبة المجلس في الحصول على مزيد من الاستقلال في الجنوب، حيث يعني ذلك منح الحوثيين المزيد من النفوذ في الشمال.

وأنه من الجانب الآخر توقعت أن يؤدي تجاهل طموحات المجلس الانتقالي الجنوبي ومحاولة فرض سيطرة “هادي” على البلاد إلى ردة فعل انفصالية أخرى، حيث تستمر التوترات بين الجانبين، وبالتالي لا تعد الصفقة سوى حل مؤقت، حيث تسعى الرياض بشكل يائس إلى تجنب فقدان نفوذها في اليمن.

وقالت ميدل إيست آي، إن “اتفاق السلام” وتمكين “هادي” يعيقان طموحات أبو ظبي، لكنه لا يزال بإمكانها استخدام المجلس الانتقالي الجنوبي للدفع نحو مزيد من الحكم الذاتي في الجنوب.

ورغم انسحابها ظاهريا من اليمن، لا يزال بإمكان الإمارات السعي لفرض إرادتها على الجنوب والسيطرة على موانئه الاستراتيجية، وفي الوقت الحالي، تعمل أبو ظبي بشكل أكثر واقعية للحفاظ على صورتها كـ”صانع سلام”، مع الإبقاء على تحالفها مع السعودية قائما، لكن هذا لا يعني عدم وجود خلاف بين القوتين.

Facebook Comments