قرار وزارة الصحة بحكومة الانقلاب بزيادة القدرة الاستيعابية لمستشفيات عزل مصابي كورونا  التي تبلغ حاليا نحو 340 مستشفى على مستوى الجمهورية، أدّى إلى إخلاء العديد من وحدات الغسيل الكلوي في المستشفيات الحكومية، إضافة إلى تخفيض جلسات العلاج، وهو بمثابة حكم إعدام على مئات الآلاف من المصابين بالفشل الكلوي بمصر؛ ويمثل جريمة مكتملة الأركان. ويكتسب القرار خطورته إذا علمنا أن مصر شهدت وفاة  نحو 20 ألفا و433 في سنة 2017 جراء الإصابة بالفشل الكلوي، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.

ومن العجيب حقا أن تركز الحكومة على علاج مواطن أشرف على الموت على حساب حياة مواطن آخر يعاني من مرض خطير؛ فبأي معيار يمكن فهم هذه القرارات العشوائية؟  ذلك أن حق المواطن في الصحة والعلاج نصت عليه جميع الدساتير المصرية وحتى دستور الانقلاب الصادر في 2014م، دون النظر إلى نوعية المرض الذي أصابه سواء كان معديا أم غير معد.

ووفقًا للجمعية المصرية للكلى، فإن 25% من ‏مرضى الفشل الكلوي في مصر يموتون سنويًا، في حين لا تتجاوز النسبة العالمية للوفاة بهذا المرض 10%‏، وتقدر عدد المصابين بالفشل الكلوي في مصر بمئات الآلاف، بينما قدرها النائب في برلمان العسكر حاتم عبد الحميد بنحو مليون مواطن خلال طلب إحاطة للوزيرة سنة 2018م بعد حادثة مستشفى ديرب نجم بالشرقية.

وبحسب الدكتور أحمد سعفان، أستاذ جراحة المسالك البولية بكلية الطب جامعة عين شمس ووكيل وزارة الصحة للقطاع العلاجي سابقا، فإن هناك 60 ألف مريض يقومون بالغسيل الكلوي على نفقة الدولة، و45 ألف مريض بهيئة التأمين الصحي، وأن عدد المرات التي يقوم بها المريض بالغسيل الكلوي 13 جلسة في الشهر بمعدل 3 جلسات بالأسبوع، وتكون مدة الجلسة ما بين 4:3 ساعات، مشيرًا إلى أن تكلفة الجلسة الحقيقية لا تقل عن 450 جنيها للجلسة الواحدة.

زحام على وحدات الغسيل

وتنقل صحيفة "العربي الجديد" عن مصدر مسئول في وزارة الصحة بحكومة الانقلاب، أن الوزيرة هالة زايد طالبت مديريات الصحة في المحافظات بتوفير المزيد من الأماكن في المستشفيات بهدف عزل مصابي كورونا، من دون أي مراعاة للأشخاص الذين يعانون من أمراض أخرى، مضيفا أن "الوزارة أخلت مباني كاملة في المستشفيات لاستخدامها في عزل مرضى كورونا، من بينها مستشفيات فيها وحدات للغسيل الكلوي، مع نقل مرضى القصور الكلوي إلى وحدات للغسيل في مستشفيات أخرى".

وبحسب هذا المسئول، فإن "بعض إدارات المستشفيات الحكومية نقلت الأسرّة في عدد من وحدات الغسيل الكلوي لاستخدامها في غرف العزل، نتيجة عدم وجود أسرّة كافية لاستقبال مرضى كورونا"، محذراً من نقص كبير في الأدوية في وحدات الغسيل الكلوي، مثل دواء "كلكسان"(Clexane) ، الأمر الذي يهدّد حياة مرضى القصور الكلوي بالموت في ظل غياب الرعاية الطبية.

ويؤكد المصدر أن عشرات مرضى القصور الكلوي لقوا حتفهم بالتزامن مع أزمة كورونا، في ظل تخفيض عدد جلسات الغسيل أسبوعيا من ثلاث مرات إلى مرتين، إضافة إلى ساعات الجلسة الواحدة من أربع ساعات إلى ثلاث ساعات وأحيانا ساعتين، لاستيعاب المرضى الآخرين. إضافة إلى ما سبق، تشهد وحدات الغسيل الكلوي نقصا في الطواقم الطبية، بعد نقل الأطباء والممرضين للعمل في مستشفيات العزل بناءً على قرار وزاري.

وكانت الجمعية المصرية لأمراض وزراعة الكلى قد أعربت عن أسفها لوجود عدد كبير من المرضى أمام وحدات الغسيل الكلوي في مختلف المحافظات، بعد استخدام عدد من الوحدات كأماكن لعزل مرضى كورونا، ما يشكل خطراً على حياتهم، لافتة إلى أن مرضى القصور الكلوي في مصر يُقدرون بمئات الآلاف، ومعظمهم في القرى ومناطق الأرياف.

وفي سبتمبر 2018، شهدت مستشفى ديرب نجم المركزي في محافظة الشرقية المصرية مأساة بعدما توفي العشرات من مرضى القصور الكلوي، فضلا عن إصابة آخرين بغيبوبة نتيجة تهالك أجهزة الغسيل. وتغيرت ألوان أجساد بعض المرضى إلى الأزرق بسبب نقص الدم بعد ثلاث دقائق فقط من بدء جلسات العلاج، نتيجة العطل الذي أصاب شبكة تشغيل الأجهزة، ما ترتب عنه سحب الدم من المرضى من دون أي تعويض.

وبحسب خبراء ومتخصصين، هناك أسباب أخرى لزيادة الوفيات بين المصابين بالفشل الكلوي لا تتعلق بزيادة عدد المرضى بقدر ما تتعلق بالمشاكل الفنية الناتجة عن أجهزة الغسيل المتهالكة، وأعطالها المتكررة، علاوة على نقص المواد المعقمة، والأدوية الأساسية لعلاج المرضى أثناء الغسيل". كما يزيد النقص الشديد في الطواقم الطبية وعدد الأسرة من مخاطر إصابة مرضى القصور الكلوي بفيروس كورونا بسبب ضعف مناعتهم، فهناك وحدات للغسيل في بعض مستشفيات الصعيد المجاورة للمراكز الخاصة لعزل مرضى كورونا، وبالتالي هناك خشية من احتمال وصول الوباء إلى مرضى الكلى وبالتالي لذويهم وأقاربهم.

وتعدّ نسبة أمراض الكلى كبيرة في مصر لأسباب عدة، منها تلوث مياه الشرب في الكثير من المحافظات. ولا تخلو قرية أو مدينة من مرضى بالكلى، بمعظمهم دون الخمسين من العمر، بحسب إحصائيات شبه رسمية. وتشير دراسة نشرتها دورية "ساينتيفيك ريبورتس" إلى ارتفاع معدلات الوفاة بين مرضى القصور الكلوي الحاد في وحدات الرعاية في عدد من المستشفيات المصرية، ويُقدر عدد المصابين بهذا المرض عالميا بـ13 مليون شخص سنويًّا، ويؤدي إلى وفاة نحو 1.7 مليون شخص كلّ عام.

Facebook Comments