جريمة كبرى تعتدى فيها عصابات العسكر في سوريا الجريحة على رمز حضاري تاريخي للأمم، وخاصة حرمة الجثامين، فـ”عمر” رضى الله عنه نموذج عدالة كبرى في تاريخ الإنسانية بعد النبوات، ومركز تاريخي للقيم الإسلامية، ومعادوه هم رمز التخلف والإرهاب.

عندما دخل الجنرال الفرنسي هنري غورو دمشق محتلًّا، توجّه إلى قبر صلاح الدين الأيوبي فاتح القدس، فركل القبر وخاطبه قائلا “ها قد عدنا يا صلاح الدين” لكنه لم يحرقه أو ينبشه، “فكيف فعل هؤلاء القوم اليوم فعلتهم بضريح خليفة كان يزوره صلاح الدين نفسه؟”، مردّ ذلك وجود حقد طائفي وتاريخي دفين.

وتداولت وكالة “سانا”، التابعة لعصابة السفاح بشار الأسد، صورا لعدد من القرى والبلدات التي احتلتها قوات الأسد ومليشيات إيران وروسيا بريف إدلب الشرقي، ظهر بين الصور ضريح الخليفة العادل “عمر بن عبد العزيز” وقد تعرض لحرق بمشهد طائفي بحت.

حتى أنت يا بوتين

وتُظهر الصور التي تعرف عليها نشطاء قرية الدير الشرقي، حيث قبر ثامن خلفاء بني أُمية، المُلقب بخامس الخلفاء الراشدين، “عمر بن عبد العزيز”، كما تظهر حرق قبر زوجته “فاطمة بنت عبد الملك”، وقبر خادم الضريح الشيخ “أبو زكريا بن يحيى المنصور”، وتخريب المكان بالكامل.

ويتوسط قرية الدير الشرقي ضريح الخليفة “عمر بن عبد العزيز”، وحوله عدة مساجد وساحة عامة، وكان مقصدا للسياح والزوار بشكل دوري قبل الحرب السورية، وله مكانة مرموقة لدى أهالي المنطقة، الذين حافظوا عليه بعد الحرب التي دمرت البشر والحجر.

وفي 18 أغسطس من عام 2019، كان استهدف الطيران الحربي الروسي ضريح الخليفة “عمر بن عبد العزيز” في قرية الدير الشرقي بريف إدلب الشرقي، واستهدف مسجد عمر بن عبد العزيز” القريب من بناء الضريح، وخلَّف أضرارا كبيرة فيه.

تدمير المساجد وتخريب قبور الصحابة والخلفاء وحرق المرافق الأثرية والحضارية والتراث القديم ليس بجديد على قوات النظام وروسيا ومليشيات إيران، فطالما كانت تلك المواقع لا سيما المساجد هدفا مباشرا للقصف والتدمير والتخريب وطمس معالمها.

رمز إسلامي للعدل

الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين أصدرت بيانا يدين الاعتداء على قبر الخليفة عمر بن عبد العزيز في سوريا، وقالت الرابطة في بيان: “ساءنا في رابطة علماء المسلمين خبر نبش قبر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز وسرقة رفاته، والعبث بالقبور من حوله”.

وأضاف البيان “إن هذا العمل لينم عن مدى الحقد الذي انطوى عليه قلب الفاعل ومن أمره بذلك أو فرح به. إن الحاقدين على أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز في هذا الزمان، لا يحقدون عليه لأمر شخصي بينه وبينهم، وإنما يحقدون عليه لما يحمله من اعتقاد يمثل اعتقاد المسلمين عمومًا وأهل السنة خصوصًا، ولكونه رمزًا إسلاميًا يمثل العدل في حقبة تاريخية عظيمة من تاريخ المسلمين، لما له من قرابة بأمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه”.

كما وصفت هيئة علماء المسلمين في لبنان، ما حدث بأنه “دليل كاف على حقد فلول الحشاشين والباطنية الحاقدين على الإسلام وعلى النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى صحابته الكرام، وحاملي سنته العظام”.

وقال بيان صادر عن الهيئة إن “جريمة نبش هؤلاء من كانوا أداة كل محتل، وعملاء كل عدو، وجند كل غاز، يسكتهم الضعف، وتظهر أحقادهم عند كل استقواء، ومع تولي حافظ وبشار ارتكبوا كل جريمة، وقارفوا كل رذيلة، واستهدفوا كل مؤمن بالسجن والقتل والتعذيب والسرقة… وارتكبوا الموبقات البشعة الموثقة مع المليشيات المذهبية الحاقدة، ومنها تدمير المساجد، والتهجير والتطهير المذهبي، وهي جرائم حرب مؤكدة! نذكرهم أن الأمة لن تنسى جرائمهم، ولن تتركها بغير جزاء عادل وقريب بإذن الله تعالى. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.

أما المجلس الإسلامي السوري فقال في بيان، إن العديد من المساجد التاريخية كالمسجد الأمويّ في حلب والمسجد العمريّ في درعا دمرت على يد النظام السوري حلفائه، وإن إيران ومليشياتها تقوم بعمل مزدوج خطير في سوريا، أحد طرفيه تشييد مقامات شيعيّة طائفيّة موهومة، والطّرف الآخر طمس المعالم الدّالة على الحضارة الإسلاميّة ورموزها، معتبرا أنه أمرٌ في غاية الخطورة على هويّة البلاد وتاريخها وانتمائها.

وقال المجلس الإسلامي السوري، إن “تكرار الاعتداء الإجراميّ على قبر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز مرات كثيرة، ما بين القصف والحرق وأخيرا جريمة النبش البشعة، مما يدلّ على عمل وإجرام ممنهج وحقد طائفي أعمى، بل تدنٍّ في المشاعر والأحاسيس الإنسانية”.

ويرى د. محمد نجار، الأستاذ الجامعي في كلية الإلهيات بجامعة غازي عنتاب، أنّ من قصف المساجد وقتّل آلاف الأطفال والنساء والأبرياء لا يستغرب منه نبش قبر، واعتبر ذلك ترسيخا لمنهج الانتقام والحقد والهمجية.

Facebook Comments