بالتزامن مع الاستعراض الدوري الشامل للملف الحقوقي المصري بالأمم المتحدة، في فرصة مهمة للاستماع إلى المدافعين عن حقوق الإنسان، استعرض موقع “الشارع السياسي” مجموعة من التوصيات التي أجمعت عليها عشرات المنظمات الحقوقية، فضلا عن رفع الواقع الحقوقي السالب للحريات والحقوق العامة، وتكسير عظام المدافعين عن حقوق الإنسان قبل الاستعراض الدوري بالأمم المتحدة.

ووفق الدراسة، اعتبرت منظمات أن عددًا من التوصيات تمثل نداء أخيرًا لرفع الظلم عن عدد كبير من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، سواء من القابعين بالسجون رهن الحبس الاحتياطي شبه الدائم، أو المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية، أو من هم في انتظار تنفيذ أحكام الإعدام، فضلاً عن هؤلاء الممنوعين من السفر أو المحجوز على أموالهم.

توصيات المنظمات

واستعرضت الدراسة استعداد منظمة “العفو الدولية” لعرض انتهاكات مصر في المؤتمر المقرر في 13 نوفمبر، بتقرير جديد مفصل ستعرضه على مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، لمواجهة الوفد الانقلابي به، يتناول متابعة تنفيذ مصر للتوصيات السابقة من عدمه، ووضع حقوق الإنسان حسب القوانين التي تم تعديلها في الدستور، ثم وضع هذه الحقوق على أرض الواقع، وتحويلها من المساق المكتوب إلى المساق الحقيقي، ثم توصيات جديدة.

ومن أبرز التوصيات التي أشارت إليها 11 منظمة، في بيان مشترك، تعديلات تشريعية تضمن مصر من خلالها استقلال القضاء وحماية حقوق المتهمين.

وطالبت السيسي بتفعيل سلطته ووقف أحكام الإعدام النهائية على 74 شخصًا على الأقل، واستبدالها بعقوبات أخف بموجب المادة 470 من قانون الإجراءات الجنائية، سواء بالنسبة للأحكام التي لم تعرض عليه بعد، أو الأحكام المستقبلية التي ستصدر عن المحاكم، ووقف تنفيذ كافة أحكام الإعدام بشكل عام تمهيدًا لتعليق العقوبة.

مصير المختفين قسريًّا

وتضمنت التوصيات الدعوة إلى الكشف عن مصير المختفين قسريًا، والمقدر عددهم بالمئات، ومن بينهم البرلماني السابق مصطفى النجار، والباحث إبراهيم عز الدين مسئول ملف الحق في السكن بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات، لا سيما وأن هناك كثافة في الملاحظات الواردة من منظمات حقوقية دولية بشأن الاختفاء القسري في مصر، ويجب الرد عليها، وحتى تتمكن الدولة من ذلك يجب إنشاء قاعدة بيانات للمحتجزين، وتفعيل آلية رصد حالات الاختفاء القسري من قبل النيابة العامة.

وأعلنت النيابة عن أنها بصدد إنشاء هذه الآلية ولم يحدث ذلك، وسط تزايد أعداد المختفين، الذين باتوا أكثر عرضة للتصفية الجسدية من أي وقت، أو إدراجهم في قضايا لا يعلمون عنها شيئا.

ومن بين التوصيات دعوة النظام للإفراج عن المقيدة حريتهم بسبب ممارسة حقهم في حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي والمشاركة في الشأن العام، بما في ذلك من هم حاليًا على ذمة القضية 1338 والقضية 1356 لسنة 2019 في سبتمبر الماضي.

وحثت المنظمات الدولة على إعلان قوائم المقبوض عليهم أو المحبوسين احتياطيًّا على خلفية قضايا متعلقة بحرية الرأي والتعبير. وأوصت برفع الحجب عن أكثر من 513 موقعًا إلكترونيًا، بما في ذلك المواقع الإخبارية المحلية والدولية ومواقع المنظمات الحقوقية، وإلغاء المادتين 40 و41 من القانون رقم 94 لسنة 2015، اللتين تمثلان الغطاء القانوني لاحتجاز أفراد بمعزل عن العالم الخارجي لمدة تصل إلى 28 يومًا، بما يتعارض مع نص المادة 54 من الدستور، والتي تضمن إبلاغ من تقيد حريته بأسباب القبض عليه وتمكينه من الاتصال بمحامٍ.

