ارتدَت مصر بعد ثورة 25 يناير ثوبًا جديدًا تخلصت فيه من أردية الذل وامتهان الكرامة طوال 30 عامًا، لكنّ كثيرين ينسون أنَّ ثوبَ مصر الجديدة غزلت خيوطه الأولى مدينةُ المحلة الكبرى في 2008، عندما نسج العمال المهرة بدمائهم الذكية “سجادة حمراء” عَبَرَ المصريون عليها بعد ذلك إلى الثورة.

كان ميدان الشون بوسط المحلة مهد الثورة قبل أن يصعد ميدان التحرير إلى واجهة الغضب الشعبي، وكانت المحلة ملتهبة قبل أن تشتعل السويس، كانت قلعة صناعة الغزل والنسيج أول من مزق صورة مبارك وأسقطها قبل 3 سنوات كاملة من سقوطه هو ونظامه.

دولة العسكر

أما اليوم وبعد ست سنوات من انقلاب جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي، فالسكوت  هو الخيار الوحيد في دولة العسكر، أما إذا أراد العمال المطالبة بحقوقهم الشرعية من الحد الأدنى للأجور أو العلاوات أو صيانة مصنعهم فمصيرهم الاعتقال التعسفي فورًا، كما حدث مع عمال مصنع غزل ونسيج المنيا، عندما أصدروا استغاثة لتعديل أوضاعهم، ولما لم يجدوا استجابة قاموا بعمل اعتصام عمالي، فكان الرد من قوات الانقلاب العسكري هو اقتحام وفض الاعتصام واعتقال 4 عمال منه، دون أي تحرك من النقابة أو اتحاد العمال، ما أدَّى إلى ردود أفعال غاضبة من النشطاء والعمال.

هذا الأسبوع قالت المفوضية المصرية للحقوق والحريات، إن مليشيات الأمن التابعة لحكومة الانقلاب، ألقت القبض على نحو 170 شخصًا من عمال مصانع الاستثمار بمحافظة بورسعيد، بحسب تصريحات أهالي العمال.

كانت قوات الأمن قد اعتدت على اعتصام عمال مصانع الاستثمار في بورسعيد، حيث قامت بفض اعتصامهم الذي بدأ السبت الماضي، احتجاجا على قرار إدارة المنطقة العامة للاستثمار بتغيير مكان دخولهم للمصانع من البوابة الرئيسية المطلة على امتداد شارع محمد علي بنطاق حي العرب، وتحويلهم لبوابات خلفية جانبية وفرعية بحي الشرق.

وأكد أهالي العمال، بحسب ما نشرته المفوضية على صفحتها بفيسبوك، أن حوالي 70 فتاة و100 شاب، تم القبض عليهم، يوم الاثنين، على خلفية اعتصامهم، وتم اصطحابهم لمعسكر الأمن المركزي ببورسعيد.

وإذا كان إضراب 6 أبريل بالفعل الشرارة الأولى والحقيقية لثورة 25 يناير، فإن اعتقال 70 فتاة و100 شاب من بورسعيد يعيد الظروف التي دفعت الناس للخروج في ثورة على مبارك، والدافع واحد في الحالتين، ألا وهو المعاناة من الغلاء وتوحش الأسعار وتدني الأجور.

إضراب 6 أبريل 2008 ليس كما يعتقد كثيرون أول انتفاضة لعمال غزل المحلة بحثًا عن زيادة في الحد الأدنى للأجور أو بدل الغذاء، بل كان عمال المحلة مشاركين أساسيين في نضال الحركة العمالية منذ الربع الثاني من القرن العشرين وحتى ثورة يناير2011.

مقدمات ثورة

في سبعينيات القرن الماضي، نفذ عمال الشركة إضرابا تحت شعار “عايزين نشوف الشمس” طالب فيه عمال المحلة بتحديد ساعات العمل والوقوف ضد استغلال أصحاب المصانع الذين يستخدمون العمال في ورديات مضاعفة يأتون فيها فجرا ويرحلون بعد مغيب الشمس، في حياة لا تختلف عن حياة الأشباح دون مقابل مناسب.

في عام 2006، تظاهر العمال أيضًا من أجل زيادة رواتبهم التي لم تتخط الـ600 جنيه لمن خدم في الشركة 20 عاما، بالإضافة إلى بدلات لم تتعد وقتها مبلغ الـ89 جنيهًا، ثم حدث إضراب آخر أكثر شهرة في عام 2007 لرفع الحد الأساسي إلى 35% وتطبيق كادر خاص للعمال أسوة بالأطباء والمعلمين، وقد لفت هذا الإضراب النظر لتزامنه مع شهر رمضان الكريم.

كل ما سبق كان مجرد مقدمات للإضراب الكبير والأكثر شهرة على الإطلاق وهو إضراب 6 أبريل 2008، الذي استفز رجال النظام السابق، واستدعى استنفار قوات أمن محافظات الدلتا كلها لقمعه بشتى السبل الممكنة.

وأطلق العمال الشرارة الأولى في معظم الثورات على مر التاريخ، فقد كان العمال وقود الثورة الإنجليزية التي أرست دعائم الديمقراطية البريطانية، وكان العمال عماد الثورة البلشفية في روسيا قبل مائة عام من الآن، واستمرت ثورتهم 10 سنوات حتى حققت أهدافها وقضت على الحكم القيصيري، ولا يستطيع أحد أن ينكر دور العمال في الثورة الفرنسية، وقد كانت ثورة 25 يناير نتيجة طبيعية ومولودا شرعيا لثورة عمال المحلة الكبرى في أبريل من عام 2008، فهل تتجدد الثورة؟

Facebook Comments