على هامش حضوره لاحتفال الأقباط المصريين بعيد الميلاد قال عبد الفتاح السيسي لوسائل الإعلام إنه “لا أحد يستطيع أن يجرجرنا هنا أو هنا” وهو كلام يفهم منه أنه لا ينوي دخول حرب في ليبيا ضد تركيا، لكن الغريب أنه شخصيا وعبر أذرعه الإعلامية والمخابراتية “جرجر” الشعب المصري كله خلف وهم الحرب، ونشر حالة فزع عام من حرب وشيكة تدق طبولها بشدة في وسائل الإعلام وجروبات التواصل الاجتماعي، وقد حاول هو أن يخفف من هذا القلق في المناسبة ذاتها بقوله “أنا شايفكم قلقانين ، مفيش داعي للقلق” والطريف أن السيسي تحدث أيضا عن الشرف قائلا “نحن نتعامل بشرف في زمن ليس فيه شرف وربنا سينصر الأشراف” فأي شرف يقصده السيسي؟ وهل من الشرف أن يوهم الشعب بحرب وشيكة، ويحشد المجتمع عنوة خلفه، ويفرض عليه القلق والتوتر، بينما هو لا ينوي دخول الحرب أصلا ويعتبرها “جرجرة” لن يقع فيها؟

لا حرب
لا أتوقع ولا أتمنى وقوع حرب في ليبيا بين الجيشين المصري والتركي فكلاهما جيشان مسلمان، وبعيدا عن اللحظة الراهنة وما تتضمنه من توتر بين قيادتي الدولتين فإن علاقات الدولتين ضاربة في عمق التاريخ والجغرافيا، وعلى المستوى الشعبي هناك تقارب كبير بين الشعبين المصري والتركي نلمسه نحن الذين نقيم بين الاتراك فهم يخصون المصريين بمحبة خاصة، ويكفي أن ترد على من يسألك عن جنسيتك بأنك مصري حتى تنفرج أساريره، ويستدعي من ذاكرته كل الأوصاف الطيبة عن مصر والمصريين باعتبارهم شعب عريق، صاحب حضارة تمتد لآلاف السنين.

كلام السيسي عن رفضه لـ”الجرجرة” هنا أو هناك حسب تعبيره، يخالف حالة الحشد والتعبئة العامة التي فرضها على الشعب المصري دون مبرر حقيقي، فالسيسي يعلم أن الأتراك ذهبوا إلى تركيا بناء على طلب من الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، وهو يعلم أن دعمهم سيقتصر على حماية هذه الحكومة فقط ولن يتجاوزه إلى تشكيل خطر على الأمن القومي المصري عبر التوغل شرقا لتمكين حكومة الوفاق من بسط نفوذها على المناطق الملامسة للحدود المصرية، بينما أقحم هو الجيش المصري في دعم جنرال منشق لم يستطع تنفيذ وعوده منذ العام 2014 بدخول العاصمة طرابلس رغم المليارات التي أنفقت عليه من الإمارات ومصر وغيرهما.

والسيسي يعلم أن القوات التركية ليست وحدها في ليبيا بل هناك وجود عسكر ي إماراتي وروسي وسوداني أيضا، وهو يعلم أن المجتمع الدولي لن يسمح لتركيا بالتوغل شرقا إن أرادت، ويعلم أن كل ما يجري حاليا هو مجرد تحركات من هذا الطرف أو ذاك لتحسين الوضع التفاوضي على طاولة التسوية السياسية التي ستنتهي إليها الأوضاع عاجلا أم آجلا في ليبيا.

والسيسي يرى بأم عينه، والجميع يرون هذا الحراك الدولي المكثف للتسوية السياسية، سواء في اجتماع وزراء الخارجية الأوربيين الكبار في بروكسل يوم أمس أو اجتماع برلين المرتقب والذي يفترض أن يضم كل الأطراف المرتبطة بالازمة الليبية، أو اجتماع وزير الخارجية التركي مع المسئولين الجزائريين تمهيدا لقمة تركية جزائرية ليبية.