وأوصت بإلغاء المادة 50 من قانون مكافحة الإرهاب، التي تجيز تشكيل دوائر الإرهاب داخل المحاكم الجنائية، ووقف العمل بها، نظرًا لكونها دوائر موجهة تعمل على تلبية رغبات النظام. وإسناد القضايا المنظورة أمامها حاليا لدوائر جنائية عادية، وإعادة محاكمة من سبق الحكم عليهم فيها أمام دوائر جنائية حسب اختصاصها الجغرافي.

وأوصت بإلغاء القانون رقم 13 لسنة 2017 والذي يمنح رئيس الجمهورية سلطة اختيار وتعيين رؤساء الهيئات القضائية، دون الالتزام بمعيار الأقدمية الذي كان معمولا به قبل هذا القانون. وإلغاء القانون رقم 136 لسنة 2014 بشأن تأمين وحماية المنشآت العامة، الذي يتيح محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وإعادة محاكمة من صدرت بحقهم أحكام عسكرية أمام قاضيهم الطبيعي.

وأوصت أيضًا بإلغاء المادة 143/ فقرة أخيرة من قانون الإجراءات الجنائية، والتي تبيح حبس المتهمين احتياطيًا في الجرائم المعاقب عليها بالمؤبد أو الإعدام لأجل غير مسمى، والعودة للنص الأصلي الذي يضع حدا أقصى للحبس الاحتياطي بعامين فقط. وإلغاء المادة 277 من القانون نفسه، التي تمنح المحاكم سلطة تقديرية في سماع شهادة بعض الشهود دون غيرهم، لما تمثله من إخلال جسيم بحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة. وكذا إلغاء المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض رقم 57 لسنة 1959 والتي تسمح لمحكمة النقض بالتصدي لموضوع الطعن من أول مرة، لما يمثله ذلك من إخلال بحق الدفاع، فضلا عن أنه يزج بمحكمة النقض بما لا يقع في نطاق وظيفتها.

وحثت المنظمات على نشر قانون إلغاء القانون رقم 10 لسنة 1914(قانون التجمهر)، الذي ثبت إلغاؤه منذ عام 1928، ولم ينشر قانون إلغائه بالجريدة الرسمية، ويعتبر هذا القانون هو حجر الزاوية في الزج بعشرات الآلاف من المتظاهرين في السجون.

قمع متواصل

ولفتت الدراسة إلى تواصل القمع والانتهاكات بحق الجميع في مصر، من اعتقالات وتعذيب للمعتقلين وإعلان تصفيات خارج إطار القانون لما تسميهم السلطات المصرية “مسلحين”، سواء في سيناء أو غيرها من المحافظات المصرية، أو اعتقال نساء وفتيات من وسائل المواصلات، أو من خلال توقيفهن بالشوارع والميادين وفحص تليفوناتهن، بجانب استهداف المدافعين عن حقوق الانسان، والنشطاء والسياسيين الذين يخرجون من قضية ليدخلوا غيرها، بعد استئناف النيابة على قرارات الإفراج عنهم.

وأشارت إلى أن الدورة الرابعة والثلاثين لحقوق الإنسان أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في «جنيف»، تأتي وسط سيل من تقارير حقوقية دولية وإقليمية ومحلية فاضحة لسجلها الحقوقي، عبر المنظمات الحقوقية الدولية والمستقلة، تقابلها تقارير تجميلية حكومية واتصالات سياسية مع السفارات الغربية والمؤسسات الدولية والفاعلين بالمجال الحقوقي، وقرارات سياسية تجميلية، كإلغاء 4 دوائر مختصة بقضايا الإرهاب، واصدار بعض قرارات العفو الرئاسي، شملت قليلا من السياسيين الذي قاربوا على الانتهاء من قضاء مدد حبسهم، وكثيرا من الجنائيين أشهرهم البلطجي صبري نخنوخ.

