كتب: يونس حمزاوي
لم يكتفِ العسكر بتسميم الأجواء السياسية ومصادرة الحريات وقمع الأحرار والتوسع في بناء السجون، حيث تم بناء 19 سجنا منذ انقلاب 3 يوليو 2013 حتى اليوم، بل تمكّن العسكر من خلال مصادرة الشركات وأموال المناهضين لحكم لعسكر، من تسميم القطاع الاقتصادي؛ من أجل السيطرة والاستحواذ على مفاصل مصر الاقتصادية، وخدمة كبار جنرالات العسكر في شتى المجالات.

وفي هذا التقرير، نرصد أبرز المحطات والملاحظات على هذا الإجراء المشبوه والهدف من ورائه.

التحفظ على حوالي 550 شركة

في السابع عشر من سبتمبر 2013، أعلنت عصابات العسكر عن التحفظ على أموال نحو 25 شخصا من المعارضين، غالبيتهم كانوا بالسجون.

وفي يناير عام 2014، تم التحفظ على أموال 572 شخصا و87 مدرسة و1100 جمعية أهلية، وخلال الشهور القليلة التالية زاد عدد الأشخاص الذين تم التحفظ على أموالهم إلى 737 شخصا.

وفي يوليو 2014، تم التحفظ على فروع شركة "زاد" التابعة لخيرت الشاطر، وأفرع "سعودي" التابعة لعبدالرحمن سعودي، إلى جانب المحال التابعة لشركات حسن مالك، وفي يناير 2015 ومن خلال البيانات الرسمية، بلغ عدد الأشخاص الذين تم التحفظ على أموالهم نحو 900 شخص، وعدد الشركات 532 شركة.

وأعقب ذلك التوسع في التحفظ على شركات الصرافة التي يشتبه في تعاطف ملاكها مع الإخوان، وفي ديسمبر 2015 تم الإعلان عن التحفظ على 12 شركة أخرى، وفي السابع عشر من أغسطس من العام الحالي، تم التحفظ على خمس شركات وأموال 16 شخصا، ثم إعلان التحفظ على 19 شركة أخرى في الحادي والعشرين من الشهر نفسه.

وتتم عمليات التحفظ قبل الإعلان عنها بشهور، كما تم الزج بأسماء كثير من الذين تم التحفظ على أموالهم ضمن قوائم الكيانات الإرهابية، مما يحرمهم من كثير من الحقوق.

منع إعانة أسر الشهداء والمعتقلين

ويستهدف العسكر من عمليات المصادرة، منع من هم خارج السجون من معاونة أسر الآلاف من المسجونين والمطاردين، وكانت المطاردة الاقتصادية لكل ما يشتبه في كونه نشاطا إنتاجيا أو خدميا يخص أعضاء جماعة الإخوان، أو المتعاطفين معهم، بل ومن وقفوا موقف المحايد بين النظام والإسلاميين.

وشمل التحفظ العديد من المجالات، مثل المدارس والمستشفيات والشركات والجمعيات الأهلية التي كان يديرها هؤلاء، لتتسع الأنشطة المتحفظ عليها من شركات عقارية وتجارة سيارات وإنتاج ملابس ومواد طباعة وأدوية، ومقاولات وحاسب آلي وإلكترونيات واستيراد وتصدير وسياحة وإنتاج إعلامي وغيرها.

تخالف الدستور والقانون

والغريب، وفقا للخبير الاقتصادي ممدوح الولي، أن كل تلك الإجراءات تتعارض تماما مع نصوص قوانين الاستثمار المتتالية، التي بدأت منذ عام 1971 وتلتها قوانين أعوام 1974 و1977 و1989، التي كانت تتضمن بابا لضمانات الاستثمار وحوافزه؛ لتأكيد طرد الصورة الذهنية الناجمة عن قرارات التأميم، التي تمت بأوائل الستينيات من القرن الماضي.

ثم كان قانون الاستثمار بعام 1997 الذى استمر العمل به- وما جرى عليه من تعديلات- حتى نهاية مايو من العام الحالي، والذي تنص المادة التاسعة منه على أنه "لا يجوز الحجز على أموال الشركات أو الاستيلاء أو التحفظ عليها أو تجميدها أو مصادرتها".

بينما كانت عمليات التحفظ على الأموال تتم على جميع الأموال، وجميع الحسابات والأرصدة البنكية بالعملة المحلية والعملات الأجنبية، وعلى الودائع وجميع أنواع الأسهم والأوراق المالية والسندات المالية والأطيان الزراعية، والمنقولات.

والغريب أيضا أن تلك الإجراءات التعسفية تتعارض مع الدستور الذي جاء به العسكر عام 2014، والذي ينص في المادة 28 على التزام الدولة بتوفير المناخ الجاذب للاستثمار، وفي المادة 33 على حماية الدولة للملكية بأنواعها الثلاثة العامة والخاصة والتعاونية.

ترهيب للاستثمار

ويعتبر النائب في برلمان الثورة، صابر أبو الفتوح، قرارات المصادرة دليلا على الرغبة في تدمير مقدرات الاقتصاد المصري.

ورأى أبوالفتوح أن هذه القرارات تحمل رسائل سلبية للمستثمرين العرب والأجانب، مفادها أن مصر ليس فيها قانون، وأن أموالهم غير محصنة كونها تحت سطوة قرارات لجنة إدارية.

وفي ظل هذه القرارات، توقع أبوالفتوح هروب مزيد من الأموال المصرية إلى الخارج، وإحجام الاستثمارات الأجنبية عن القدوم إلى مصر، وهو ما سيكرس- برأيه- مناخا سلبيا سيفاقم البطالة والفقر بالبلاد.

إهدار أحكام القضاء

ووفقا للخبير القانوني محمد حسن، في تصريحات إعلامية، فإن التعامل مع الأموال بصفة عامة، وأموال الاستثمار بصفة خاصة، لا يتم إلا عبر أحكام قضائية، معتبرا تصرف اللجنة الإدارية التي شكلتها الحكومة بعد انقلاب الثالث من يوليو، تحت مسمى "لجنة حصر وإدارة أموال الإخوان"، مخالفا للدستور الذي نص على حرمة الأموال الخاصة.

وقال حسن: إنه رغم صدور أحكام من قضاء مجلس الدولة تلغي قرارات اللجنة الإدارية بالتحفظ على أموال أفراد وجمعيات خيرية، فإن هذه اللجنة لا تزال مستمرة في اتخاذ قراراتها المخالفة لأحكام المجلس.

وكان مجلس الدولة قد نفى الصفة القضائية عن لجنة نهب أموال الإخوان، المشكلة بقرار من حكومة الانقلاب، وذكر تقرير المفوضين أنه "لا يجوز فرض أي تحفظ أو حراسة على الأموال أو المنع من التصرف فيها، خارج إطار المادة 208 مكرر "أ" من قانون الإجراءات الجنائية، والمادة 7 من قانون الكيانات الإرهابية، والمادة 47 من قانون مكافحة الإرهاب، وأن أي قرار يصدر بالتحفظ خارج إطار هذه المواد يعد لغوا لا أثر له، دون أن يكون له أثر على الماضي أو المستقبل". كما انتقد التقرير تنفيذ عمليات المصادرة بناء على التحريات الأمنية فقط، دون أدلة تعزز هذه التحريات.

Facebook Comments