فتحت وفاة شاب خلال أدائه الخدمة العسكرية بسبب ضربه وتعذيبه داخل مركز تدريب تابع لوزارة داخلية الانقلاب ملف التجنيد والممارسات غير الأخلاقية وانتهاكات حقوق الإنسان للشباب الحريصين على أداء الخدمة العسكرية.

كان الشاب "أحمد سمير" قد تعرض للتعذيب منذ دخوله مركز التدريب وطيلة 8 أيام دون السماح له بالخروج لمقابلة أهله. وقالت والدته عبر "فيسبوك": إن ابنها (23 عاما) حاصل على بكالويوس فنون تطبيقية بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف، وإنه مجند بوزارة داخلية الانقلاب، مؤكدة أن ضربه بوحشية أدى إلى نزيف من الفم والأنف، وبدلا من علاجه أو السماح له بالخروج لأسرته تم منعه من المياه.

وأضافت أن ذلك أدى إلى مضاعفات في حالة ابنها، شملت إصابته بفشل كلوي، وارتفاع نسبة السكر في الدم، وتهتك العضلات، وإنه تم تسليمه إلى أهله محمولا وغائبا عن الوعي، وتوفي بعد ذلك من أثر التعذيب.

يشار إلى أن المجندين في الجيش وداخلية الانقلاب يواجهون الكثير من المآسي والكوارث، ومنها: تسخيرهم للعمل في: خدمات خاصة “شركات عسكرية”، أعمال البناء والترميم، خدمة الضباط “السيكا”، التعذيب والتنكيل، السخرية من جانب الضباط.

التجنيد الإجباري

كانت قناة "الجزيرة" عرضت في العام 2016، فيلما وثائقيا يسلط الضوء على حياة المجندين في الجيش وما يتعرضون له من إهانات خلال فترة خدمتهم.

الفيلم حمل اسم "العساكر.. حكايات التجنيد الإجباري في مصر"، وعرض مشاهد تمثيلية وأخرى مسربة من داخل الثكنات والمنشآت العسكرية للجيش، وظهر فيه عدد من الجنود والضباط وهم يروون شهاداتهم عن أيام صعبة مروا بها خلال وجودهم في الجيش.

يبدأ الفيلم بمشهد تمثيلي لجندي يزحف على التراب أمام مجموعة من رفاقه، وآخر يسحبه أصدقاؤه من قدميه المربوطتين بالحبال عقابًا له.

وكشف المجندون الذين أُخفيت وجوههم وأسماؤهم، وتبدلت أصواتهم، عن المراحل التي يقضيها العسكري داخل الجيش بدءاً من الفترة التدريبية الأولى وحتى التسريح، وقال أحدهم إن العقبة الأساسية أمام الشاب بعد التخرج هي التجنيد الإجباري.

وقال المجندون الذين ظهروا في الفيلم: إنهم توقعوا أن يتعلموا خلال فترة الخدمة مهارات قتالية، لكن فترة وجودهم في الجيش اقتصرت في معظم الأحيان على تنفيذ ما يطلبه الضباط من أوامر شخصية.

حيوانات القائد

يقول مجند سابق بإحدى الكتائب العسكرية بمدينة أبورديس بجنوب سيناء، ويُدعى جاد منصور: في اليوم الأول من وصولي الوحدة الأساسية بعد قضاء 40 يومًا في مركز التدريب، سأل قائد الكتيبة، وكان برتبة مقدِّم أركان حرب، عن شخص يجيد التعامل مع الحيوانات.

كان السؤال غريبًا بالنسبة لمُستجد، لكن لكونه من محافظات الصعيد- حيث الاهتمام بالزراعة وتربية الماشية- اختاره قائد الكتيبة بعد رفع إصبعه ليكون مسئولًا عن مزرعة الكتيبة، أو بالأحرى "مزرعة القائد"، التي تشمل عددًا من الماشية والأشجار المثمرة، وهو الأمر الشائع بالنسبة للمزارع التي يمتلكها قادة الكتائب التابعة للواء.

ورغم امتعاضه مع مرور الوقت من دوره الذي يؤديه، فضَّل جاد قضاء فترة خدمته الإجبارية في هذا المكان، ويقول: "لما بسمع اللي بيحكيه زمايلي أو اللي كنت بشوفه بعيني من تكدير وإهانة وضرب وطوابير ونظافة كنت أحمد ربنا إني بعيد عنهم".

ويضيف جاد أن ما يفعله لم يكن أبدًا مشابهًا لما رسمه في مخيلته عن عمل الجيش والمعارك التي يخوضها، والعمليات العسكرية التي يُروج لها على شاشات التلفزيون، لكن في النهاية قضيت فترة التجنيد الإجباري في خدمة حيوانات القائد بدلا من خدمة الوطن.

سبوبة الكانتين

وقال مجند آخر يُدعى محمد إسماعيل، بكالوريوس تجارة، ويقضي مدة خدمته العسكرية في الغردقة، إنه اضطرَّ أن يكون مسئولا عن "كانتين" الكتيبة خلال فترة غياب زميله، لكنه فوجئ بأوامر تُلزمه بالاستمرار في مسئوليته عندما حقق خلال فترة قصيرة صافي ربح عجز زميله عن تحقيقه.

