تأبى الحقائق أن تقبل كلمات الفاسد الأكبر عبد الفتاح السيسي، حول جريمةٍ ساعد هو نفسه فيها وغذّاها لتهدد الشعب المصري، مستهدفًا من ورائها مصلحة شخصية لنفسه بالاعتراف الإفريقي بشرعيته بعد تعليق عضوية مصر في الاتحاد الإفريقي، عقب انقلابه العسكري على إرادة المصريين والرئيس الشرعي محمد مرسي.

حيث قدّم السيسي لإثيوبيا خدمة العمر، بتوقيعه على اتفاق المبادئ مع إثيوبيا والسودان حول سد النهضة، وهو الاتفاق الذي حذّر من توقيعه كل المصريين، ورفضه الرئيس العامل لخدمة وطنه وليس خدمة مصالحه الشخصية، الرئيس محمد مرسي، وهدد في اجتماع سربته المخابرات بالتهديد باستخدام القوة العسكرية لوقف بناء السد.

توقيع اتفاق المبادئ وعطش مصر

بينما السيسي الخائن تعامل كلصّ يريد إسباغ أي شرعية على أفعاله وسرقته لحكم مصر، حتى لو مثّل الاتفاق كارثة على الشعب المصري، فوقّع اتفاق المبادئ مع إثيوبيا.

ذلك الاتفاق الذي أسقط لأول مرة في التاريخ حق مصر التاريخي في مياه النيل كحصة ثابتة، كانت تتفاوض مصر على زيادتها مع زيادة عدد السكان، فاذا بمصر تفقدها بجرة قلم السيسي.

كما منح الاتفاق الكارثي كل دول حوض النيل حق إقامة السدود على النهر بلا رجوع لمصر، مع إضافة جملة تحسينية “مراعاة دول المصب”، وهي عبارة غير ملزمة ولا تمنح مصر حقًا قانونيًّا.

الاتفاق الكارثي الذي وقّعه السيسي أيضًا، مكّن إثيوبيا من الحصول على مساعدات وقروض دولية ومساعدات من كافة مؤسسات ودول العالم، التي كانت ترى السد محل نزاع مع مصر، وكانت تطالب إثيوبيا بحل أزمتها مع مصر قبل الحصول على مساعدات دولية، بحسب اشتراطات البنك الدولي، فإذا بالسيسي يقدم لإثيوبيا أكبر خدمة في تاريخها، بمنحها صك الاعتراف بالسد، بلا مبرر سوى شرعنة الانقلاب العسكري.

ولم يكتف السيسي بذلك عبر سنوات بناء السد، فلم يتقدم بأي شكوى نزاع دولية، حتى بعد أن خالفت إثيوبيا اتفاق المبادئ، وخالفت الرأي الاستشاري لشركتي الاستشارات الإيطالية حول السد، رغم دعوات وطنية كثيرة ومذكرات قدمها السفير الراحل والمناضل الوطني إبراهيم يسري، لإيقاف الدعم الدولي لإثيوبيا، بعرض قضية تحكيم دولي كانت كفيلة بحماية حق المصريين في مياه النيل، إلا أن السيسي أبى، واستمر في غبائه من أجل تمكين شرعية المنقلب على حساب المصريين.

ثورة يناير

وعلى الرغم من أن ثورة يناير لم تحكم ولم تُمكَّن من إدارة شئون مصر، وظل العسكر جاثمين على حكم مصر بأساليبهم القذرة، إلا أن ثورة يناير التي أعادت للمصريين حريتهم واعتزازهم بمصريتهم، لم تسهم للحظة في أي فعل سلبي تجاه مصر، وإنما كان العسكر المتحكمين في البلاد.

وكان بإمكان نظام الحكم الثوري الذي مثله الرئيس محمد مرسي التفاعل بجدية والتزام وطني بلا ضغوط إفريقية، واستغلال مكانة مصر الإفريقية في حلحلة القضية لولا الانقلاب العسكري.

ورغم ذلك يتشدّق المنقلب بأنه لولا ثورة يناير التي يسميها السيسي مؤامرة، لما بُني سدود على النيل، مخاطبًا مجموعة المطبلين العاملين ضد إرادة الشعب والمغيبين الذين لا يعلمون حقائق الأمور.

“الصهاينة” أصدقاء السيسي واللعب في الخلفية

ورغم كل تلك الحقائق، يبقى السيسي البعيد كل البعد عن السياسة والذي يتعامل بعقلية المقاول، مقدمًا لأصدقائه الصهاينة كل الخدمات التي لم يكونوا يحلمون بها، فأخلى لهم سيناء، وقدم لهم أراضي مصر لإقامة صفقة القرن وتصفية قضية المسلمين الأولى فلسطين، وقام بدوره القذر كعراب للتطبيع مع دول الخليج، حتى اعتبره عتاة المتشددين الصهاينة بأنه أكبر كنز ومنحة من السماء للكيان الصهيوني.

