عندما تم الإعلان عن مشروع قناة السويس والذي تم تسميته رسميا بقناة السويس الجديدة، أعلن مسئول بالمنظمة البحرية الدولية أنهم لم يطلبوا مثل هذا المشروع، كما أن معدلات التجارة الدولية كانت متراجعة وقتها، لكنه تم الإصرار على تنفيذ المشروع خلال عام، مما زاد من الطلب على استئجار شركات الكراكات البحرية الدولية فزادت التكلفة.

الأمر الذي دفع محافظ البنك المركزى للتصريح بأن المشروع كان من أسباب مشكلة نقص الدولار، فتم إبعاده عن منصبه قبل موعدة القانوني بعام كامل، ولما لم تحقق التفريعة الجديدة زيادة بالإيرادات بعد إنتهائها، تم التصريح بأن الهدف منها كان بث رسالة أمل.

وفي مشروعات حكومية عديدة لم يتم أخذ رأي الجهات المختصصة مثل العاصمة الإدارية الجديدة وغيرها، فلم تشارك جهات مثل جمعية المهندسين بما بها من صفوة علماء الهندسة بفروعها المختلفة، أو معهد التخطيط القومي بمراكزه العلمية المتخصصة في مناقشة ما يطلق عليه المشروعات القومية.

ورغم عدم تحقق وعود المسئولين بإضافة قناة السويس الجديدة مائة مليار سنويا، فقد تغاضى المواطن العادي عن ذلك على إعتبار أنه لم يصبه ضرر مباشر بسببها، بينما لحق به الضرر نتيجة إرتفاع سعر الصرف وزيادة تكلفة السلع المستوردة التي تشكل جانبا كبيرا من الإستهلاك المحلي، كما تم توجيه إنفاق حكومي إستثماري إلى المشروع على حساب أولويات أخرى مثل الصحة والتعليم والسكه الحديد وغيرها.

حظر البناء وتضرر عمالة المقاولات
لكن في الآونة الأخيرة أصبحت القرارات الحكومية تسبب الضرر بشكل مباشر، ومن ذلك قرار حظر تراخيص البناء بالمحافظات لمدة ستة أشهر، شاملا وقف التراخيص بإقامة أعمال البناء أو توسعتها أو تعليتها أو تدعيمها، مع إيقاف استكمال أعمال البناء للمباني تنفيذها لحين التأكد من توافر الاشتراطات البنائية.

ولأن قطاع التشييد يحرك مبيعات أكثر من ستين مُدخلا بداية من مواد البناء والأدوات الصحية والأدوات الكهربائية والبويات وغيرها، فقد أثر القرار على تلك مبيعات الأنشطة وعلى العمالة بها، كما أن توقيت صدور القرار في ظل تداعيات جائحة كورونا وتراجع المبيعات وفرص العمل أصلا زاد المشكلة تعقيدا.

خاصة بالنسبة للعمالة غير المنتظمة التي ليس لها نظام تأميني يحميها في فترات التوقف، ورغم إعلان الجمعية المصرية لصناعة الحديد والصلب عن إنخفاض إنتاجية شركات الحديد لتصل الى 25% من طاقتها بسبب القرار.

وهو ما تكرر بصناعة الأسمنت والأدوات الصحية والسيراميك وغيرها، ومحاولات الإتحاد المصري للتشييد الذي يضم صفوة شركات المقاولات إسناء الحكومة عن القرار، أو تخفيض مدته أو وضع شروط يتم تطبيق القرار فقط على من يخالفها إلا أنه لم يستمع لهم أحد، وأخذ القرار مساره التنفيذي.
ومنذ أربع سنوات يطالب المصدرون الحكومة بسداد ما عليها من مستحقات متأخرة، خاصة بالمساندة التى تقدمها الحكومة تحفيزا لهم على زيادة الصادرات، ولا يجدون من الحكومة سوى الوعود المتكررة، حتى لجأت الحكومة منذ تموز/يوليو 2019 لنظام جديد لصرف المساندة التصديرية، بحيث تتضمن ثلاث شرائح 40% فى صورة نقدية، و30% من التسويات الضريبية على الشركات و30% للبنية الأساسية وتحمل جزء من المشاركة بالمعارض الدولية.

