خرجت صحيفة "اليوم السابع" في مانشيت اليوم الأربعاء 27 مايو 2020م تهاجم نقابة الأطباء وجماعة الإخوان المسلمين، وجاء في مانشيت الصحيفة الأمنجية («الأطباء» يشنون حملة ضد محاولات هدم الروح المعنوية للفرق الطبية المواجهة لكورونا.. إحنا جنود على خط النار ومش هنسيب المعركة.. يتهمون نقابة الأطباء بـ«الصيد فى الماء العكر» ويطالبون بتطهيرها من الإخوان.. ويؤكدون: الاستقالات خيانة عظمى.. «الإرهابية» تستغل وفاة طبيب المنيرة لضرب إرادة الجيش الأبيض.. «الصحة»: 1.6% فقط من المصابين من الفريق الصحي.. والإصابات والوفيات ليست قاصرة على مصر).. ونشرت صحيفة "الأهرام" تقريرًا بعنوان: "استقالة طبيب المنيرة.. الجماعة الإرهابية تصطاد في الماء العكر"، وعلى خطاهما جاء التناول الإعلامي لجميع صحف وفضائيات السلطة.

من الذي يهدم الروح المعنوية للأطباء؟

من الذي يهدم الروح المعنوية للأطباء؟ الذي يطالب بتوفير الحماية لهم وجمع الأدوات والمستلزمات التي تحيمهم من الإصابة بالعدوى ليقوموا بدورهم على أكمل وجه؟ أم الحكومة التي تبخل عليهم بالأدوات والمستلزمات وتتركهم فريسة للإصابة بالعدوى؟

وهل الذين يطالبون بعدم التمييز ومنح الأطباء نفس امتيازات ضباط الجيش والشرطة باعتبارهم مواطنين أسوياء أمام القانون هم الذين يهدمون الروح المعنوية للأطباء؟ أم النظام الذي يصر على تكريس الطبقية وتمييز ضباط الجيش والشرطة على الأطباء وباقي فئات الشعب؟ الذين يطالبون برفع بدل العدوى (19 جنيها فقط) ورفع المرتبات الهزيلة للأطباء حتى تتساوى مع ما يحصل عليه ضباط الجيش والشرطة؟ أم النظام الذي يصر على التمييز في المرتبات؟

لم يقل أحد من الأطباء إنهم سيتركون ميدان المعركة ضد العدوى والوباء، لأنهم ببساطة يدافعون عن الشعب ويقدمون الحماية للناس، لكنهم فقط يطالبون حكومة العسكر  بتوفير الأسلحة اللازمة والضروروية للنجاح في هذه المعركة، وإلا فإن الحكومة ترميهم إلى الهلاك بلا ثمن؛ فهل يعقل مثلا أن يتم الدفع بالجندي إلى ميدن المعركة دون سلاح؟ وهل يمكن أن يتم الدفع بالجندي إلى المعركة دون توفير الحماية له وما يمكنه من الفوز في المعركة؟ وإذا سقط هذا الجندي مصابا هل يعقل أن يتم تأجيل علاجه حتى ينزف ويموت بالبطيء؟ ثم إذا رفض الذهاب إلى المعركة بلا سلاح ولا حماية ولا علاج ورهن مشاركته فيها بتوفير هذه الأدوات يتم اتهامه بالخيانة والعمالة؟! تلك إذا قسمة ضيزي.

في مقال أحدهم "متهم بالتحرش بزميلته في صحيفة اليوم السابع المملوكة لجهاز المخابرات العامة"، تساءل دندراوي الهواري "رسالة للأطباء.. لم يتقدم ضابط جيش أو شرطة باستقالته وهو ذاهب للموت في سيناء"! فما هذا التسطيح؟ ولماذا يطمسون الحقيقة ويخفون باقي جوانب الصورة حتى تكتمل أمام القارئ؟ وهل يتم الدفع بضباط الجيش والشرطة إلى سيناء بلا سلاح؟ وهل مرتبات الأطباء كمرتبات الضباط؟ وهل يحصل الأطباء على امتيازات تضاهي الامتيازات التي يحصل عليها الضباط في الجيش والشرطة؟ وهل يتم تكريم شهداء الأطباء كما يتم تكريم ضحايا الجيش والشرطة؟ وهل تحصل أسرة الطبيب الشهيد على نفس المعاش والامتيازات التي تحصل عليها أسرة أحد ضحايا ضباط الجيش والشرطة؟ فلماذا كل هذا التمييز ؟ لماذا كل هذه العنصرية؟ ولماذا يصر النظام على تكريس الطبقية في مصر على نحو مخيف ومرعب؟

