يقول الملك عبد الله الهاشمي، عبد الله الأول بن الحسين بن علي الهاشمي (فبراير 1882- 20 يوليو 1951)، ملك ومؤسس المملكة الأردنية الهاشمية بعد الثورة العربية الكبرى: “الإخوان المسلمون هم معجزة القرآن في هذا الزمان، فمما لا شك فيه أن مؤسس جماعتهم وراعي نهضتهم ومرشدهم العام المرحوم الأستاذ حسن البنا هو رب هذه المعجزة. فمن عِلمه وهديه، ونشاطه وروحه، وإيمانه وإسلامه.. استمدت هذه الجماعة ما سمت به من عظيم الصفات، وما قامت به من جليل الأعمال”.

وقبل أكثر من سبعين عامًا انطلق الإمام حسن البنّا بدعوة الإخوان المسلمين، وسط تحديات جسام، يستنهض الهمم ويوقظ الإيمان؛ وأرسى معالم مشروع إسلامي عبقري، وأعاد فكرة شموليّة الإسلام، وضرورة تطبيقه كمنهج حياة.

يقول عنه الدكتور طلعت فهمي: “عاش الإمام البنّا يرحمه الله بالدعوة وللدعوة، وخاض ملحمة كفاحٍ حافلةٍ في كل الميادين، ودفع حياته شهيدا- بإذنِ الله– ثمنًا لكفاحه من أجل إعادة الأمة إلى أحضان دينها واستعادة مجد الإسلام والخلافة، وثمنًا لنضاله ضد الاستعمار الصليبي والصهيوني، لكن استشهاده كان بعثًا جديدًا للدعوة، فبلغ مداها الآفاق”.

السنن الربانية

ونشر الدكتور رمضان خميس غريب ورقة بحثية حول السنن الربانية في تراث الإمام حسن البنا من ناحية التوصيف والتكييف والتنزيل والتطبيق.

وأوضح أن البنا قد قطع شوطا مباركا في هذه الزاوية وتجاوز مرحلة الرصد والسرد والجرد إلى مرحلة التطبيق العملي والإفادة الحقة؛ فانتقل بالسنن من مرحلة الوعي إلى مرحلة السعي، بل إلى مرحلة تكوين جيل من الدعاة تربوا على هذه المعاني السننية القرآنية الثابتة، ولعل هذا الوعي بالسنن أحد أسباب استمرار المشروع الإسلامي للشيخ البنا واستقراره على كثرة ما تعرض له من هجمات منظمة وممولة عبر السنين والأقطار.

وتناول البحث روافد التكوين السنني لدى الشيخ البنا والسنن الربانية بين المسطور والمنظور وموقفه من هذا التزاوج ثم بيان عناية الإمام البنا بعلم السنن ومنهجية التعامل معها في نظره ثم ضرب نماذج تطبيقية من علم السنن لديه.

سنة التغيير

وتحت عنوان سنة الله في التغيير، تناول البحث أيضا سنة الله في التغيير ويسميها قانونا فيقول: ( هذا هو قانون الله تبارك وتعالى وسنته في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا) “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ”.

وتتبع الشيخ البنا بعض أسباب هلاك الأمم، مثل وهن النفوس وغياب الأخلاق والرفاهية المقعدة والترف المطغي والافتتان بزهرة الحياة الدنيا (أو لست تراه قد بين أن سبب ضعف الأمم وذلة الشعوب وهن نفوسها وضعف قلوبها وخلاء أفئدتها من الأخلاق الفاضلة وصفات الرجولة الصحيحة وإن كثر عددها وزادت خيراتها وثمراتها).

ومن السنن التي تناولها الشيخ رحمه الله: سنة الله في نهضة الأمم، وهي سنة ثابتة عبر الأجيال وتأخذ أطوارا أشبه بأطوار الإنسان الفرد من ضعف إلى قوة ومن قوة إلى ضعف، وتتبع هذه السنة يعطي الأمل للأمم المغلوبة المقهورة على أمرها؛ فالقوي لا يظل قويا أبد الدهر ولا الضعيف لا يستمر ضعيفا أبد الدهر.

وعن ذلك يقول الشيخ حسنين مخلوف، مفتي الديار المصرية في الأربعينيات، عن حسن البنا: “الشيخ حسن البنا أنزله الله منازل الأبرار، من أعظم الشخصيات الإسلامية في هذا العصر، بل هو الزعيم الإسلامي الذي جاهد في الله حق الجهاد، واتخذ لدعوة الحق منهاجًا صالحًا وسبيلاً واضحًا استمده من القرآن والسنة النبوية ومن روح التشريع الإسلامي، وقام بتنفيذه بحكمة الإسلامية في آفاق مصر وغيرها من بلاد الإسلام واستظل برايتها خلق كثير”.

