نشرت صحيفة "المونيتور" تقريرا سلطت خلاله الضوء على واقعة سيدة القطار التي شغلت الرأي العام المصري واحتلت صدارة الترند في مصر لأيام.

وقال التقرير الذي ترجمته "الحرية والعدالة"، إن سلطات الانقلاب احتفلت بامرأة عرضت دفع أجرة قطار المجند كبطلة وطنية في مصر، لكن المتشككين يشيرون إلى أن الحادث تم تنظيمه لصرف الانتباه عن التحديات الأكبر التي تواجهها البلاد.

وأعلنت الهيئة القومية للسكك الحديدية المصرية يوم 14 سبتمبر أنها ستلغي أسعار السكك الحديدية لأفراد الجيش والشرطة اعتباراً من منتصف سبتمبر وقد أثارت هذه الخطوة تساؤلات حول المعاملة التفضيلية لقوات الأمن فى البلاد . وقد تم إخطار جميع محطات السكك الحديدية بأن أفراد الأمن النظاميين وأولئك الذين يقدمون بطاقات الهوية الوطنية إلى مفتش الأجرة معفون من دفع تكاليف ركوب القطارات.

وجاء القرار في أعقاب مقطع فيديو يظهر مجندًا في الجيش يرتدي الزي الرسمي وهو يتعرض للتوبيخ من مشرف قطار بعد أن رفض الدفع، ومع ارتفاع درجة حرارة المشادة، تعرض راكبة دفع ثمن تذكرة المجند الذي يقل عن دولارين وتقول له: "لدي أبناء في سنك في المنزل".

مبالغة في الإشادة والتكريم

وفيما بعد، عُرفت المرأة، التي يشار إليها باسم "سيدة القطار" على مواقع التواصل الاجتماعي، باسم صفية أبو العزم، وهي معلمة من محافظة المنوفية، وأصبحت من المشاهير الفوريين بعد أن وصفتها وسائل الإعلام المصرية الموالية للحكومة (الانقلابية) إلى حد كبير بأنها بطلة وطنية في البرامج الحوارية وفي المقالات الإخبارية.

وقد كرمها هى والمجند وزير الدفاع والإنتاج الحربى محمد زكى فى مراسم يوم 13 سبتمبر لتكريم ضباط الجيش المتقاعدين . وقال زكي، وهو يسلم أبو العزم درع القوات المسلحة، "إن تصرفها يعكس فضائل المرأة المصرية الأصيلة. لا يمكن لأي مكافأة أن تعوضها، فالأم المصرية هي رمز العطف والشفقة"، كما أشاد بالمجند "لتأديبه" و"ضبط النفس".

كما أشاد المجلس القومي للمرأة بأبو العزم، ومنحها درع التقدير للمجلس وعينها عضواً في المجلس في الغربية، وهي محافظة شمال القاهرة، وقدمت لها وزارة النقل بطاقة سفر تجدد سنوياً طوال حياتها تقديراً لـ"عملها النبيل".

وعوقب كل من مفتش القطار وقائد القطار من قبل وزارة النقل بخصم من أجورهما بسبب "السلوك غير اللائق" وعدم الالتزام بشرط هيئة السكك الحديدية بارتداء كمامات على متن القطار وأفيد أن كليهما نُقل من خدمة الركاب إلى خدمة الشحن على الرغم من اعتذار قائد القطار العلني عن "خطئه" في إذلال المجند علناً بمطالبته بإزالة الشارة من زيه الرسمي.

وأثار رد فعل الدولة والضجة الإعلامية حفيظة وسائل التواصل الاجتماعي، حيث وصف بعض المراقبين مثل حسام السكري، الإعلامي السابق بهيئة الإذاعة البريطانية، الاستجابة المتطرفة للحادث بأنها "غير عقلانية وشعبوية".

