لم يكن خافيا على كل العقلاء والمتابعين أن عقد مؤتمر استثنائي للشباب بحضور الجنرال عبد الفتاح السيسي، قبل موعده الطبيعي بثلاثة أشهر، هدفه الرد على ما بثه الفنان والمقاول محمد علي من فيديوهات تكشف العديد من أوجه الفساد في القوات المسلحة، والتي تتم لصالح السيسي وزوجته وكبار مساعديه. لكن النظام وأذرعه وأجهزته ظلوا حريصين على إخراج المشهد ليبدو الأمر طبيعيا، رغم كل ما واكب الاستعدادات العاجلة من ارتباكات، وكان مقصدهم في ذلك أن لا يبدو النظام منزعجا أو مرتبكا من تلك الفيديوهات لشخص واحد.

والحقيقة أن كل تلك الترتيبات والاحتياطات لم تتمكن من إخفاء ذلك الانزعاج، بل إن السيسي نفسه في الموتمر لم يتمكن من إخفاء تلك المشاعر التي بدت جلية على وجهه المكفهر، على العكس من المرات السابقة. كما أنه لم يستطع أن يضبط فلتات لسانه التي كشفت عن مكنون نفسه، وأكدت أن عقد هذا المؤتمر كان يستهدف بالأساس الرد على ذاك المقاول الفنان، بالمخالفة لتحذيرات كل الأجهزة الأمنية والاستشارية باعتراف الجنرال نفسه.

اهتز النظام إذن أمام شخص واحد، ولم يستطع إخفاء هذا الارتباك، رغم أن السيسي كرر أكثر من مرة أنه لم يهتز ولا يهتز لشيء، وكرر مطالبته لأنصاره بأن لا يهتزوا لأي إشاعات. وإذا كان النظام قد اهتز بسبب شخص واحد، فما بالكم لو ظهر عدة أشخاص آخرين، أو لو تمكنت قوى المعارضة المصرية من تجميع صفوفها وتركيز حملاتها الإعلامية والسياسية والقانونية ضد هذا النظام؟

يطالب المقاول الفنان دوما في كل تسجيلاته بمباراة عادلة مع السيسي، بمعنى أن تكون مواجهة الحقائق بالحقائق، وليس باستخدام أساليب قذرة تمتلكها السلطة ورجالها ضده، مثل إجبار والده على الإدلاء بتصريحات صحفية ضده، وهو ما تكرر مع شقيقه، وحتى زوجته أيضا، والتركيز بشدة على حياته وسلوكياته الشخصية بهدف صرف الناس عنه، وهو ما رد عليه محمد علي سريعا بأنه لم يدع يوما طهرا ليس فيه، وأن المطلوب ليس التركيز على حياته الشخصية ولكن على ما يذكره من وقائع وحقائق.

في مؤتمر الشباب الاستثنائي رد السيسي على تسجيلات الفنان محمد علي، فإذا به يؤكد صحة ما ورد بها، بل زاد في “بجاحته” أنه ينشئ بالفعل قصورا وسيظل ينشئ المزيد منها، لأنه لا يبنيها لنفسه وإنما ينبيها لمصر، وهي مصر ذاتها التي وصفها مرات من قبل بأنها “فقيرة قوي”، والتي ضن عليها بعشرة مليارات جنيه فقط لإصلاح شبكة السكك الحديدية؛ التي تعرضت خلال الفترة الماضية للعديد من الحوادث نتيجة تهالكها أسفرت عن وقوع عشرات الضحايا. ولم يستطع السيسي في المؤتمر أن ينفي أي واقعة مما ذكره المقاول المذكور، بما في ذلك تجهيز مدفن خاص لوالدته من مال الدولة. وكان كل تركيزه هو تكرار حديثه المعتاد عن حروب الجيل الخامس والسادس، وأنه رجل صادق وشريف وأمين.. الخ!! وهو حديث لم يعد مقنعا لأحد بعد أن اكتشف المصريون زيف تلك الإدعاءات.

في الدول ذات الوفرة الاقتصادية يمكن بناء قصور واستراحات وفنادق سبع نجوم.. إلخ، ويعد ذلك إضافة إلى رصيد الثروة العقارية والسياحية في الدولة، لكن في الدول “الفقيرة قوي” تكون الأولوية لبناء مستشفيات ومدارس وسد جوع المواطنين.

