كتب سيد توكل:

"والله وعملوها الرجالة ورفعوا رأس مصر بلدنا" هكذا علت أصوات الأغنية الشهيرة عقب فوز مصر على الكونغو باستاد برج العرب غرب الإسكندرية، فوز جعل مصر تتأهل للمونديال بعد 28 عاما من الغياب، عمت الفرحة أرجاء الملعب، وهرعت القنوات والفضائيات لتنقل لنا البشرى؛ مذيعة عددا أكبر من الأغاني الوطنية التي باتت حاضرة في مناسبات الكرة.

ربما يكون المونديال حلما للاعبي كرة القدم الذين سينالون مزيدا من الشهرة والمال، ومبرراتهم في ذلك أنهم تجار البهجة لهذا الشعب البائس الغارق في الفساد والغلاء، وأنهم يرفعون علم وطنهم عاليا، ولكن كيف مرت المباراة واحداثها على المعتقلين في سجون الانقلاب؟

مفارقة برج العرب
وعلى غير المعتاد تابع عدد كبير من المعتقلين السياسيين الرافضين للانقلاب مباراة المنتخب المصري أمس أمام نظيره الكونغولي على استاد برج العرب، وللمصادفة يقع هذا الاستاد على بعد 3 كيلومترات عن معتقل برج العرب بالاسكندرية.

وكانت المباراة تتسرب للسجناء لحظة بلحظة وتنتقل من زنزانة إلى أخرى، وقالت مصادر من داخل المعتقلات لـ"الحرية والعدالة" إن المشاعر تضاربت بين المعتقلين الرافضين للانقلاب، فهم يريدون الفوز لمنتخب بلادهم ويشجعون المنتخب، وفي الوقت نفسه يخشون أن يسرق السفيه عبدالفتاح السيسي فرحة النصر، وينسبها للعسكر الذين خربوا كل شيء جميل في مصر.

محدش يمنع الناس
وما بين الدعاء والبكاء نقلت صفحة الصحفي المعتقل "مالك الشاعر"، لحظات الفوز الصعبة التي تكللت بهدف اللاعب الدولي ونجم فريق نادي ليفربول الإنجليزي محمد صلاح، وقال :"للاسف كنت نايم٬ بس صحيت على اصوات تكبير وزملائي هنا في السجن فرحانيين بصعود مصر لكأس العالم٬ يمكن انا مخنوق شوية الأيام دي بعد مرور سنة على حبسي وتعلقى الشديد باطفالي جعلنى مش مهتم بأي حاجه وبهرب للنوم".

وتابعت الصفحة "الشاهد إني أكيد في مثلي كتير هنا في السجن٬ لكن الغريب بقا انك تلاقي شباب محبوس ظلم أو محكوم أيضا عليه ظلم ومبسوط وفرحان لفوز منتخب بلده".

وأردف ساخرًا: "عمرك بقا شفت ارهابيين بالشكل دا؟"، مضيفاً: "على أي حال مبروك للشعب فوز المنتخب الوطني٬ بس الشعب اولي بال 40 مليون هدية السيسي!!".

ووجه "الشاعر" نصيحة للمصريين الذين أنهكهم الفقر والقمع وانتهاكات العسكر، بالقول "محدش يمنع الناس انها تفرح٬ افرحوا واتبسطوا بس بلاش تنسونا٬ اعملوا اي حاجه تساعد في خروج وفرحه الآلاف المعتقلين لبيوتهم وعيالهم".

ابني جنب الاستاد!
ونشر أحد الصحفيين النشطاء تدوينة قال فيها "سألها المذيع بعد فرحة التأهل: يا تري يا حاجة ابنك راح برج العرب، قالت: ابني ف برج العرب من 3 سنين ومش عارفة عايش ولا ميت".

وهكذا انقسمت مصر حتى فرحتها بين منتشٍ بالفوز ومن يشعر بالمرارة مع الفرحة، باعتبار أن كرة القدم اللعبة الشعبية الأكبر في العالم، وأنها كقوى ناعمة ربما تسهم في جلب مزيد من السياحة بالتعريف بالبلد، أو يمكن توصيف اللاعبين كسفراء أو قدوة لبلادهم ومحفزا على كل ما هو إيجابي إذا كان اللاعب يتحلى بالأخلاق الرياضية السامية وله رسالة تتجاوز حدود الملعب كما كان محمد أبو تريكة.

واقع الحال بعد الانقلاب العسكري في مصر، جعلت حلم المونديال على رأس أولوليات السفيه السيسي وسدنته من ضباط الشرطة وقواته الأمنية، ليس حبا في الوطن، ورفع "رأس مصر بلدنا"، لكنه حلم سيجعلهم يرفعون رأسهم عاليا باعتبارهم هم الوطن، بينما ستجبر المواطن أن يخفض رأسه لأسفل أو تتسمر عينه على "مخدر" المباريات ولن يشغله أكثر من متابعة ما صور له بأنه "حلم مصر ودليل رفعتها".