قرار غير مسبوق

وقال لـ"المونيتور" إنّ "قرار منح رجال الأمن معاملة تفضيلية غير مسبوق" وأضاف "لا يمكن إلا أن يؤجج التوتر ويخلق نزاعات يومية مع الركاب المدنيين الذين حجزوا مقاعدهم".

وقد أشار بعض المتشككين إلى أن الحادث كان "تمثيلية"، في حين قال آخرون إنه كان يهدف إلى صرف الانتباه عن الإحباطات اليومية والدعوات الأخيرة على الإنترنت للاحتجاج ضد عبد الفتاح السيسي.

وشكك النشطاء في أن الحلقة بأكملها قد تم تنظيمها، وزعم بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي أن الرجل الذي التقط النزاع بين قائد القطار والمجند على الكاميرا، شادي محمود بلال، يعرّف نفسه بنفسه على فيسبوك كعضو في حزب مستقبل وطن الموالي للسيسي.

وفي مقابلة هاتفية بثت على الهواء مباشرة على قناة صدى البلد المملوكة للقطاع الخاص، نفى بلال، الذي قدمه المحاور على أنه جيولوجي، أن يكون الحادث قد خطط له مسبقا قائلا: "ما حدث لم يكن مناسبا، لأن المجند يمثل القوات المسلحة، وبإهانته، أهان قائد القطار الجيش والقيادة السياسية والبلاد بأسرها".

وأعرب العديد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي عن امتنانهم لـ"سيدة القطار"، وأشادوا بها باعتبارها "أم مصرية عظيمة" و"مصرية حقيقية".

قتيل القطار

ولكن حادث القطار أثار أيضا ذكريات عن حلقة مماثلة في العام الماضي لم تنته على ما يرام. في أواخر أكتوبر 2019، قفز بائعان متجولان استقلا قطارًا متجهًا إلى الأقصر من الإسكندرية بدون تذاكر من القطار المتحرك بعد أن هدد قائد القطار بتسليمهما وتوفي أحدهما بينما فقد الآخر ساقه.

وقال قائد القطار للشابين بعد أن اعترفا بأنه ليس لديهم مال لدفع غرامة 70 جنيها مصريا (حوالي 5 دولارات) للسفر بدون تذاكر: "إما أن تدفعوا أو تُخرجوا من القطار على الفور أو تواجهوا الاعتقال". ورفض مشرف القطار عروضا من ركاب آخرين لدفع ثمن تذكرتهما .

وفي مقاطع فيديو انتشرت على نحو واسع، زعم الركاب أن مشرف القطار أجبر الرجال على النزول من القطار بينما كان لا يزال يتحرك، وأثارت مقاطع الفيديو ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي مع مطالبة بعض النشطاء وزير النقل كامل الوزير بالاستقالة من منصبه.

وكان الوزير، الرئيس السابق للهيئة الهندسة في القوات المسلحة، قد رشحه السيسي لمنصبه الجديد قبل سبعة أشهر، بعد استقالة وزير النقل السابق بحكومة الانقلاب هشام عرفات بسبب حادث قطار مميت، وفي محاولة لتحويل المسؤولية عن وفاة الشاب، قال الوزير إن القتيل "ليس طفلاً" وكان ينبغي أن يعرف أفضل من ركوب القطار بدون تذكرة، وفي حين دفعت الوزارة تعويضات لأسرتي الرجلين، فإن اللامبالاة الظاهرة من الوزير تجاه الوفاة أثارت ضجة.

وبالمقارنة بين رد الدولة على الحادثين، نشر أحد مستخدمي تويتر صورتين جنباً إلى جنب: أحد البائعين المتجولين المتوفين، الذي أصبح يعرف منذ ذلك الحين على وسائل التواصل الاجتماعي بأنه "شهيد التذكرة"، والمجند الذي ساعدته "سيدة القطار".

وغردت على تويتر قائلةً: "هذه قصة مصر في الصور. "لم يكن لدى أي من الرجلين تذاكر، وكان هناك من كان في 1999 وقتل المدني وتكريم المجند ".

