ليست هناك مشكلة في أن يتبنى البعض فكرا سلفيا، سواء كان متسامحا أو حتى متشددا، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الفكر إلى القتل باسم الشرع.. هذا ما فعله تنظيم داعش، وقد انتفض العالم ضده، وهذا ما تفعله حاليا المليشيات المدخلية وخاصة في اليمن وليبيا. والغريب أن دولا عربية وغربية اكتوت بنيران داعش من قبل لكنها تدعم هذه المليشيات، اليوم مثل السعودية والإمارات وفرنسا.

المقابر الجماعية التي يتوالى الكشف عنها يوميا في ترهونة (الغرب الليبي) والتي تضم رفات مئات القتلى بدم بارد، هي أحدث جرائم المليشيات المدخلية، وبالتحديد عصابة الكاني المدخلية التي كانت تهيمن على مدينة ترهونة ومحيطها وتنشر الرعب فيها.

لك أن تعرف عزيزي القارئ أن هذه العصابة التي تقودها مجموعة من الأشقاء وأنصارهم انتقمت لمقتل فرد واحد من أبناء الكاني بقتل عائلة بأكملها، وأن هذه العصابة هي المتهمة بقتل كل الضحايا الذين يعثر الآن على جثثهم يوميا في مقابر جماعية في ترهونة وقصر بن غشير، ومواتة، بعضها في الصحراء وبعضها في آبار مياه، وبعضها في مزارع وبعضها في مقار أمنية، وبعضها في مستشفى ترهونة المركزي. وقد ظهرت على جثث القتلى علامات التعذيب البشع قبل وفاتهم.

وحسنا فعل مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بتشكيله لجنة لتقصي الحقائق في هذه المقابر الجماعية، وكشف المسؤول عنها، وحسنا فعلت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية بتوسيع تحقيقاتها لتشمل هذه المقابر الجماعية، وحقول الألغام والمتفجرات، حيث ستمكن معرفة الجناة الفعليين حتى لا يتفرق دم الضحايا بين القبائل.

وكان النائب العام الليبي قد أصدر في حق 14 من عصابة الكاني أوامر ضبط داخلية، في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، لكنها لم تنفذ لتمترسهم في ترهونة مع قوات حفتر.

جرائم هذه العصابة المدخلية كثيرة، وقد نشر نشطاء ليبيون قوائم للضحايا سواء القتلى أو المنفيين داخل ليبيا أو خارجها، أو الذين حرقت مساكنهم وممتلكاتهم.. إلخ، وهي جرائم لم تقف عند الرجال بل طالت النساء، مثل الشقيقات الثلاث "هرودة" اللواتي عثر شقيقهن على جثثهن بعد تحرير ترهونة.

كما أن نظراءهم المداخلة في بنغازي (الكتيبة 106) هم الذين اختطفوا النائبة سهام سرقيوة منذ 17 تموز/ يوليو العام الماضي، ولا تزال مختفية حتى الآن لا يعرف مصيرها.

وجرائم هذه العصابة لم تقتصر على قتل مئات الأشخاص ودفنهم في مقابر جماعية، بل إنها شاركت في تلغيم المنازل الفارغة من أصحابها في ضواحي طرابلس التي كانت تسيطر عليها مليشيات حفتر قبل انسحابها منها، وهو ما أدى إلى مقتل وإصابة الكثيرين أيضا..

ومن أبرز المليشيات المدخلية المسلحة كتيبة مجموعة الخمسين، بقيادة المطلوب دوليا محمود الورفلي، وكتيبتا التوحيد وطارق بن زياد، وكتيبة العاديات من مدينة الزنتان، وسبل السلام من مدينة الكفرة، وقوة الردع في أجدابيا، فضلا عن مباحث صرمان وكتيبة الوادي في صبراتة اللتين طرُدتا من المدينتين عقب سيطرة قوات الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق الوطني عليهما.

ما تفعله عصابات المداخلة في ليبيا يفعله نظراؤهم في اليمن بقيادة هاني بن بريك، نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أثبتت تحقيقات النيابة العامة اليمنية تورطه بالتخطيط لجرائم اغتيالات أدت لمقتل أكثر من 120 مواطنا لأسباب سياسية، في الفترة من 2015 إلى 2018.

ومن بين من تم استهدافهم شخصيات اجتماعية وخطباء وضباط موالون للسلطة الشرعية في عدن ومدن أخرى. وكشفت التحقيقات أنه يقف وراء تصفية ثلاثين داعية في عدن، أبرزهم الشيخ سمحان الراوي الذي قالت النيابة إنه قتل بمسدس حصل عليه القتلة التابعون للحزام الأمني من ابن بريك شخصياً، وهو بذلك لا يختلف كثيرا عن نظيره المدخلي الليبي محمود الورفلي، الضابط في قوات حفتر، والذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في آب/ أغسطس 2017 مذكرة اعتقال بحقه بتهمة تنفيذ سبع مجازر ما بين حزيران/ يونيو 2016 وتموز/ يوليو 2017 في منطقة بنغازي، ولكن حفتر وفر له الحماية حتى الآن رافضا تسليمه.

المليشيات المدخلية تسير على خطى داعش في كثير من التفاصيل، وإن كانت تختلف عنه في الموقف من حكومات الثورة المضادة، فهذه المليشيات التكفيرية هي صنيعة المخابرات السعودية، وهي مدعومة ماليا من المخابرات الإماراتية، ولذلك فهي تنفذ الأجندة السعودية الإماراتية عكس تنظيمي القاعدة أو داعش اللذين يناهضان النظامين السعودي والإماراتي مع غيرهما من النظم العربية.

ينتمي كلا التنظيمين (داعش والمداخلة) بالأساس إلى المدرسة السلفية السعودية. ورغم أن المداخلة ينطلقون بالأساس من فكرة طاعة الحاكم الممكن، ورفض الخروج عليه، إلا أنهم خرجوا على الحاكم الممكن في مصر (محمد مرسي) وفي ليبيا (فايز السراج) وفي اليمن (عبد ربه منصور هادي)، وذلك تنفيذا لتوجيهات وتعليمات الكفيل.

كما أن المليشيات المدخلية قلدت داعش تماما بجز الرؤوس أمام كاميرات تصوير احترافية لتنشر أجواء الرعب في المناطق التي توجد فيها، وكان المشهد الأبرز لذلك قيام المدخلي الليبي محمود الورفلي، أحد أبرز مساعدي خليفة حفتر، بإطلاق الرصاص على عشرة أشخاص من مناوئي الجنرال المنقلب وهم مقيدو الأيدي، ويرتدون سترات زرقاء، كما فعل تنظيم داعش مع ضحاياه من قبل، سواء في ليبيا أو غيرها (تنظيم داعش استخدم اللون البرتقالي بينما المداخلة استخدموا اللون الأزرق).

وإذا كان تنظيم داعش قد استهدف العلماء الوسطيين، فإن المداخلة فعلوا الشيء ذاته حين قتلوا الأمين العام لهيئة علماء ليبيا، نادر العمراني، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، وحين قتلوا الشيخ سمحان الراوي في اليمن.

وإذا كانت الأمم المتحدة وكل دول العالم تصنف "داعش" تنظيما إرهابيا، فإن مواصفات التنظيم الإرهابي تنطبق أيضا على المليشيات المدخلية، ولذا فإنها جديرة بهذا التصنيف، وينبغي على الحكومتين الليبية واليمنية التحرك دوليا في هذا الاتجاه.
====
نقلاً عن "عربي21"

Facebook Comments