مثل اللقاء المفاجئ بين رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو ورئيس مجلس السيادة في السودان عبد الفتاح البرهان يوم الإثنين الماضي في العاصمة الأوغندية صدمة جديدة في عموم المنطقة وخاصة لدى الشعب الفلسطيني الذي يتعلق بأهداب أمته العربية والإسلامية لإنقاذه من تداعيات صفقة القرن التي يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفرضها عليهم وتصفية قضيتهم من خلالها مدعوما بقبول صريح أو ضمني من بعض حكام المنطقة.

لم يكن البرهان بحاجة موضوعية إلى هذه المقابلة خاصة أن السودان ليست دولة حدودية مع الكيان الصهيوني، لكن البرهان الواقع تحت تأثير النظامين المصري والإماراتي أدرك أو لعله تلقى تعليمات واضحة بأن طريقه للانفراد بالسلطة لن يتم إلا عبر البوابة الإسرائيلية، دعك من مزاعم البرهان وتبريراته للمقابلة بأنها لحفظ وصيانة الأمن الوطني وتحقيق المصالح العليا للشعب السوداني، ودعك من الزعم أن المقابلة استهدفت رفع الحصار المفروض على السودان منذ العام 1993، فهذا الحصار كان سيرفع بالفعل مع تطور الوضع الديمقراطي في البلاد، وبعد إسقاط الحكم الذي فرض عليه الحصار، لكن الحقيقة الناصعة أن البرهان وكأي جنرال آخر لا يقبل شريكا في الحكم، وهو يرى أن المعادلة الداخلية الحالية لا تسمح له بالانفراد بالسلطة، وقد تلقف النصيحة التي أقنعته بأن الطريق لهذا الانفراد بالسلطة يمر عبر الرضا الصهيوني ، فلم يتأخر الجنرال عن مقابلة مبعوث العناية الصهيونية بنيامين نتنياهو الذي يعيش بدورة أزمة سياسية وتحقيقات قضائية يمكن أن تطيح به وبحزبه ويحتاج إلى بعض الإنجازات الخارجية التي يمكنها أن تنتشله وحزبه.

الخلفية البعثية:

لم يعد سرا أن الإمارات هي من رتبت هذه المقابلة فقد نقلت ذلك وكالة رويترز عن مسئول عسكري سوداني كبير، كما أن النظامين المصري والسعودي كانا على علم مسبق بها، وبالتالي فلنا أن نستنتج مباشرة أن السودان سيكون مطالبا بالوقوف مع صفقة القرن في انقلاب سافر على رواسخ السياسة الخارجية للخرطوم التي احتضنت يوما قمة اللاءات العربية الثلاث (لا صلح-لا تفاوض- لا اعتراف)، ولن يكون مفاجئا أن يسارع البرهان لإعلان هذا الدعم لصفقة القرن سواء خلال زيارته المتوقعة إلى واشنطن والتي هي بمثابة أول رشوة أمريكية له لقبوله لقاء نتنياهو، أو حتى قبل السفر إلى واشنطن كعربون للزيارة ذاتها ولما سيبحث فيها.

ليس معروفا ما إذا كان البرهان وهو الجنرال ذو الخلفية البعثية قد تشاور مع بعض شركائه العسكريين أو المدنيين في الحكم، وإن كانت قوى الحرية والتغيير قد أصدرت بيانا غسلت أيديها من هذه الزيارة ونفت أي علم مسبق لها بها، مذكرة بأن السياسة الخارجية هي من مهام الحكومة وفقا للوثيقة الدستورية لتقاسم السلطة، وهذه القوى التي حملت مطالب الشعب بالحرية والسلام والعدالة مطالبة الآن بموقف جدي يمثل ضمير هذا الشعب ، كما أن الحكومة المدنية مطالبة بموقف جدي لا يقتصر على تصريحات باهتة لوزيرة الخارجية أو زير الإعلام حول عدم العلم بالزيارة وانتظار التوضيحات حولها، وقد يكون إعلان الاستقالة العاجلة هو الحل الأنسب ردا على هذا التجاوز لها.

لقد سجل نتنياهو من خلال هذه المقابلة نجاحا جديدا لكيانه، وأيضا لشخصه قبل الانتخابات البرلمانية المقررة في 2 مارس المقبل،والتي قد تكون فرصته الأخيرة لإنقاذ نفسه من الاتهامات الموجهة له بتلقي الرشوة وخيانة الأمانة والفساد، ولم يخف نتنياهو فرحته بعودة أفريقيا إلى الحضن  الإسرائيلي، والذي كان يجد صدودا في القارة السمراء من قبل، وبالتأكيد فإن خطوة البرهان ستفتح شهية زعماء أفارقة آخرين لمقابلة نتنياهو أو حتى نقل سفاراتهم إلى القدس وإعلان دعمهم لصفقة القرن، خاصة وأنهم يرون أصحاب القضية أنفسهم (أي العرب) يتنافسون فيما بينهم لإرضاء الكيان الصهيوني.

الدعم الإسرائيلي:

رغم أن الكيان الصهيوني يفاخر دوما بديمقرطيته –حتى وإن اقتصرت على مواطنيه اليهود- إلا أنه يعتبر العدو الأول لأي مد ديمقراطي في المنطقة العربية لإدراكه أن هذه الديمقراطية ستنتج حكاما أكثر رفضا لاحتلاله للأراضي الفلسطينية ولمظالمه بحق الشعب الفسطيني الشقيق، وقد حدث ذلك عمليا في نموذجي الرئيس المدني المصري الراحل الدكتور محمد مرسي، وتكرر مع الرئيس المدني التونسي الحالي قيس سعيد وسلفه المنصف المرزوقي، ومن هنا كان الموقف الإسرائيلي الداعم للحكام المستبدين، ودعمه الفج للثورات المضادة للحكم المدني في المنطقة، بالتعاون مع حلفائه في الإمارات والسعودية، ولكن يغيب عن هذا الكيان الصهيوني أن الحكام المستبدين لم يتمكنوا من توفير استقرار له من قبل، ولن يستطيعوا ذلك من بعد، وأنه لن ينعم باستقرار طالما بقى الاحتلال ، وطالما بقى الظلم، وبدلا من اعتماده على حكام مستبدين لا يتمتعون بأي شرعية في بلدانهم فإن الطريق الصجيح للحصول على الاستقرار هو رد الحقوق لأصحابها ووقف المظالم بجقهم..ساعتها سيريح ويستريح.

Facebook Comments