لم يعد الحديث عن تطورات الأوضاع في الدول المختلفة، وخاصة الدول العربية التي تشهد موجات تغيير سياسي تدخلا في الشؤون الداخلية، إذ أن دوافع التغيير والبحث عن أنجع السبل لتحقيقه ثم متابعة مساره والحفاظ عليه صار هما واحدا، وبالتالي فإن دول المنطقة صارت في ذلك كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، وكذا إذا تعافى منه عضو فإنه سيصبح عونا للآخرين.

حين وقعت الثورة التونسية توجهت عيوننا نحو تونس نتابع ما يجري فيها، وتتنمى انتقال العدوى إلينا. ولم يقف الأمر عند حد التمني بل التحرك الفعلي لتقليد ما حدث، وحين وقعت الثورة المصرية في 25 يناير 2011 طربت لها كل الشعوب العربية التواقة للحرية، وراح محللوها ونشطاؤها يقدمون التوصيات والمقترحات لأقرانهم في مصر دون أن يجد هؤلاء الأخيرون أي حساسية في الأمر، وهو ما تكرر عقب الانقلاب، فالهم واحد، والنوايا طيبة.

يقودنا ذلك إلى ما يجري على أرض السودان الشقيق من تنافس بين جناحي الحكم العسكري والمدني للاحتماء بالخارج في مواجهة بعضهما البعض من ناحية، وفي مواجهة الشعب السوداني، وهذا هو الأخطر. ولا ننكر أن انحيازنا بالتأكيد هو مع الشعب السوداني وحقه في الحرية وفي حياة ديمقراطية سليمة، وحقه في السلام والعدالة، وهي الشعارات التي رفعها خلال ثورته، التي تتعرض الآن لهجمة مضادة قوية وهي لا تزال بعد في مهدها.

خلال الأيام القليلة الماضية تبارى المكون العسكري وكذا المكون المدني في المنظومة الحاكمة، وهي منظومة مؤقتة في تقديم تنازلات للخارج على حساب الشعب السوداني وسيادته وثورته. وكان كل طرف يستهدف تقديم نفسه لهذا الخارج باعتباره الأفضل لمصلحته في حكم السودان، والأقدر على التناغم مع المنظومة الدولية وأجندتها حتى وإن خالفت رغبة الشعب السوداني. ففي الوقت الذي بادر فيه رئيس المجلس السيادي الجنرال برهان بمقابلة رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو في أوغندا، كاسرا بذلك ثوابت سودانية صميمة، فإن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك طلب في خطاب للأمين العام للأمم المتحدة، أن تسعى المنظمة الأممية إلى الحصول على ولاية من مجلس الأمن لإنشاء عملية لدعم السلام بموجب الفصل السادس في أقرب وقت ممكن، أي أن رئيس حكومة السودان يطلب وصاية دولية من خلال بعثة دولية وقوات عسكرية دولية تشمل ولايتها كامل الأراضي السودانية، بزعم حماية عملية السلام من المخاطر التي تتهددها.

من قبل ذلك خرجت أصوات من جنرالات السودان حول تسليم الرئيس المخلوع عمر البشير للمحكمة الجنائية الدولية، وتبعت ذلك أيضا مواقفة الحكومة على دفع تعويضات سخية لأسر ضحايا المدمرة الأمريكية كول، كثمن لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ورفع ما تبقى من عقوبات دولية عليه.

يحاول كل طرف، سواء كان مدنيا أو عسكريا، تغليف موقفه بغلاف المصلحة الوطنية، لكن هذا الغلاف الزائف يخفي تحته الحقيقة المؤلمة، وهي رغبة كلا الطرفين في الاستمرار في حكم السودان لأطول فترة ممكنة بعيدا عن اللجوء إلى الخيار الشعبي، ولأن كلا الطرفين شريكي الحكم قد دخلا هذه الشراكة مكرهين من البداية، فإنهما يتربصان لبعضهما البعض، ويدرك كل طرف أن الطرف الآخر يخطط للخلاص منه. وبدلا من الرهان على العودة إلى الشعب لحسم الأمر، فإن كلا الطرفين وجد أن الاحتماء بالخارج القوى سيكون هو الخيار الأيسر والأسرع لحسم المعركة لصالحه، أو على الأقل الإبقاء على تقاسم السلطة بعيدا عن الشعب لأطول فترة ممكنة، رغم أن كلا الطرفين يقران بأنهما يديران فترة انتقالية مؤقتة، لا يحق لهما خلالها إحداث تغييرات كبرى في سياسات البلاد الداخلية والخارجية، لكن حالة التربص القائمة بينهما تدفع كل طرف ليتغذى بشريكه قبل أن يتعشى الآخر به.

التلاعب بالثورة السودانية والقفز عليها، وتجاوز الحراك الشعبي احتماء بقوى دولية هو أخطر ما تمر به الآن الثورة السودانية التي لا تزال بعد غضة نضرة، ولا تزال مظاهرات أبنائها تعم مناطق مختلفة من السودان. والخوف أن تتسبب هذه التحركات من قبل شركاء المرحلة الانتقالية من العسكريين والمدنيين في وأد هذه الثورة التي نجحت في خلع رئيس حكم البلاد لمدة 30 عاما، واستعصى على كل المحاولات السلمية الإصلاحية لتغييره، ونجحت في زجه في المحكمة مع كبار مساعديه. وكان المأمول أن تكمل الثورة مسارها بتحقيق ديمقراطية كاملة وعدالة ناجزة وسلام دائم، لكن الالتفاف عليها كان مبكرا من خلال إطالة الفترة الانتقالية لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة، بما يخالف المتبع عادة بعد ثورات التغيير التي تحرص على قصر الفترة الانتقالية على بضعة شهور، حتى يتمكن الشعب من التعبير عن رأيه واختيار قيادته.

أي انتكاسة للثورة السودانية ستنعكس حتما على ثورات وانتفاضات أخرى لا تزال مشتعلة أو في طريقها للاشتعال في المنطقة العربية، وبالتالي فإن التضامن مع الشعب السوداني لا يعد تدخلا في الشؤون الداخلية، لكنه واجب الوقت على كل الشعوب المشتاقة للحرية والديمقراطية والكرامة. فالرياح الديمقراطية تنتقل مهما حاول المستبدون بناء أسوار لمنع وصولها، ولذا فإن أعداء الحرية والخائفون من الديمقراطية يحرصون على كتم أنفاس أي ثورة في مهدها قبل أن تنتقل عدواها إليهم، لكنهم واهمون لأن سنن الله في كونه غلابة.

…………..

نقلاً عن “عربي21”

Facebook Comments