على غير المعتاد، تشهد صحف وإعلام الانقلاب حملة ممنهجة لتشوية فترة حكم الرئيس الشهيد محمد مرسي، بالتزامن مع فشل قائد الانقلاب السيسي في التعامل مع أي من ملفات الامن القومي المصري، بالتنازل عن أمن مصر المائي في اتفاقية سد النهضة، والتنازل عن أرضها في تيران وصنافير وفي غازها بالبحر المتوسط لصالح قبرص والصهاينة، وركوعه للصهاينة وتنفيذ تعليماتهم.

إعلام الانقلاب الذي ينصح المصريين بألا ينبشوا في ماضي أي متوفى من مؤيدي الانقلاب، لم يتورع عن شن حملات هجوم متدنية تتضمن كمًّا هائلاً من الأكاذيب عن الرئيس الشهيد بعدما بدأ المصريون يقارنون بين خيانة السيسي وتنازله عن أمن مصر وأراضيها وسيادتها، وفشله في السياسات الخارجية، فبدأ إعلان الانقلاب في تشويه الحقائق ونشر قصص كاذبة عن تنازلات للرئيس مرسي هي في حقيقتها تنازلات للسيسي.

فالرئيس مرسي كان أول رئيس مصري يُحدث توازنًا في السياسية الخارجية، ويكون له علاقات متعددة مع جميع الدول الكبرى وليس أمريكا فحسب، وأول رئيس يسعى لتشكيل تحالف مع قوى مستقلة مثل تركيا وقطر وماليزيا لتنمية مصر والبعد عن الوصاية الأمريكية، بينما رهن السيسي سياسة مصر للصهاينة والأمريكان وسمح لدولة الاحتلال – بحسب اعترافه بنفسه – بضرب سيناء وانتهاك سيادة مصر، كما سمح بقواعد عسكرية لروسيا وأمريكا.

كيف روّض مرسي الصهاينة؟

على عكس ما فعله السيسي من رهن إرادة مصر للصهاينة والسماح لهم بالعربدة في سيناء وتطوير التعاون لعسكري بين الجيش المصري والصهيوني لأول مرة في التاريخ، رفض الرئيس مرسي مجرد ذكر كلمة (اسرائيل) على لسانه ليؤكد من البداية أن مصر ترفض أي تطبيع مع الاحتلال رغم وجود اتفاق سلام وقعه رؤساء سابقين.

وأزعج هذا الصهاينة الذين بدءوا في تشكيل لواء جديد على الحدود مع مصر خشية تطور الأمور لحرب مستقبلا في ظل حكم رئيس إسلامي لمصر لأول مرة.

وقد أشار لمخاطر حكم مرسي على الدولة الصهيونية موقع “والّا” الإخباري الصهيوني ولخص علاقات تل أبيب والقاهرة إبان حكم الرئيس الشهيد بأنها بلغت ذروة التوتر، مؤكدًا أن الرئيس “مرسي” دعا إبان حكمه (2012-2013) إلى تعديل بنود اتفاقية “كامب ديفيد” للسلام بين مصر وإسرائيل (موقّعة عام 1978).

ولفت الموقع أن الاتفاقية حدت من حرية القاهرة التحرك في شبه جزيرة سيناء، القريبة من حدود قطاع غزة وإسرائيل، شمال شرقي مصر، لهذا سعى الرئيس مرسي لتعديلها كي يتم السماح بحرية الحركة للجيش المصري في سيناء.

وبعد وفاة الرئيس مرسي سمح الصهاينة للسيسي ببعض مما طالب به الرئيس مرسي، ولكن بإدخال قوات وطائرات محدودة لمحاربة تنظيم داعش سيناء، لا لفرض سيادة مصر على كل شبر في سيناء كما كان يسعى الرئيس الشهيد.