تأخر صرف المساندة التصديرية
ورغم ذلك لم تلتزم الحكومة سوى بسداد حوالي ملياري جنيه من إجمالى حوالى 20 مليار جنيه، ومع إزدياد الاحتياج للسيولة فى ظل تداعيات كورونا، فقد طالبوا بجمع نسبة الثلاثين بالمائة الخاصة بالضرائب مع نسبة الأربعين بالمائة النقدية، لتعزيز السيولة لديهم، لكن هذا المطلب لم تتم الاستجابة له رغم تراجع قيمة الصادرات المصرية بنسبة 18% بشهر مارس آذار الماضى بالمقارنة بنفس الشهر من العام الماضى، كما إرتفعت نسبة تراجع الصادرات الى 32% فى إبريل ثم الى 41% في مايو، ومن الطبيعى أن يؤثر ذلك على العمالة بتلك الشركات إما بتخفيضها أو بتأجل سداد جانب من مستحقاتها.

ومن القرارات التي لم يتم التشاور مع أصحابها كان قرار تحويل السيارات من العمل بالوقود العادي سواء بنزين أو سولار إلى الغاز الطبيعي، على اعتبار أنه أرخص في التكلفة على أصحاب السيارات، وأقل تلويثا للبيئة، وأربك القرار سوق السيارات حيث لم يحدد بعد الشريحة التي يتم البدء بها خاصة أن عملية التحويل تحتاج لسنوات وان كانت تصريحات غير رسمية قد أشارت الى أن البدء سيكون بأصحاب سيارات الأجرة لكن الأمر يحتاج إلى توفير محطات تموين السيارات بالغاز الطبيعي، فالعدد الإجمالى لتلك المحطات أقل من عدد المدن المصرية مما سيصنع زحاما أمام المحطات.

وبسبب المناخ الخانق للحريات تساءل البعض همسا إن العالم يتجه الى التحول للسيارات الكهربائية وليس الى إستخدام الغاز الطبيعى، وذكروا إن تصميم بعض أنواع السيارات لا تصلح للعمل بالغاز الطبيعى، كما أن هناك صعوبة فى تدبير المبالغ المطلوبة للمشروع.

مصر لم تكتف بعد ذاتيا بالغاز
الأمر الأهم أنه من تبريرات الحكومة للقرار أنها تستورد كميات من البنزين والسولار، بينما لديها فائض من الغاز الطبيعى بما يخفف العبأ على العملات الأجنبية، وبالرجوع الى بيانات أوبك نجد أن الإنتاج المصري من الغاز الطبيعي بالعام الماضى بلغ 68.9 مليار متر مكعب سنوي، إستهلك الطلب المحلى منه 62.2 مليار متر مكعب وبقى حوالى 6.7 مليار متر مكعب تم تصديرها.

لكن المغالطة التى يمارسها المسئولون أن مصر تملك فقط حوالي نصف الإنتاج المنتج بها أي حوالى 34.4 مليار متر مكعب، والباقي ملك الشركات الأجنبية، ولهذا تقوم مصر بشراء نصيب الشركات الأجنبية بشكل معتاد، أي نسبة نصيب مصر يمثل نسبة 55% من إجمالي الإستهلاك المحلى.

وتسطيع مصر القول حقيقة أنها حقتت الاكتفاء الذاتى عندما تماثل حصتها من الإنتاج حجم استهلاكها المحلى، وهو ما يعنى الحاجة لبلوغ الإنتاج الى 124.5 ميار متر مكعب، وهو رقم من الصعب تحقيقه خلال السنوات القليلة المقبلة.

ومن تلك القرارات الحكومية التى لم تجد قبولا بين المواطنين تحديد رسوم جدية التصالح فى مخالفات البناء كشرط للنظر فى طلبات التصالح، وهى مبالغ مختلفة حسب نوع المخالفة، وتختلف قيمتها بالمدن عن القرى، وتسرى من منتصف يوليو الماضي، ومبرر سكان المباني التي بها مخالفات أن ملاك المباني هم الذين تسببوا في تلك المخالفات ويجب تحميلهم بها، وليس شاغري العقارات الذين لم يتسببوا فى تلك المخالفات.

وهكذا فإن انقطاع الحوار بين الحكومة والمجتمع لم يعد متعلقا بنواحي الحريات أو الأمور السياسية، ولكنه أصبح يتعلق بأمور تخص معيشة المواطنين مما يتطلب إصغاء بدرجة أكبر لأنات هؤلاء.
—-
نقلاً عن "عربي21"

Facebook Comments