فنكوش جديد
إن الحديث في مصر عن حرب وشيكة، يتم الحشد لها عبر كل الوسائل الإعلامية التقليدية والحديثة هو مجرد “فنكوش”جديد، يريد السيسي من خلاله إلهاء الشعب في قضية وهمية لينسيه همومه ومعاناته، وليقطع الطريق على أي دعوة للتظاهر في ذكرى يناير، أو التظاهر عموما ضد تردي الأوضاع المعيشية، ويريد من خلاله كسب شعبية زائفة، وإظهار حالة اصطفاف وهمية خلفه يستغلها في فرض المزيد من القيود والأعباء على الشعب، وهو ديدن كل النظم القمعية التي تصطنع أزمات خارجية لتغطي بها فشلا داخليا، وفي هذه الحالة فإن توضيح الصورة للشعب عن حقيقة هذه الحرب الوهمية هو واجب وطني على كل غيور، وهو لا يعد خيانة للوطن أو للجيش، بل إنقاذ لكليهما من مغامرات لا تؤمن عواقبها، فالذي يلعب بالنار لا يحترق فقط بنارها، بل يحرق معه وطنا بأكمله.

يبتزنا البعض بجهل وحماقة مطالبا بنسيان أي خلافات سياسية في ظل هذا الوضع ( الوهمي) الذي فرضه النظام ليقتات منه على حساب الأمن القومي الحقيقي، ويطالب هؤلاء الحمقى من الجميع أن يقفوا خلف جيشهم في معركته المرتقبة، والحقيقة أن أي وطني حر لا يتأخر عن دعم جيشه حين يدافع عن الوطن وعن ترابه وغازه ومياهه وحدوده، وعن أمنه القومي عموما، ولطالما قدم المصريون قوت يومهم دعما للمجهود الحربي في معارك العزة والكرامة التي خاضتها مصر من قبل، ولكن كما يرفض السيسي ” الإنجرار هنا أو هناك” فنحن أيضا نرفض الانجرار لمعارك وهمية، ونعتبر أن واجبنا وواجب كل وطني غيور توضيح الصورة، والسعي لإطفاء هذه النيران المفتعلة التي يمكن أن تحرق الوطن فعلا، وواجب كل قائد سياسي يمتلك سلطة تنفيذية او شعبية أن يسعى للصلح بين الفرقاء الليبيين وليس تأجيج الحرب بينهم تنفيذا للأمر الإلهي” وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله”.

إن وجود الكثير من المصريين على الأرض التركية لا يعني البتة تنكرهم لوطنهم وأمنه القومي، ولا يعني دعمهم لأي مشروع سياسي أو عسكري ينال من الوطن وأمنه، بل إن خروجهم من مصر كان بسبب دفاعهم عن الوطن وسيادته وعن الشعب وإرادته، فهم الذين رفضوا تسليم تيران وصنافير للسعودية، وهم الذين رفضوا التنازل عن حقوق مصر في مياه النيل، وهم الذين رفضوا التنازل عن حقوق مصر في غاز المتوسط، وهم الذين رفضوا تكبيل مصر باتفاقيات وصفقات مشبوهة تنوء بأعبائها الأجيال.

الجائزة الكبرى
دعكم من المناوشات التي تجري في ليبيا بين قوات حفتر وقوات الحكومة الشرعية والتي تسفر عن سيطرة هذا الطرف أو ذاك على بعض المدن والبلدات أو المعسكرات، فالجائزة الكبرى التي سعى إليها حفتر منذ العام 2014 هي طرابلس ليعلن سيطرته التامة على ليبيا، لكن طرابلس ستظل عصية عليه ومن يقفون خلفه بمن فيهم السيسي، ولن تسمح توازنات القوى الدولية له بدخولها ولا أدل على ذلك من هذا التحرك الأخير لعقد قمة ثلاثية في الجزائر بين تركيا والحكومة الليبية، إذن فلتهدأ أعصاب المتوترين في مصر، وليعلموا أنها مجرد لعبة خادعة من السيسي لكسب تعاطفهم في معركة لا يعتزم الجنرال “الانجرار” إليها، ولا نحن أيضا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقلاً عن “الجزيرة مباشر”

Facebook Comments