ورغم ذلك كله يلعب الصهاينة في خلفية السيسي ويقدمون خدمات الحماية الصاروخية للسد، الذي يهدد بحرمان مصر من نصف حصتها المائية.

حيث قدّمت إسرائيل منظومة دفاعية متطورة لإثيوبيا لنشرها حول السد، لحماية المشروع من أية أضرار خارجية، وبالطبع المقصود بها مصر.

صفعة إفريقية للسيسي

كما تلقّى السيسي صفعةً إفريقية في ملف سدّ النهضة الإثيوبي، بعد رفض دول تمثّل ثِقلاً في الاتحاد الإفريقي، تبنّي المخاوف المصرية بشأن السدّ، وانحيازها إلى الموقف الإثيوبي.

وبحسب مصادر دبلوماسية مصرية رفيعة المستوى، فإن القاهرة خاطبت عددا من القوى والدول الإفريقية صاحبة النفوذ في الاتحاد الإفريقي، الذي تترأسه مصر في الوقت الراهن، بشأن طلب دعم مخاوفها وملاحظاتها حول سدّ النهضة، ومحاولة انتزاع موقف رسمي من الاتحاد، الذي تستضيف أديس أبابا مقره، لدفع إثيوبيا إلى التجاوب مع المفاوضات التي بدأت منذ نحو ستة أعوام.

وأوضحت المصادر أن مشاورات مصرية على المستوى الرئاسي جرت على هامش اجتماع قمة السبع الكبار التي استضافتها فرنسا أخيرا، سعى خلالها السيسي إلى استمالة مواقف بعض الرؤساء الأفارقة، في محاولة لتشكيل ضغط على أديس أبابا عبر الاتحاد الإفريقي، وهي محاولات باءت بالفشل، خصوصا بعدما تلقت مصر أيضا مخاطبات رسمية من دول إفريقية أخرى حملت مواقف سلبية بشأن الملف ذاته.

وبحسب المصدر، فإن القاهرة لجأت إلى طلب الدعم الرسمي أخيرا من الجامعة العربية بعد فشل التحركات على المستوى الإفريقي، لدفع أديس أبابا للتجاوب مع المطالب المصرية بشأن مفاوضات السد.

فيما أديس أبابا تتمسك برفضها التام للتصورات المصرية بشأن تشغيل وعدد سنوات ملء خزان السد، وابلغ  رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باستحالة التعاطي مع المقترح المصري الذي يحدد ما لا يقل عن سبع سنوات كفترةٍ محددة لملء خزان السد وربط ذلك بحجم الفيضان كل عام.

وأشار المصدر إلى أن حديث رئيس الوزراء الإثيوبي لنظيره الإسرائيلي جاء بعد تجديد مصر مطلبها من نتنياهو الوساطة، ومحاولة إقناع إثيوبيا بالمرونة وفتح آفاق أوسع لعملية المفاوضات، استناداً إلى النفوذ والعلاقات الإسرائيلية القوية لدى إثيوبيا والتعاون المشترك بينهما في مجالات الطاقة والمياه والزراعة.

فيما يقول دبلوماسي غربي لوسائل إعلام عربية، اليوم، إن الموقف المصري على مستوى التفاوض يعد ضعيفا، خصوصا “بعد توقيع السيسي على اتفاق المبادئ عام 2015 في السودان، الذي أكسب إثيوبيا قوة دفع هائلة مكّنتها من امتلاك زمام الأزمة”.

وقال الدبلوماسي: إن “ذلك الاتفاق كان مكسبا كبيرا لإثيوبيا، في حين كان حسن نيّة مبالغا من القيادة المصرية، إذ سمح المفاوض المصري للجانب الإثيوبي بحلول وضمانات كافية لإكمال بناء السد من دون السماح باللجوء لأي تحكيم دولي في حال الاختلاف، وحدد الاتفاق آليات يمكن اللجوء إليها وحصرها في الذهاب إلى مفاوضات بين الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا”.

وفي التاسع من سبتمبر الحالي، أكد وزير الري محمد عبد العاطي، أن “عدم وصول مصر لاتفاق مع إثيوبيا حول سدّ النهضة، سيؤثر سلباً على الأمن الغذائي المصري”، مشيرا إلى أن السد قد يخفض حصة مصر من المياه بنسبة 2 في المائة، ما يهدد ببوار 200 ألف فدان، وحدوث مشاكل لما يوازي مليون أسرة تقريبا.

Facebook Comments