وقد ركز خطاب الرئيس مرسي الوحيد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على القضية الفلسطينية، ولم يذكر اسم إسرائيل أبدًا، وأكد الراحل، في أكثر من مناسبة خلال رئاسته؛ أن القضية الفلسطينية تقع على رأس أولوياته.

كما أرسل الرئيس مرسي – لأول مرة -رئيس وزرائه حينها، هشام قنديل، إلى غزة، للتعبير عن تضامنه معها، وهو ما شجع أطرافا عربية ودولية أخرى على اتخاذ خطوات مشابهة، فضلا عن اتخاذ القاهرة إجراءات لتخفيف الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع.

عزيزي بيريز وصديقي نتنياهو!

ولتشويه صورة الرئيس مرسي سعت أطرف الدولة العميقة في الخارجية والرئاسة ممن أبقى الرئيس مرسي عليهم أملاً في اصلاحهم، لتمرير رسالة بروتوكولية عادية ترسل لكافة رؤساء الدول للتهنئة بالمناسبات العالمية، بخطاب إلى الرئيس الصهيوني حينئذ بيريز جاءت فيه العبارة التقليدية (عزيزي) ليستغلها الانقلابيون في التحريض علي الرئيس الشهيد وتشويه موقفه الشجاع من الاحتلال.

حيث نشر مكتب بيريز نص رسالة ودية قال إنها مرسلة من الرئيس مرسي، وجاء فيها إن مرسي “يتطلع إلى بذل أقصى جهد لإعادة عملية السلام في الشرق الأوسط إلى مسارها الصحيح”، ولكن معاوني الرئيس الشهيد نفوا إرسال هذه الرسالة وقالوا إنها “مزورة”.

وقال مكتب الرئيس الإسرائيلي حينئذ إنه تلقى خطابًا عبر الفاكس من السفارة المصرية في تل أبيب، وحمل الظرف الذي يحوي الخطاب الختم الرسمي للسفارة، وقال الخطاب (الذي لم يحمل توقيع مرسي): “أعرب عن شكري العميق لرسالة التهنئة التي أرسلتها بمناسبة شهر رمضان المعظم”!!

ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مسئول إسرائيلي قوله إن مسئولي الرئاسة الإسرائيلية اتصلوا بمسئولي السفارة المصرية لسؤالهم عن إمكانية نشر الخطاب المرسل من مرسي، وجاءهم الرد بالإيجاب ما يؤكد أن المؤامرة كانت محبوكة ومدبرة.

وقد أكد المتحدث باسم الرئاسة ياسر علي أن “الرئيس مرسي لم يرسل أي خطاب إلى الرئيس الإسرائيلي”، واصفًا التقارير بهذا الشأن بأنها “افتراء”، ما يؤكد أن الأمر مؤامرة، إذ كيف يتجاهل مرسي ذكر (إسرائيل) على لسانه ويعتبر الدولة الصهيونية كأن لم تكن ثم يخاطب رئيسها قائلاً: “عزيزي بيريز!!

والحقيقة هي أن اعلام لانقلاب يسعى للتغطية على عماله السيسي للصهاينة التي تجلت في لقائه مع رئيس الوزراء الصهيوني مرتين سرًّا أحدهما في قصر الاتحادية، ثم لقائه علنا مرتين لأول مرة منذ لقاءات السادات ومبارك مع قادة صهاينة.

كما يسعى إعلام الانقلاب للتغطية على تنازل السيسي للصهاينة باستباحة سماء سيناء وأمن مصر القومي بدخول طائراتهم لضرب أهداف في سيناء وقتل مدنيين، والتنسيق لعسكري لأول مرة بين الجيشين المصري والصهيوني، وتعظيم التطبيع مع دولة الاحتلال والسماح لها بإقامة حفل رسمي في فندق قريب من التحرير للاحتفال بقيام الدولة الصهيونية، وترميم وبناء معابد يهودية جديدة في عاصمة السيسي الإدارية التي سيتحصن فيها من أي ثورة مقبلة.