قصر واحد وهو قصر الحكم الذي ينشئه السيسي حاليا في عاصمته الإدارية الجديدة يقام على مساحة 50 ألف متر مربع ويعادل عشرة أضعاف مساحة البيت الأبيض في أغنى دولة في العالم (الولايات المتحدة)، وملحق بهذا القصر 36 مبنى كبيرا تزيد مساحتها مجتمعة على 57 ألف متر مربع ويزيد معظمها على 4 طوابق، وتبلغ مساحة الموقع العام للقصر والمحاطة بسور خارجي مليونين و370 ألف متر مربع، يضاف إليها مساحة خارجية خصصت كحرم طريق للمدخل الرئيسي، وتبلغ مساحتها 180 ألف متر مربع، وبذلك يصل إجمالي المساحة المخصصة للقصر الجمهوري الجديد إلى مليونين و550 ألف متر مربع، أي ما يعادل 607 فدادين تقريبا، وهو ما يعادل 32 ضعف المساحة الإجمالية للبيت الأبيض.

ووفقا لتقديرات محاسبية وعقارية نقلتها قناة الجزيرة، فإن تكاليف بناء طابق واحد في هذا القصر تبلغ مليارا و250 مليون جنيه مصري، وهو ما يكفي لبناء 16 مستشفى عاما، أو 125 مدرسة.

بلغت الإثارة ذروتها بين المقاول والجنرال عقب انتهاء مؤتمر الشباب (مساء السبت) الذي استغله السيسي لتبييض وجهه، واستنفار الجيش والشرطة خلفه، وهو ما ظهر في كلامه من ناحية وحضور أعداد كبيرة من ضباط الجيش والشرطة، وخاصة طلاب الكليات العسكرية بأزيائهم الرسمية من ناحية أخرى. وقد سارع المقاول للرد على السيسي عقب انتهاء المؤتمر، وإن جنح هذه المرة أكثر إلى الخطاب السياسي الشعبوي، وهو على كل حال ما يروق للكثيرين في مصر حاليا، حيث أصبحت تسجيلات محمد علي حديث المقاهي ووسائل المواصلات ومكاتب العمل.. الخ.

كان واضحا أن السيسي يخاطب فئات معينة، وهي تلك المرتبطة به وجودا وعدما، وكذا الجيش، بينما ركز المقاول على مخاطبة الفئات المهمشة التي لم يكن لها أي حضور في مؤتمر الشباب، ولا تلقى اهتماما من السيسي المعني ببناء القصور والفلل على حساب بناء مشاريع تنموية لهم.

في ظل نظام يفتقد للشرعية الشعبية، فإن خروج شخص مثل هذا المقاول من داخل المنظومة، فاضحا لها ولممارساتها، يعد أمرا مربكا جدا لهذه المنظومة التي تتجه تفسراتها على الفور إلى وجود قوى خفية تحركه، فيزيد ارتباكها، وتسعى إلى محاولة منع وصول هذه التسجيلات إلى عموم الشعب بطرق مختلفة عبر تشويه سمعة صاحبها والطعن في مصداقيته، أو السعي لاصطناع أحداث كبرى للتشويش عليه، أو عبر إجراءات خشنة كاعتقال المحامي الذي أعلن اعتزامه تقديم بلاغ للنائب العام للتحقيق فيما تضمنته التسجيلات، أو اعتقال نجل الصحفي مجدي شندي للضغط على والده لمنع نشر تقارير صحفية تخص هذا الأمر.

تظل المعركة بين المقاول والجنرال في إطار إعلامي حتى الآن؛ يمتلك فيها الجنرال قنوات وصحفا ومواقع إلكترونية وجيوشا إلكترونية، في مواجهة مقاول لا يمتلك سوى موبايل أو حاسب آلي يبث من خلالهما تسجيلاته، مدعوما بتضامن واسع عبر صفحات السوشيال ميديا، وهي المجال الوحيد الذي لا يزال بعيدا إلى حد كبير عن هيمنة السلطة خاصة للمصريين المقيمين في الخارج. وستظل المعركة في هذا الإطار الإعلامي، حتى تتمكن المعارضة المصرية من تنظيم صفوفها واستثمار هذه الحالة في عمل سياسي يجهز على نظام السيسي.

نقلاً عن “عربي21”

Facebook Comments