سنن الدعوات

ومن أهم السنن التي تناولها الأستاذ البنا رحمه الله تعالى، سنن الله عز وجل في الدعوات، وهي سنن جارية مضت على دعوات الأنبياء والمرسلين وتمضي على كل الدعوات، فيبين أن القائد جزء من الدعوة ولا دعوة بغير قيادة، وسواء كان هذا القائد رسولا نبيا أو كان قائدا من عموم الناس، وكم أوصى الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم بإخوانه حتى عاتبه فيهم، وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة، وإحكام خططها.

ويبين الأستاذ المجدد، رحمه الله، أن التقدم والتأخر في الدعوات لا يغني عن المرء شيئا ما لم يكن له من الوعي بدعوته والصدق في نيته الحظ الأوفر، فهو مقدم ما عمل بمنهاج الإسلام ومؤخر ما تراخت يده عنه، وإن تصدر المجالس واعتلى المنابر.

وتحدَّث البنا أيضًا عن سنة الله في القِلة، وحاول أن يفيد منها في بناء جماعته، (يسهل علي كثيرين أن يتخيلوا، ولكن ليس كل خيال يدور بالبال يستطاع تصويره أقوالا باللسان، وإن كثيرين يستطيعون أن يقولوا ولكن قليلا من هذا الكثير يثبت عند العمل).

ومن معاصريه، كتب علي ماهر رئيس مجلس الوزراء الأسبق، (1881 – 1960) من أعيان الشراكسة في مصر، وهو سياسي مصري بارز شارك في ثورة 1919، وتسلم وزارة المعارف عام 1925 وشغل منصب رئيس وزراء مصر أربعة مرات كان أولها في 30 يناير 1936 وآخرها عند قيام ثورة يوليو 1952، يقول: “عادت بي الذاكرة إلى عام 1935، حين زارني الفقيد الكريم مع بعض أصدقائه بمناسبة انتقاله بجماعته من الإسماعيلية إلى القاهرة، متحدثًا في بعض الشئون العامة، وكان حديثه يشرح صدري وأسلوبه يشهد بموفور الثقافة الإسلامية والبصر بشئون الأمم العربية، وبراعة المنطق وقوة الحجة، وكان إلى ذلك شديد الإيمان بأنه يؤدي رسالة إنسانية سامية، دعائمها الإخاء والمحبة والسلام بين سكان البلاد جميعًا. وفي مارس سنة 1939، بارحت لندن بالطائرة، إثر مؤتمر فلسطين، ووصلت القاهرة في مستهل الهزيع الأخير من ليلة لا أنساها، رأيت فيها جموع الإخوان تملأ فضاء محطة العاصمة، وتموج بهم أرصفتها، وسمعت نداءهم: “الله أكبر ولله الحمد” يدوي عاليً، فيأخذ طريقه إلى القلوب، ويملأ النفوس إيمانًا بالله، وتجردًا للمثل العليا”.

كلمات جامعة

في كتاب “معالم لمشروع الحضاري” في فكر البنا، للدكتور محمد عمارة، رصد 6 منطلقات في حديث الإمام البنا وكلماته الجامعة وذات المغذى.

1 – عن الإسلام الثورة

“إن الإسلام ثورة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى.. يزلزل الأوضاع الفاسدة، ويحطم صروح البغي والعدوان الشامخة، ويجدد معالم الحياة وأوضاعها، ويقيمها على أثبت الدعائم.

إنه ثورة على الجهل.. وثورة على الظلم بكل معانيه: ظلم الحاكم للمحكوم، وظلم الغني للفقير، وظلم القوي للضعيف.

وثورة على الضعف بكل مظاهره ونواحيه: ضعف النفوس بالشح والإثم، وضعف الأبدان بالشهوات والسقم”.

2 – وعن تحرير مصر

“أيها المصري، أيتها المصرية، أيها الشرقي، أيتها الشرقية، علَّموا أولادكم منذ نعومة أظفاركم أن يكرهوا وأن يمقتوا وأن يلعنوا الإمبراطورية البريطانية، كما يعلَّم الآباء الانجليز أبناءهم أن يحبوا إمبراطوريتهم.

