في تأكيد على هيمنة نزعة الجباية؛ صادق زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي مساء الاثنين 19 أكتوبر 2020م على القانون رقم 206 لسنة 2020 بشأن "الإجراءات الضريبية الموحدة"، الذي أقره برلمانه في 24 أغسطس الماضي، ويهدف إلى فرض المزيد من الأعباء على المصريين، من خلال دمج الإجراءات الضريبية طالما كانت قابلة للتطبيق، أو على ما يُستحدث من ضرائب من طبيعة مماثلة، أو تتفق في جوهرها مع هذه الفرائض المالية أو تحل محلها.

وتأتي الإجراءات الضريبة الجديدة  في ظل ارتفاع معدلات الفقر في مصر خلال السنوات الماضية، التي تصل إلى 32,5% بحسب تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء سنة 2019م،  وهي التقديرات التي يشكك كثيرون في مصداقيتها خصوصا وأن تقديرات البنك الدولي تصل بنسبة الفقراء في مصر إلى نحو 60%،  وتسببت جائحة كورونا وتعليق النشاط الاقتصادي في سقوط نحو 12 مليون مصري آخرين تحت خط الفقر؛ وهو ما يعني أن نحو 75 مليون مصري باتوا فقراء.

هيمنة فلسفة الجباية

ويُعمل بأحكام القانون الجديد في شأن إجراءات ربط وتحصيل الضريبة على الدخل، والضريبة على القيمة المُضافة، ورسم تنمية الموارد المالية للدولة، وضريبة الدمغة، مع إلزام وزير المالية بإصدار اللائحة التنفيذية للقانون خلال 6 أشهر من تاريخ العمل به، واستمرار العمل باللوائح والقرارات المعمول بها حالياً، فيما لا يتعارض مع أحكامه، إلى حين إصدار اللائحة. ويستهدف القانون الاعتماد على وسائل الميكنة الحديثة بصورة كاملة في اتخاذ الإجراءات الضريبية، بعد انتهاء مرحلة التحول من الإجراءات الورقية إلى الإجراءات المميكنة، بهدف التقليل من النزاعات الضريبية، ومنع التهرب الضريبي بفرض 1% على قيمة الضريبة حال عدم تقديم الإقرار الضريبي، فضلاً عن توحيد الرقم الضريبي للممول في كافة المأموريات. كما يهدف إلى تبسيط الإجراءات أمام اللجان الداخلية، ولجان الطعن، وتحقيق السرعة الواجبة في نظر المنازعات الضريبية، من خلال تحديد ميعاد لكل إجراء، وترتيب أثر قانونى على تجاوز هذا الميعاد، وجواز سحب النزاع من أمام لجنة الطعن، وإعادته للمأمورية من أجل التصالح في الطعن، مع استثناء الدعاوى الضريبية من العرض على هيئة مفوضي الدولة، تجنباً للجوء إلى ساحة القضاء.  وأجاز القانون للممولين، أو المكلفين الراغبين في القيام بتعاملات لها آثار ضريبية، بتقديم طلب لمصلحة الضرائب لتحديد الموقف الضريبي لهذه المعاملات، منعاً لأي خلاف مستقبلي مع المصلحة، ووضع الموقف الضريبي الصحيح ضمن عناصر دراسة الجدوى لهذه المعاملات. وأجاز كذلك للنيابة العامة (لأسباب تقدرها) تكليف وزارة المالية لإخطار الجهات الحكومية، والبنوك المتعاملة مع المتهمين في جرائم التهرب الضريبي، لوقف التعامل معهم مؤقتاً لحين حفظ التحقيق، أو ثبوت البراءة، أو التصالح.

تقوم فلسفة السياسة الضريبية، في الأساس، على إقرار العدالة الاجتماعية، فلا ضريبة من دون ربح، ولا رسوم من دون  خدمات تعود بالنفع على دافعها؛ وبالتالي تقتطع الدولة جزءاً من أرباح الأثرياء وأصحاب المداخيل العالية لتعيد توزيع ما اقتطعته على الطبقات الفقيرة والمهمشة ومحدودي الدخل؛ وعلى هذا الأساس يتم توجيه جزء من حصيلة الضرائب إلى الخدمات العامة الموجهة لأفراد المجتمع، مثل التعليم والصحة، كما يتم توجيه جزء آخر من حصيلة الضرائب لتحسين أحوال الفقراء المعيشية في صورة "دعم" عيني أو مالي. كما يتم توجيه جزء من حصيلة الضرائب نحو الاستثمارات المباشرة التي تستهدف خلق تنمية تعتمد على الإنتاج. وعلى هذا الأساس، بنيت فلسفة الضرائب ضمن السياسات الاقتصادية. لكن الوضع في مصر مقلوب ويناقض هذه الفلسفة؛ حيث تلجأ الحكومة إلى الضرائب، بوصفها أداةً لحل فشلها في إدارة الملف الاقتصادي، فتفرض على المواطنين مقابل الخدمات، أو تعاملها مع أجهزة الدولة الرسمية ومصالحها المختلفة، رسوماً مبالغًا فيها. وتمثل الحالة المصرية تجسيدا واضحا لإقرار سياسة جبائية تتصف بانعدام العدالة وتكريس التمييز الطبقي لحساب الأغنياء على حساب الفقراء، وتصل أحيانا حد تكريس سياسة لصوصية حيث تتحول سياسة الضريبة ورسوم الخدمات من أداة لإقرار العدالة إلى سلاح لانتهاكها.

زيادة معدلات الفقر

ورغم  تزايد معدلات الفقر إلا أن فلسفة الجباية هيمنت على مشروع الموازنة العامة؛ ذلك أن مشروع الموازنة المقدر بنحو "2.3" تريليون جنيه،  إيرادته تقدر بنحو 1.3 تريليون جنيه تستهدف منها نحو 965 مليارا عبارة عن ضرائب بزيادة قدرها نحو 12.6%، وبذلك فإن الضرائب تمثل نحو 76% من جملة إيرادات الموازنة. ، وهو ما يفتح الباب أمام الحكومة للاستمرار في زيادة الضرائب والرسوم داخل المؤسسات الحكومية الخدمية.

ومع تغوّل عقلية دولة الجباية، توقف عقل صانع القرار في مصر عن الإبداع في ملف إدارة إيرادات الدولة المتنوعة، بل وبات صاحب القرار يختار أسهل حلين لا يحتاجان أي مجهود أو إبداع أو خبرة في إدارة شؤون الدول، الأول يسابق الزمن في فرض مزيد من الرسوم والضرائب والجمارك والتمغات، والثاني يبحث في كل صوب وحدب عن قروض خارجية وبأي تكلفة ولمدد تتجاوز 40 سنة، والنتيجة إغراق الاقتصاد والموازنة العامة في أزمات متعاقبة، وإغراق الأجيال المقبلة في جبال من الديون التي باتت تفوق قدرة الاقتصاد وموارده من النقد الأجنبي.

Facebook Comments