ومن المقرر أن يرأس الوفد المصري بالأمم المتحدة المستشار عمر مروان، وزير شئون مجلس النواب، لتقديم تقرير مصر حول ما أنجزته في مجال حقوق الإنسان خلال السنوات الأربع الأخيرة.

وكان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في «جنيف»، قد أصدر في 7 نوفمبر 2014، تقريرًا يتضمن 300 توصية إلى مصر، بغية تحسين ظروف حقوق الإنسان لديها، مما أثار ضجة كبيرة امتزجت بسخرية واسعة، إذ توقع البعض دخول مصر موسوعة «جينيس» على إثر تدخل 125 دولة بـ300 توصية بمراعاة حقوق الإنسان لديها.

توصيات المراجعة السابقة

واستعرضت الدراسة توصيات التقرير الحقوقي لمراجعة الملف الدوري في 2014، حيث أوصت بمعاقبة قوات الأمن جراء جرائم التعذيب التي ارتكبتها، وضمان عدم تعرض المعتقلين لأي تعذيب أو معاملة سيئة، والتحقيق في كافة المزاعم المتعلقة بتعذيب المعتقلين والمحتجزين، والتصدي لظاهرة العنف ضد المرأة، وإطلاق سراح المعتقلين على خلفية قضايا متعلقة بحرية الرأي، والإفراج العاجل عن الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وإقرار قانون جديد خاص بالمؤسسات الأهلية، يتواءم مع المعايير الدولية، وإلغاء عقوبة الإعدام.

وأوضحت أن ردود وفد الانقلاب حينها أمام مجلس حقوق الإنسان الأممي، كانت بعبارات فضفاضة وتجميلية للواقع المرير، من عينة الزعم بعدم وجود صحفي محتجز في مصر بسبب ممارسة حقه في حرية التعبير!.

وزعم ممثل النيابة العامة في مصر أنه “لا يوجد محبوس في مصر دون أمر قضائي”، وهو ما يتعارض مع كم الاعتقالات الكبيرة التي تمارس، ثم يحال بعدها المعتقلون لقضايا هلامية. واعتبرت العفو الدولية أن الردود مثيرة للسخرية.

مرسي ضمن الملف

ومن المتوقع أيضا أن تتم مواجهة مصر بقضايا أثارت الرأي العام محليًّا وعالميًّا مثل؛ قضية الباحث الإيطالي «جوليو ريجيني»، ووفاة الرئيس «محمد مرسي» في قاعة المحكمة، وتصفية مئات المعارضين بذريعة الحرب على الإرهاب، واعتقال أكاديميين ورجال أعمال وقيادات عسكرية وغيرهم، ووفاة معتقلين بالموت البطيء بسبب ما يتعرضون له من إهمال طبي.

وأوصت تقارير حقوقية بالضغط على الحكومة المصرية من أجل السماح لخبراء الأمم المتحدة بزيارة مصر، والسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية المتخصصة بزيارة أماكن الاحتجاز، والضغط على مصر للتصديق على البروتوكول الاختياري لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، والانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وتشكيل آلية وقائية وطنية من منظمات حقوقية مستقلة، تتولى تنظيم زيارات غير معلنة لأماكن الاحتجاز.

تصاعد الأسوأ

وحسب الدراسة فإن مجموعة العمل الحقوقية (11 منظمة)، قالت إن أوضاع حقوق الإنسان حاليًا أسوأ كثيرًا عما كانت عليه في 2014.

فقبل جلسة الاستعراض بشهر، نفذت أجهزة الأمن المصرية أكبر عملية قبض لمواطنين مصريين أو أجانب، فقبضت على 3000 شخص على الأقل على خلفية مظاهرات محدودة اندلعت يومي 20 و27 سبتمبر.

كما حجبت السلطات المصرية مزيدا من المواقع الإخبارية، منها موقع BBC عربي، وموقع قناة الحرة، فضلا عن توقيف المارة في الشوارع وتفتيش هواتفهم وصفحاتهم على مواقع التواصل.

Facebook Comments