تصرفوا بطريقة تجعل على الإنجليز أن يواجهوا قلوبًا تكرههم، وألسنة تلعنهم، وأيادي تذبحهم.. وإنه لا باب للحرية سوى باب العداء الصريح لبريطانيا، والإعداد الكامل والجهاد الواثب، ومرحبًا به؛ ليحق الحق ويبطل الباطل، ولو كره المجرمون!”.

3 – وعن إنقاذ فلسطين

“إن فلسطين هي قلب الشرق النابض، وموطن مقدسات مسلميه ومسيحييه على السواء.

وإن الشعب الفلسطيني هو من سلالة الصحابة الفاتحين.. وإن ثرى فلسطين قد رُوي بدماء عشرات الآلاف من صحابة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

وإن قضية فلسطين هي قضية العالم الإسلامي بأسره، وهي ميزان كرامته، ومقياس هيبته وقوته.

وإن اليهود في فلسطين خطر داهم على سياسة الشرق العامة، ومطامعهم في الوطن القومي غير محصورة؛ فهم لا يقتصرون على فلسطين، ولكنهم سيتحيفون الأرض من كل جانب، وهم خطر على وحدة العرب في الشرق؛ لأنهم لا يعيشون إلا في جو التفريق، وهم خطر داهم على الشرق، فهم قوم خُلُقُهم المال، باعوا من قبل آيات الله بثمن قليل، ولا يزالون يبيعون الأخلاق بثمن بخس.

وإن الصهيونية ليست حركة سياسية قاصرة على الوطن القومي لليهود أو الدولة المزعومة بالتقسيم الموهوم، ولكنها ثمرة تدابير وجهود اليهودية العالمية، التي تهدف إلى تسخير العلم كله لحكم اليهود، ومصلحة اليهود، وزعامة مسيح صهيون، وليست دولتهم التي يعبرون عنها بجملتهم المأثورة: “ملك سليمان إسرائيل من الفرات إلي النيل” في عرفهم إلا نقطة ارتكاز تنقض منها اليهودية العالمية علي الأمة العربية، دولة فدولة، وعلى المجموعة الإسلامية، أمة بعد أمة.

أما أمم العرب في أوروبا وأمريكا، فقد تكفل الذهب اليهودي، والإغراء الصهيوني بتوجيه زعمائها حيث يريد. وإن الانجليز واليهود لن يفهموا إلا لغةً واحدةً: هي لغة الثورة، والقوة والدم.. “.

4 – وعن الوحدة العربية

“إن قضية وحدة العرب هي أعدل وأنجح وأوضح قضية في التاريخ؛ فمن البديهيات التي لا تقبل الجدل أن العرب أمة واحدة، وأن هذا التعبير يساوي في أحقيته ووضوحه واستقراره في النفوس والأذهان قول القائلين: “السماء فوقنا والأرض تحتنا”؛ فلقد اصطلحت على تكوين هذه الوحدة العربية وتدعيمها كل العوامل الروحية، واللغوية، والجغرافية، والتاريخية، والمصلحية..”.

5 – وعن تحرير الوطن الإسلامي

“إن الوطنية هي فرض من الله، هو الذي أمر به، هي جزء من تعاليم الإسلام.

ونحن لا نطيق أن يكون في أرض الإسلام مستعمر واحد.. ولذلك يعمل الإخوان بالنفس والمال في سبيل تحرير الوطن الإسلامي العام.

إن الوطن الإسلامي لا يتجزأ، وإن كل شبر فيه مسلم يقول: لا إله إلا الله، أو رفعت عليه يومًا من الأيام راية الله- قد صار أمانة في يد المسلمين قاطبة، ووجب عليهم أن يفدوا حريته بالنفوس والأرواح”.

6 – وعن الجهاد والاستشهاد

“إن الأمة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة- يهب الله لها الحياة العزيزة.

فاعملوا الموتة الكريمة تظفروا بالسعادة الكاملة، رزقنا الله وإياكم كرامة الاستشهاد في سبيله”.

“وعندما سئل هذا الرجل الرباني الملهم، الذي كان من أبرز مجددي الإسلام في القرن (الرابع عشر الهجري- العشرين الميلادي- والذي أكرمه الله فاستجاب دعوته، ورزقه كرامة الاستشهاد في سبيله.. عندما سئل: من أنت؟ كان جوابه: “أنا سائح يطلب الحقيقة”.

 

Facebook Comments