رفع الأسعار

ورفعت الحكومة أسعار المترو في منتصف أغسطس، وهي ثاني زيادة من هذا النوع منذ يوليو 2019. وقد ضغطت هذه الخطوة على المصريين ذوي الدخل المنخفض الذين يعتمدون على المترو كوسيلة رئيسية للنقل وكانوا يعانون بالفعل من آثار تدابير التقشف التي تم تطبيقها في عام 2016. حتى منتصف سبتمبر 2018، كانت قطاعات مختلفة من السكان، بما في ذلك الشرطة والجيش والقضاء والصحافة، قد عُرضت عليهم أسعار مخفضة لركوب المترو، لكن الحكومة ألغت البرنامج.

وتعليقاً على حادث القطار الأخير، قال تيموثي كلداس، وهو محلل وزميل غير مقيم في معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، لـ"المونيتور": "ليس من غير المألوف أن تمنح الحكومات خصومات لموظفي الدولة في وسائل النقل العام. غير أن كون المجند لا يستطيع تحمل أجرة القطار وتطلب الأمر مساعدة "سيدة القطار" يعكس الارتفاع السريع في تكلفة النقل العام في مصر فضلاً عن الأجور المنخفضة للغاية التي تُمنح للمجندين".

أثار قرار الإعفاء من أسعار القطارات للجيش والشرطة غضب متوسط المصريين الذين تأثروا بخفض دعم الوقود وارتفاع أسعار السلع الأساسية.

وقد شهد الجيش والشرطة زيادة رواتبهم ومعاشاتهم التقاعدية عدة مرات منذ استيلاء السيسي على السلطة، وتولى الرجال الذين يرتدون الزي العسكري مناصب رئيسية في مؤسسات الدولة.

وسمحت مجموعة من التعديلات الدستورية التي تمت الموافقة عليها في استفتاء عام 2019 للجيش بتوسيع دوره إلى ما هو أبعد من الدفاع الوطني إلى "حماية الدستور" وحتى "حماية الديمقراطية".

عسكرة الاقتصاد

وتقلق عسكرة الاقتصاد بعض المحللين الذين يلومونه على انكماش نشاط القطاع الخاص. إن الإعفاء من الضرائب والرسوم الجمركية والحصول على العمالة الرخيصة (من قبل المجندين الذين يتقاضون أجوراً زهيدة) ليست سوى بعض الفوائد التي منحت الشركات العسكرية ميزة تنافسية على القطاع الخاص، وخاصة في مشاريع البنية التحتية والإسكان التي يديرها الجيش ويتم الحصول عليها من خلال عقود بدون عطاءات ومن المصانع المنتجة للإمدادات الغذائية والمنتجات الطبية، ومؤخراً الألواح الشمسية، قام الجيش بتوسيع وتنويع دوره في الاقتصاد في اتجاه يحذر بعض المحللين من أنه غير مستدام.

وقال سائق أوبر طلب التعرف عليه باسمه الأول فقط، إسلام، لـ"المونيتور"، "من خلال إشراك الجيش في جميع القطاعات والتهديد بنشر قوات في القرى لهدم منازل الناس، فإن السيسي يحرض الجيش ضد الشعب المصري. هذا أمر خطير ويخاطر بتقويض شعبيته وشعبية الجيش".

وقال " إن إعفاء أفراد الأمن من أسعار القطارات كان سيكون على ما يرام إذا لم يؤثر ذلك علينا ، ولكنه سيؤثر علينا . نحن المواطنون العاديون الذين سنقدم الفاتورة من خلال ضرائب إضافية، ربما. وهذا لا يمكن إلا أن يوسع الصدع بين الشعب والرجال الذين يرتدون الزي العسكري الذين يديرون البلاد".

 

https://www.al-monitor.com/pulse/originals/2020/09/egypt-train-military-sisi-populist-army.html

Facebook Comments