“بحث علمي للترقية الإدارية، بحث علمي بعيدًا عن الواقع، بحث علمي بلا ميزانية”.. وغيرها من العناوين تختصر واقعا مريرا بمصر ينفضح مع أزمة كورونا.

ومع انتشار الأمراض والفيروسات والأوبئة وارتفاع معدلات الإصابات والوفيات، في زمن كورونا، يظهر دائما الحاجة المُلحة لكل العاملين بالقطاع الطبي والبحث العلمي، حيث تكون تلك القطاعات هي الملاذ الآمن لإنقاذ المصريين.

وبحسب مراقبين وسياسيين، ففي كل السنوات الماضية لم تصل مُخصصات البحث العلمي المُقررة بالدستور وهى 1% من الناتج المحلى الإجمالي.

وحتى هذه اللحظة، فإن البحث العلمي لم يلق الاهتمام الكافي، والجامعات والمراكز البحثية مواردها محدودة. والغريب أنه في مصر يتم البحث العلمي لتحقيق الترقية للدرجة الوظيفية الأعلى، وليس لعلاج المشكلات المُلحة التي تواجه الدولة.

إجراءات دعائية

وعلى الرغم من بعض الإجراءات الدعائية التي أقرها برلمان السيسي مؤخرا، كإنشاء صندوق رعاية المبتكرين والنوابغ، وقانون تنظيم البعثات والإجازات الدراسية، إلا أن مشروع القانون الأهم فى مجال البحث العلمي لم يخرج إلى النور حتى الآن، وهو مشروع قانون التجارب السريرية والأبحاث الإكلينيكية، حيث إن قانون التجارب السريرية هو عصب البحث العلمي فى الأزمة الراهنة التى يعيشها العالم.

يشار إلى أن العديد من المطالبات المجتمعية انطلقت مؤخرا نحو تفعيل دور أكاديميات البحث العلمي في مصر وشركات الجيش للبحث وتطوير أدوية وأدوات لمكافحة كورونا، كما فعلت كل النظم في ألمانيا وأمريكا والصين، إلا أنّ السيسي ونظامه الفاشل يقفون عند حدود الاستيراد والتربح فقط دون التوجه للتصنيع، حيث أعلنت القوات المسلحة عن أنها ستلجأ إلى استيرادٍ بالمليارات للأدوات الصحية والطبية لمكافحة كورونا.

فيما تقوم شركات الجيش بإنتاج البسكويت والمكرونة وغيرها من المنتجات الاستهلاكية، رغم إمكاناتها المالية الكبيرة ومخصصاتها خارج الموازنة العامة.

ويرى الخبراء أهمية مراجعة موضوعات الأبحاث العلمية التي يتم العمل عليها داخل الجامعات والمراكز البحثية، وأن يكون هناك خطة واضحة ومُحددة للمجالات التى تحتاج إليها الدولة والمجتمع ليتم إجراء الأبحاث عليها، وألا يكون الأمر مُجرد أبحاث تتم للحصول على ترقيات وظيفية فقط.

 

مأزق البحث العلمي

وكان عدد من علماء مصر قد ناقشوا أزمات البحث العلمي في منتدى طه حسين، الذي عُقد بنقابة الصحفيين، بحضور رئيس هيئة الرقابة الدوائية السابق وخبير الدواء الدكتور محمد رؤوف حامد، ورئيس أكاديمية البحث العلمي الدكتور محمود صقر.

الدكتور حامد أكد أن هناك تدنيا هيكليا في منظومة البحث العلمي في مصر، وأن وزارة البحث العلمي حين تختار القيادة السياسية وزيرا لها، إما تختاره من فئة الأقليات مثل المسيحيين، أو تسلّم إلى سيدة باعتبارها وزارة غير ذات أهمية، على حد وصفه.

وأوضح حامد أنه لا بد من فصْل وزارة البحث العلمي عن وزارة التعليم العالي، ولا يجب أن يكون البحث العلمي في مصر حسب مزاج رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، كما يجب أن يكون للوزارة وكيل ولكل الوزارات أيضا حتى وزارة الدفاع نفسها، الذين من خلالهم يمكن الدفع والتنسيق والمتابعة لجميع المكونات والمهام والأنشطة الخاصة بالعلم والتكنولوجيا في جميع مجالات الحياة في مصر.

واعتبر أنه من خلال شبكة هؤلاء الوكلاء تصبح وزارة البحث العلمي أكثر قدرة على الاضطلاع بمهامها القومية، لافتا إلى أن تخلف مصر يرجع إلى عدم الاهتمام بالبحث العلمي.

وأوضح أن سوق الدواء في مصر تعاني من الفوضى، وأن الحكومة حلت هيئة الرقابة الدوائية أغسطس2019 لصالح بعض الشركات الخاصة والدولية في مصر، وأن هناك اندفاعا من جانب الحكومة نحو الشراكة الأجنبية في سوق الدواء، مطالبا بضرورة إنقاذها والعدول عن هذا القرار.

وأوضح أن رئيس أكاديمية البحث العلمي يعيّن تعيينا ولا ينتخب، لذلك هي غير مستقلة، والمشكلة لدينا في مصر أن السيسي  يتدخل في كل شيء وأن الحكومة حوّلت العلماء إلى شخصيات مستكينة.

وقال رئيس أكاديمية البحث العلمي الدكتور محمود صقر، إن مصر تأتي في الابتكار العلمي في المركز 92 عالميا وهو مركز متدنٍ، لافتا إلى أن استراتيجية الحكومة المعروفة بـ2030 ليست هي الأفضل .

وأوضح أن البحث العلمي في مصر لا يلقى الرعاية الكافية من جانب رجال الأعمال ورجال الصناعة في مصر. وأشار إلى أنه عند تصميم برنامج مصر تبتكر، رفض جميع رجال الأعمال تمويله، وهو برنامج يدعم البحث العلمي ويروّج له، وحين دعا السيسي لإنشاء صندوق لدعم البحث العلمي لم يدعم أي رجل أعمال الصندوق، قائلا: “مفيش رجل أعمال وضع فيه جنيه واحد”، لافتا إلى أن معظم الابتكارات والاختراعات وبالأحرى 65 % منها هي لأشخاص وليس لشركات. وكشف صقر عن أن هناك مستشارين للسيسي يقدمون له معلومات منقوصة حول البحث العلمي.

وبجانب ذلك تتفاقم أزمة البحث العلمي في ضوء أزمة تفشي وباء كورونا، إثر اعتقال السيسي- منذ انقلابه العسكري- أكثر من 5 آلاف عالم وطبيب في السجون، ما يحرم مصر من خبرات أبنائها والوطنيين، الذين أعلنوا استعدادهم للمشاركة في جهود مكافحة الفيروس، وكما جرى في أغلب النظم العربية في العراق ولبنان وإيران وتونس والجزائر والمغرب الذين أطلقوا سراح السجناء.

Facebook Comments