ثم من الذي حوّل سيناء إلى أرض الموت للضباط؟ ولماذا يفشل باستمرار في القضاء على التمرد المسلح بها وهم حفنة مئات من المسلحين؟  ألا يجب أولا أن يعلم هذا الهواري الصغير أن المساواة أولا هي التي تجلب الانتماء وأن العدالة هي التي تعصم الدول من السقوط والمجتمعات من التمزق؟ وأن الحرية كفيلة باستخراج كل كوامن القوة والمناعة وتوظيفها لخدمة المجتمع؟ ألا يعلم أن التمييز والعنصرية ونشر الكراهية كفيل بتدمير أي بلد مهما كانت عظمته ومهما كانت قوته؟ فلماذ يصرون على نشر الكراهية؟ ولماذا يصرون على تقسيم بلادنا إلى شعبين: شعب السلطة ومن والاها وهم أقلية تملك كل شيء، وشعب مصر وهم الأكثرية التي لا تملك شيئا؟

بين الطبيب والممثلة

اتضحت بشدة الفوارق الطبقية في حالتي الطبيب وليد يحيى (31 عاما) والممثلة رجاء الجداوي (81عاما)، فرغم إصابة الطبيب وإبلاغ مسئوليه بذلك، بدءا من يوم 18 مايو، إلا أنه ترك بلا رعاية ولا حجر صحي حتى لفظ أنفاسه الأخيرة يوم 23 مايو، أسبوع كامل ترك بلا رعاية ولا مكان للحجر!  وبمجرد الإعلان عن ظهور أعراض كورونا الخفيفة على الممثلة رجاء الجداوي تم عمل مسحة وظهور النتيجة وتحويلها إلى مستشفى الحجر بالإسماعيلية في ذات اليوم! فمن المسئول  عن هذه التمييز وتلك العنصرية؟ ولماذا تجاهل النظام حالة الطبيب وليد واهتم بشدة بحالة الممثلة رجاء الجداوي؟

السر في ذلك أن الطبيب يخدم الشعب أم الممثلة فتخدم النظام؛ ومصالح النظام مقدمة على مصالح  الشعب، لأن نظام العسكر يمارس الاستعباد لجميع فئات الشعب المصري ولا أهمية لأحدهم إلا بمقدار ما يقدمه من خدمات للنظام تضمن بقاءه واستمراره. وعلى هذا الأساس يتم تفضيل ضباط الجيش والشرطة والقضاة ومنحهم امتيازات واسعة على حساب باقي الشعب؛ لأنهم ببساطة جنود النظام. أما الأطباء والمهندسون والمعلمون والفلاحون والعمال فهم يعملون لخدمة الوطن والشعب؛ لذلك يتم هضم حقوقهم ومص دمائهم وتركهم فريسة للعدوى والوباء ينهش فيهم كيفما شاء دون اكتراث من النظام.

البروتوكول القاتل

يتجاهل إعلام العسكر عن عمد ومع سبق الإصرار والترصد أن التعديلات التي أجرتها وزارة الصحة بحكومة الانقلاب على بروتوكول مكافحة العدوى والذي يقضي بوقف التحليل لأفراد الأطقم الطبية من المخالطين للمصابين بفيروس كورونا هي السبب المباشر في هذه الكارثة وتعريض الطواقم الطبية كلها إلى الإصابة بالعدوى. وتحويل جميع المؤسسات الصحية والمستشفيات إلى بؤر لنشر الوباء، بدلا من أن تكون ملاذا للشفاء واحتواء العدوى.

ووصفت النقابة تعليمات الوزارة التي تم الإعلان عنها، مساء الثلاثاء 14 مايو2020م، بأنها "خطيرة جدا؛ لأنها تعني أن عضو الفريق الطبي الحامل للعدوى (قبل ظهور الأعراض) سوف يسمح له بالعمل ومخالطة الآخرين، ما سيؤدي بالضرورة لانتشار العدوى بصورة أكبر بين أفراد الطاقم الطبي، والذين بدورهم سينقلون العدوى لأسرهم وللمواطنين، وبدلا من أن يقدم عضو الفريق الطبي الرعاية الطبية، سيصبح هو نفسه مصدرا للعدوى، مما ينذر بحدوث كارثة حقيقية".

فلماذا لا يتم التعامل بذات القدر من الاهتمام والمساواة بين الطبيب والممثلة؟ ولماذا لا يتم الاهتمام بجميع أفراد  المجتمع على قدم المساواة؟ لماذا كل هذا التمييز والطبقية؟ لماذا تقسمون الشعب الواحد إلى شعبين؟ لماذا تفضلون أصحاب النسور والنجوم اللامعة على باقي فئات الشعب؟ فمتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ ألا تعلمون أن الأموال التي في أيديكم هي ملك للشعب وأن 80%  من الموازنة هي من الضرائب؟ وأن باقي المصادر هي أيضا ملك للشعب وليس ورثا لكم عن آبائكم حتى تتحكموا فيه بالمنح والمنع وفق أهوائكم؟

Facebook Comments