وأضاف: رغم أنني كنت مسئولًا عن محطة رصد الطائرات داخل الكتيبة، لكن القائد اختار جنديا “مؤهل متوسط” عشان يكون مسئول عن محطة الرصد، وشاف أنه من الأفضل بالنسبة له أن أكون مسئولًا عن الكانيتن، واتضح لي ساعتها أن كل اللي يهمه هو الفلوس من خلال سبوبة الكانتين.

وتابع قائلاً: في أول يوم في الكتيبة القائد بيسأل مين معاه حرفة زي السباكة أو النجارة أو الزراعة والقيادة والحلاقة، واللي بيقع عليهم الاختيار بعدها يبعتهم القائد أو ممكن يجامل بيهم قائد تاني أعلى منه لو احتاج حد منهم يخلصله شغلانة في كتيبته أو حتى في بيته، ودا خلى عساكر كتير ميقولوش إن معاهم صنعة، لأن كل ما تكون مجتهد تزيد مسئولياتك في الجيش.

تنظيف الحمامات

ويروي “عمرو. س” أنه في كتيبة واحدة كان في أكثر من حالة مَرَضية يُفترض أنها تحصل على إعفاء من أداء الخدمة العسكرية، لكن بدلاً من ذلك، يدخل هؤلاء الجيش، ويقول لهم القادة: قدموا تظلمًا بعد ما تترحلوا على وحدتكم الأساسية.

ويذكر عمرو أن الكتيبة التي كان بها بمنطقة فايد بمحافظة الإسماعيلية كان بها أكثر من حالة مَرَضية تستدعي الإعفاء من دخول الجيش، منها من كان عنده انزلاق غضروفي، وآخر كان يعاني من السمنة المفرطة وصعوبة الحركة، وثالث يعاني من صعوبة في السمع.

وأضاف: “كان عندي حَوَل في العين، ومشيت في الإجراءات لمدة 6 شهور لحد ما أخدت شهادة بعدم اللياقة الطبية، رغم إن فترة التجنيد بتاعتي كانت سنة واحدة، وخلال الفترة دي، كان القائد يقول إن كل واحد في الجيش له مهمة، ولأن حالتي لا تسمح أن أقف خدمة ليلية، كانت مهمتي تنظيف الحمامات، وفي أوقات قلة العساكر، بيجبروني أقف خدمة.

صفا وانتباه

يقول محمد شعبان، ضابط احتياطي سابق بالجيش، قضى 3 سنوات في منطقة شلاتين: إن السبب وراء عمل المجندين في أشياء ليس لها علاقة بالأعمال العسكرية أن القيادات العسكرية يرون أن البلد ليست في حالة حرب، وهو ما يبرر عدم تدريب المجندين على أسلحة متطورة.

ويتحدث عن مدة 6 أشهر قضاها خلال فترة التأهيل العسكري داخل كلية الضباط الاحتياط، ويقول إنه طوال هذه المدة لم يُدربوا إلا على العرض العسكري – صفا وانتباه وسلام سلاح وكتفا سلاح – الذي قدموه في حفلة تخرجهم، وذلك حتى تخرج الحفلة بالشكل الجمالي الذي يُبهر جنرالات الجيش، في حين أن هذه العروض لا تُعدُّ دليلاً على التفوق العسكري للجيش.

وأضاف عبد القوي سلامة، مجند سابق قضى عامين في شمال سيناء: كل ما فعلته في فترة التدريب العسكري هو الرماية في وضع الرقود، لكن لم نتدرب على الرماية في وضع الوقوف أو الحركة كما يحدث في المعارك على أرض الواقع، وبدلاً من ذلك دربونا على الخطوة العسكرية كل يوم، تمهيدًا للعرض العسكري الذي حضره قائد سلاح المشاة بمركز تدريب "المشاة 1" بمنطقة دهشور.

اتعب العسكري

ويذكر السيد عاطف، مجند سابق قضى سنة واحدة داخل الجيش، أنه خلال حديثه مع صف ضابط في الكتيبة أخبره الأخير أنهم يسيرون وفق مبدأ "ريح العسكري يتعبك واتعب العسكري يريحك"، لذلك كان صف الضباط ومعهم الضباط يبدعون في اختراع الأعمال الشاقة التي تُنهك المجندين وتبدد قواهم البدنية؛ لدرجة لا يستطيعون معها مقاومة التعب خلال فترة الحراسة الليلية.

ويقول إنه أُرسل في أواخر فترة خدمته العسكرية للمشاركة في "العملية الشاملة سيناء 2018" التي أطلقها عبد الفتاح السيسي، وكان تسليحه "آر بي جي" رغم أنه لم يُدرَّب على استخدامه.

ويضيف: "حتى الأسلحة اللي كانت مع زملائي كانت سيئة وقديمة ومختلفة عن اللي بنشوفها في التلفزيون".

واعتبر عاطف أن معظم الأعمال التي يقومون بها تحمل إهانة وإساءة لآدمية المجندين، خاصة الحاصلين منهم على شهادات عليا، ومنها تسوية أرضية الملعب وجمع القمامة حول مبيت الضباط والقادة وري الأشجار أو الوقوف في وضع الثبات لفترة طويلة؛ بدعوى تدريبهم على قوة التحمل وغير ذلك الكثير.

Facebook Comments