بالمقابل سعى إعلام الانقلاب لعدم ترويج عبارة “صديقي السيسي”.. الكلمة التي تكررت على لسان رئيس الوزراء الصهيوني عدة مرات ليشكر السيسي على مساعدة بلاده في جهود إخماد الحرائق المشتعلة في مناطق متفرقة من المستوطنات، وقيامه بتجريف اراضي سيناء وطرد أهلها كي يحمي حدود دولة الاحتلال من أي هجمات من جهة مصر.

وشكره لغلق الانفاق ومع تهريب السلاح للمقاومة الفلسطينية، وشكره على التعاون الأمني وسماحه ببقاء مسئولي مخابرات البلدين ولقاء كبار القادة وسماحه لطائرات الاحتلال بالعربدة في سيناء وقصف وقتل الأهالي.

أيضًا شكر الصهاينة السيسي ووصفوه بأنه “صديق” و”حليف”، حين التقى قائد الانقلاب يوم 25 فبراير 2019، مع وفد اليهود الأمريكان وتمنى قائد الانقلاب عودة اليهود إلى مصر، وتأكيده: “إذا عادوا سنبني لهم معابد، وتذلل قائد الانقلاب للصهاينة مقابل إعادة اليهود لمصر بطلب مساعدات أمريكية أكبر.

وقد كتب المحلل الصهيوني “تسفي برئيل” في مقال بصحيفة هأرتس يقول أن “السيسي وإسرائيل إخوة.. ولكنه أعرب عن حزنه لأن “مصر وإسرائيل ليسوا إخوة”، و”السيسي يطبع العلاقات مع الصهاينة ولكن الشعب يرفض التطبيع”، بحسب قوله.

وسبق أن كشف تقرير نشرته مؤسسة “كارنيجي للسلام الدولي” عن أن رعب قائد الانقلاب “السيسي” الدائم من احتمال اندلاع أعمال احتجاج واسعة النطاق ضده، دفعته إلى تعزيز تحالفه مع الاحتلال الصهيوني بدلا من تلبية مطالب شعبه.

وذكر التقرير أن “قلقُ نظام السيسي المسكون بهاجس البقاء (في السلطة) هو الذي يُملي في شكل أساسي السياسة الخارجية المصرية في الوقت الراهن”.

وأظهر نتنياهو والصهاينة انبهارهم من حجم تعاون السيسي معهم، واستغربوا هذا التعاون والانبطاح في عشرات التصريحات، واعتبروه صديقهم في مصر بل وصهيونيًا مثلهم، ما يؤكد عماله السيسي.

أيضا سبق أن قال الناطق الأسبق بلسان الجيش الإسرائيلي آفي بنيهو: “السيسي هو هدية منحتها مصر لإسرائيل وعلينا استنفاذ الطاقة الكامنة في التعاون معه إلى أبعد حد، حربه ضد الإسلاميين تجعل لإسرائيل مصلحة في تعزيز نظامه وتثبيت أركانه.. السيسي الوحيد القادر على انقاذ إسرائيل من المقاطعة الدولية؛ حيث بإمكانه الضغط على قيادة السلطة الفلسطينية للعودة للمفاوضات؛ ما يقلص مسوغات فرض المقاطعة”.

وقال الباحث الإسرائيلي أهود عيلام: “إسرائيل ترى في السيسي فرعون صديق لأنه يتعامل مع الإسلاميين بدون أدنى اعتبار لمتطلبات حقوق الإنسان، لذا يتوجب مساعدته وتدعيم استقرار نظامه للحفاظ على اتفاقية السلام”.

وقال وزير القضاء الإسرائيلي الأسبق يوسي بيلي إنن: السيسي سعى لمنع صدور قرار من مجلس الأمن ينص على إقامة الدولة الفلسطينية، وهذه محاولة لمساعدة إسرائيل على عدم توفير الظروف التي تسمح بإقامة هذه الدولة.

