بكار النوبي
{وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}، هذا ما يمكن وصفه على انقلاب تركيا الفاشل، أمس الجمعة 15 يوليو 2016م.

فقد عاشت تركيا 5 ساعات عصيبة من محاولة انقلاب عسكري، قاده مجموعة من الجنرالات المتعطشين إلى السلطة بعيدا عن الديمقراطية وصناديق الاقتراع، ويريدون السيطرة على الحكم بقوة صناديق السلاح والذخيرة، لا بقوة وشرعية أصوات الناخبين.

ويمكن رصد عدة مكاسب جوهرية للرئيس رجب طيب أردوغان وحكومة "العدالة والتنمية" في تركيا، من وراء هذه المحاولة الفاشلة للانقضاض على الحكم.

تطهير الجيش والقضاء

أول وأهم هذه المكاسب على الإطلاق هو تطهير الجيش والقضاء من الخونة والعملاء، الذين يبسطون ولاءهم لجهات أجنبية معادية لتركيا والديمقراطية التركية، وهو ما أكده الرئيس أردوغان في خطاب له مع الساعات الأولى لبوادر فشل الانقلاب.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في رابع ظهور له منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها الشوارع التركية، مساء أمس الجمعة، خلال مؤتمر صحفي عقد بمطار أتاتورك في إسطنبول: إن تركيا الجديدة تختلف كثيرا عن تركيا القديمة، مؤكدا أن هذا التمرد الذي حدث سيؤدي إلى تنظيف الجيش التركي.

ولم يُضيِّع أردوغان وقتا، فعزلت السلطات التركية، السبت، 5 أعضاء من المحكمة العليا، وأقالت 2745 قاضيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة. وقال رئيس المحكمة العليا إنه ستتم في أقرب وقت محاكمة من شارك في الانقلاب.

وأعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، السبت، عن مقتل 104 من الانقلابيين وإصابة 1440، كما اعتقلت قوات الأمن التركية 2839 عسكريا على ارتباط بهذه المحاولة الانقلابية.

فيما أفادت الشرطة التركية بإقالة 5 جنرالات و29 ضابطا برتبة كولونيل من مهامهم، بأمر من وزير الداخلية "آفكان علي".

وتم توقيف كل من قائد لواء مشاة البحرية البرمائية الأميرال "خليل إبراهيم يلدز" في إزمير، والجنرال "يونس كوتامان" قائد لواء الكوماندوز الـ49 في ولاية بينغول، والجنرال "إسماعيل غونيشار" قائد لواء الكوماندوز الثاني في ولاية بولو، ضمن تحقيقات المحاولة الانقلابية.

وألقت السلطات التركية أيضا القبض على قائد الجيش التركي في إزمير ورئيس أركان الجيش الثالث أكرم جاغلر، مشيرة إلى استمرار حملة الاعتقالات في صفوف الجيش لتطهيره من العناصر الانقلابية.

وضْع حدٍّ للانقلابات العسكرية

وثاني أهم المكاسب هو أن فشل هذا الانقلاب قد يضع حدا للانقلابات العسكرية، ويجعل الأمر بعد عمليات التطهير الجارية للجيش والقضاء من الخونة والعملاء أمرا شديد الصعوبة.

يتفق مع ذلك ما توصل إليه عدد من المحللين الإسرائيليين في أستديو "يديعوت أحرونوت"، في أسباب فشل الانقلاب العسكري في تركيا، مؤكدين أن الحديث يدور عن آخر انقلاب تشهده البلاد تحت حكم حزب العدالة والتنمية والرئيس أردوغان، الذي سيتحول إلى "رئيس قاهر".

واعتبر البروفيسور "درور زئيفي"، الباحث في التاريخ والخبير في الشأن التركي، الذي كان متواجدا بأحد الفنادق القريبة من أنقرة، أن ما حدث "فصل في غاية الأهمية في تاريخ تركيا، ونهاية لمرحلة طويلة للغاية. فمنذ عهد كمال أتاتورك إلى اليوم أعاد الجيش تركيا في كل مرة لمسار الدولة العلمانية الموالية للغرب، والمستنيرة إذا أردتم الدقة. وما حدث أمس في رأيي هو المحاولة الأخيرة من وجهة نظري للجيش في محاولة الحفاظ على التراث الأتاتوركي وإعادة تركيا إلى المسار الذي حدده. انتهت هذه القصة وبدأت أخرى: تركيا تتحول إلى دولة من نوع آخر".

نهاية عصر الفوضى والتفجيرات

أحد أهم المكاسب أيضا هو وضع حد لمرحلة من الفوضى والاضطرابات التي وقعت مؤخرا من تفجيرات وهجمات كان يتم نسبتها إلى داعش أو منظمات إرهابية أو كردية، ولكن مع الانقلاب تأكد أن هذه الفوضى كانت من إعداد هؤلاء الخونة والعملاء في الجيش والقضاء وغيرهما. ولا يستبعد مراقبون أن يكون التفجير الأخير على مطار أتاتورك من صنعهم، وكذلك إسقاط طائرة روسية على الحدود الروسية، خصوصا وأن القائد العام السابق للقوات الجوية "أكن أوزترك" أحد الضالعين في المؤامرة. حيث ربطت قناة سي إن إن التركية بين ما حدث عام 2015 عندما أسقطت القوات الجوية التركية طائرةً حربية روسية لاختراقها المجال الجوي التركي بمحاولة الانقلاب الحالية، قائلة: "لا نستبعد الآن أن هؤلاء الانقلابيين هم مَنْ قاموا بذلك لتوريط تركيا في صراعات مع دول الجوار".
 

Facebook Comments