لماذا كان الفوز مهماً للعسكر؟
نظام السفيه السيسي مثله مثل الأنظمة الديكتاتورية التي تقتات على المعاني الزائفة لمفهوم الوطنية، وينسبون لأنفسهم المجد فيها بوصفهم رعاة الرياضة والرياضيين، وهو محض كذب، فشعوب أوروبا وآسيا التي تسهر حتى الصباح فرحا بالفوز، لا يهان مواطنها في شوارعها ولا يقف بالطوابير ليجد قوت يومه الأساسي، ولا يستجدي أحد للحصول على دواء غير موجود، هذا فضلا عن وجود رعاية حقيقية للرياضة في المناهج التعليمية وتتيح الدولة أراضيها بمساحات واسعة للملاعب العامة والمكتبات العامة والمتنزهات العامة.

ومن ثم فالرياضة حقا من صلب اهتمامتهم وكرة القدم تستخدم كأداة للترفيه والمتعة وبناء الصحة بشكل حقيقي، وليس شيئا موسميا للتغطية على نكبات داخلية وتمرير سياسات إفقار وتجهيل وتعذيب.

سجن برج العرب الشهير في الإسكندرية القريب من الأستاد، كان على موعد قبل مباراة مصر وغانا العام الماضي مع وفاة سجين جنائي يدعى عباس طه، وتتجه أصابع الاتهام لضباط يدعى عمر عمرو، اتهمه أيضا أهالي السجناء السياسيين الرافضين للانقلاب بالتنكيل بذويهم قبل المباراة.

فالأنباء والشهادات الواردة من هناك على لسان أهالي المعتقلين تكشف عن نوع من الانتقام والتنكيل من قبل إدارة السجن بالمعتقلين وذويهم، بداية من سوء معاملة المعتقلين بحق المحتجزين في عنبر الإعدام وتهديدهم بالقتل، مرورا بالتعدي عليهم بالضرب وإصابتهم بإصابات بالغة.

فضلا عن قيام الضباط الجلادين باقتحام العنابر وإلقاء قنابل الغاز فيها، وإحضار قوات خاصة من الشرطة لاقتحام الزنازين، وزادوا في التنكيل حدا بلغ كسر ومصادرة الأدوية الخاصة بالمعتقلين حتى الأنسولين وغيره من الأدوية التي قد تزهق روح الإنسان بغيابها.

هذا فضلا عن ترحيلها لما يزيد عن 200 معتقل إلى سجون بعيدة كجمصة والمنيا في محاولة واضحة لإذلال الأهالي الذين لم يقبلوا ما جرى، وقرروا الهتاف ضد إدارة السجن والضباط المعتدين من أجل التنديد بما يجري لذويهم.

تغييب الوعي
جرى كل هذا ومر؛ بينما إعلام الانقلاب يذيع تلك الأغاني التي تطالب المواطن برفع رأسه عاليا، رغما عن كل ما يثقلها، لم يفرق مع الشرطة وإعلامها إذا كان من مات أو نكل به، سواء كان مسجونا جنائيا أو سياسيا أو حتى مواطنا مسيحيا بسيطا يناله من الأذى العام ما ينال غيره ممن دفعتهم ظروفهم أو انتمائتهم الأخرى إلى السجن.

كما تجيد الأنظمة الديكتاتورية بناء السجون العامة والتوسع في ميزانيات أدوات التعذيب والبطش بأكثر من بناء الملاعب والمكتبات والمنتزهات العامة، فإنها تجيد توظيف ما يجري في عالم الرياضة لصالحها وتتمنى صعود منتخباتها للمونديال لتكون الكرة أداة إلهاء وتغييب وعي؛ تمرر خلال الاحتفال بها ما تريد من سياسات وتغطي على ما تفعله من كوارث.

يقول أحد المعتقلين: "بقدر ما أتمنى أن يفرح الناس وتدخل قلبوهم البهجة، بقدر ما أتمنى أن تكون هذه الفرحة ناتجة عن إيجاد توفير الدواء للمرضى والغذاء للجائعين والحرية للمعتقلين، والاكتفاء لأهل العلم والباحثين، أتمنى أن يكون حلم المونديال في توقيت لا يوظف فيه من أجل الإلهاء كما جرى في مونديال 2006 حينما كان يصفق المخلوع مبارك في الملعب بينما ألف مواطن يقبعون في قاع البحر".

Facebook Comments