وذكر مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي: السيسي يحرص على الشراكة معنا لأنه يعي دور حكومتنا في انهاء المعارضة لحكمه في أمريكا بمساعدة المنظمات اليهودية.

فالجواب الذي سعت الدولة العميقة لإحراج الرئيس مرسي به والذي جاءت فيه العبارة البروتوكولية “عزيزي بيريز” بات هزليًا أمام إعلان نتنياهو رسميا وعلنا “صديقي السيسي”، وسبقه اعتراف السيسي بسماحه بضرب طائرات الاحتلال لسيناء وتعاونه معهم استخباريا وتأكيد نتنياهو أنه اعترض على تسليم غواصات المانية لمصر أثناء حكم الرئيس مرسي وسماحه بها عقب انقلاب السيسي؛ لأن السيسي حبيبه وعميل ويحافظ على أمن الاحتلال بخلاف دوره في صفقة القرن واللقاءات مع رئيس الكيان.

علاقات محايدة مع الغرب والشرق

أيضًا سعى الرئيس مرسي إلى علاقات متوازنة مع الغرب والشرق؛ حيث سعى لترتيب علاقات جيدة مع أمريكا دون معادلة أمريكا القديمة القائمة على إجبار مصر على تقديم خدمات في قناة السويس والتطبيع مع إسرائيل مقابل المعونة وسعى لتوسيع إطار العلاقات مع دول محايدة والسعي لإنشاء مشروعات وطنية مع دول مثل ماليزيا والبرازيل كانت ستدير عجلة الاقتصاد المصري ولا تجعله رهنا للديون كما فعل قائد الانقلاب.

فقد زار مرسي أمريكا وروسيا وحرص على توفير صفقات سلاح للجيش المصري لتطويره، وهي ما استكملها السيسي عقب انقلابه على رئيسه، ولكنه زاد عليها صفقات مشبوهة من فرنسا ودول أخرى للحصول على مقابل الصفقات وهو العمولات المالية الضخمة، بينما رفض الرئيس مرسي تقاضي أي مبالغ على صفقات السلاح بل ورفض تقاضي راتبه.

كما تم استيراد غواصتين من ألمانيا على أعلى مستوى تعطي لمصر بعد انضمامهما للأسطول المصري أفضلية كبيرة على الأسطول الصهيوني؛ لدرجة جعلت حكومة الكيان تعترض لدى نظيرتها الألمانية على الصفقة، وهو ما اعترف نتنياهو لاحقا أنه عرقل الصفقة ولكنه وافق عليها عقب الانقلاب وتولي السيسي صديقه!

وقد أودعت قطر 2 مليار دولار في البنك المركزي المصري كخطوة لانتعاش الاقتصاد المصري من جديد، وتم توقيع اتفاقيات على مشروعات قطرية في مصر بـ18 مليار دولار سيتم تنفيذها في بورسعيد وساحل البحر المتوسط تتضمن مشروعات سياحية وفي مجال بناء السفن.

كما دعمت تركيا مصر بـ2 مليار دولار كوديعة لدى البنك المركزي، وأعلنت مصر والسودان عن افتتاح الطريق الدولي بينهما؛ مما يسهل عملية التجارة والانتقال بين البلدين وكذلك الاتفاق على إقامة مدينتين صناعيتين في السودان باستثمارات مشتركة وزراعة مليون فدان لصالح مصر.

وبفضل جهود الرئيس مرسي جري توقيع 8 اتفاقيات باستثمارات بلغت 5 مليارات جنيه مع الصين اثناء زيارة الرئيس.

وكان الرئيس مرسي يقول إنه لو نقصت قطرة من مياه النيل فدماؤنا هي البديل ليأتي قائد الانقلاب ويتنازل عن كافة حقوق مصر المائية وليس فقط جزءًا من مياه النيل.

Facebook Comments