تقنين القرصنة

 

كتب- محمد مصباح:

 

في انتهاك للخصوصيات وتضييق هامش الحريات أعلن عدد من أعضاء برلمان العسكر، اليوم، تقدمهم باقتراح لمشروع قانون جديد؛ يشترط أن يكون التسجيل على مواقع التواصل الاجتماعي عبر البطاقة الشخصية، مبررين ذلك بسعيهم  لضمان معرفة من يتحدث على هذه المواقع، وتسهيل تتبعه، زاعمين أن مواقع التواصل الاجتماعي "أصبحت ملجأً للجماعات الإرهابية التي تنشر أفكارها عبر حسابات مجهولة يصعب رصدها وتتبع أصحابها".


وكانت داخلية الانقلاب أعلنت سابقا عن مناقصة لتوريد أجهزة لمراقبة مواقع التواصل، الأمر الذي دفع عدة منظمات حقوقية لرفع دعوى قضائية تطالب بوقف هذه المناقصة، لكن محكمة القضاء الإداري قضت الأربعاء الماضي بعدم قبول الدعوى، وأوصت بتأييد قرار وزير داخلية الانقلاب بشراء أجهزة المراقبة.


وفي سبتمبر الماضي أصدرت حكومة الانقلاب قانون جرائم الإنترنت، الذي يتضمن عقوبات رادعة لمن يمارس التحريض على الكراهية عبر الإنترنت، أو زعزعة استقرار البلاد، وهي تهم يصفها حقوقيون بأنها "مطاطة".


وهذا القانون يعد أخطر من القانون المعروض الآن على مجلس النواب؛ لأنه يعطي السلطات الحق في اتخاذ إجراءات ضد أي شخص إذا شعرت من كتاباته على مواقع التواصل الاجتماعي أنه يعارضها".


ويبدو أن حكومة الانقلاب لم تكتف بالطرق التقليدية للرقابة التي تفرضها على الإنترنت خصوصا والاتصالات بوجه عام. تلك الرقابة التي تمحورت لسنوات حول الملاحقات القضائية للمستخدمين بدعاوى مختلفة، تحاول الحكومة تطويرها اليوم لتنتقل إلى مرحلة المراقبة الشاملة للنشاط الرقمي للمستخدمين، ليس فقط ما يتعلق  بالمحتوى العام، بل أيضاً  محادثات ومراسلات الأفراد التي تتم عبر بعض التطبيقات الرقمية مثل “فايبر” و”واتس آب”.


في إطار تطوير استراتيجيتها من الرقابة المحدودة إلى المراقبة الشاملة لأنشطة مستخدمي مواقع التواصل الإجتماعي ومحادثاتهم ومراسلاتهم الشخصية..


وجاء المشروع الذي أعلنت عنه الوزارة تحت عنوان “مشروع رصد المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي- منظومة قياس الرأي العام”…


بين الرقابة والمراقبة


ليست هذه هي المرة الأولى التي تثار فيها قضية المراقبة على المجال الرقمي في مصر، حيث كشف حكم محكمة القضاء الإداري الصادر عام 2011 في قضية قطع الاتصالات خلال أحداث ثورة 25 يناير أن هناك محاولات للمراقبة بدأت وفقاً لأقل التقديرات عام 2008 عندما قامت وزارات الداخلية والاتصالات والإعلام بمشاركة شركات المحمول بإجراء بعض تجارب المراقبة كانت إحداها في 6 أبريل عام 2008 والأخرى في 10 أكتوبر 2010.


وقد استهدفت التجربتان قطع الاتصالات عن مصر وكيفية حجب بعض المواقع الرقمية، وأسلوب منع الدخول على شبكة الإنترنت “لمدينة أو لمحافظة أو لعدة محافظات” ، وكذلك إبطاء مواقع رقمية محددة، ووضع خطة لسرعة الحصول على بيانات مستخدمي الشبكة عقب استخدامها خلال فترة لا تقل عن ثلاثة أشهر.


أيضا أصدرت ذات المحكمة حكماً في عام 2010 بصدد مراقبة خدمة رسائل المحمول المجمعة “BULK SMS”،  حيث قضت بوقف تنفيذ قرار الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بإخضاع خدمة الرسائل النصية القصيرة المجمعة للرقابة المسبقة أو اللاحقة، وبحظر تعليق مباشرة الشركات المرخص لها لنشاطها المتعلق بتقديم تلك الخدمة على وجوب الحصول على موافقات مسبقة قبل تقديم الخدمة تقوم على (رقابة محتوى الرسائل) محل الترخيص من أية جهات.


كما كشفت بعض الوثائق التي تم تسريبها من داخل مقرات مباحث أمن الدولة التي تم اقتحامها من قبل بعض المواطنين في أعقاب اندلاع ثورة يناير عن محاولات للحكومة المصرية لشراء تقنيات تمكنها من التجسس على بيانات وأنشطة مستخدمي وسائل الاتصال الرقمية، وذلك من إحدى الشركات المتخصصة في صناعة هذه البرمجيات والتي تسمى “مجموعة جاما الدولية”.


باستثناء الحالات السابقة فقد اقتصرت محاولات السلطات المصرية للسيطرة على الفضاء الرقمي خلال حقبة ما قبل عام 2008 وحتى الآن على مطاردة النشطاء قضائيا. كانت هذه الملاحقات تتم بمناسبة استخدام النشطاء شبكات التواصل الاجتماعي. مثل المدونات وتويتر وفيسبوك وغيرها. واعتمدت أغلبها على نصوص قانونية متفرقة في قانون العقوبات المصري، وفي قوانين عقابية أخرى صممت خصيصاً لمواجهة ما يسمى “جرائم النشر”. وعلى الرغم من عدم النص صراحة على تضمين وسائل النشر الرقمية ضمن وسائل النشر المنصوص عليها في هذه القوانين العقابية، إلا أن الأخيرة كانت من المطاطية بمكان لتسمح بوقوع النشر الرقمي تحت طائلة القانون.


جدير بالذكر أن مشروع مراقبة شبكات التواصل الاجتماعي المطروح من قبل وزارة الداخلية مخالف للمبادئ الدولية الخاصة بتطبيق حقوق الإنسان فيما يتعلق بمراقبة وسائل الاتصالات، ومن أهم هذه المبادئ، مبدأ “التناسب” ومفاده أن القرارات بشأن مراقبة الاتصالات يجب اتخاذها بموازنة المكاسب المنشود تحقيقها بالضرر الذي ستحدثه في حقوق الفرد، وكذلك بالأهداف الأخرى المتعارضة مع أهداف المراقبة، وينبغي أن تؤخذ في الحسبان حساسية البيانات ودرجة فداحة الانتهاك الواقع على الخصوصية.


أما المبدأ الثاني الذي يخالفه القرار المطعون فيه فهو مبدأ “الضرورة” ومؤداه أن القوانين التي تسمح بمراقبة الاتّصالات من قِبل الحكومة يجب أن تقصر المراقبة على القدر الأدنى الممكن بيان ضرورته لتحقيق غرضٍ مشروع.


خلاصة ما تقدم، فإن الدولة المصرية بهذا المشروع تتجاوز ليس فقط الحدود الواردة في التشريعات المصرية بشأن الخصوصية، بل أنها تتجاوز الدستور ذاته، حيث لن ينتظر المراقبون إذن قضائي بالمراقبة واختراق خصوصيات الأفراد، ولن ترتبط المراقبة بفترة محددة، فضلا عن أنها سوف تتم سواء كانت هناك ضرورة لذلك أم لا. وهو ما يشكل تهديداً خطيرا لحقوق وحريات الأفراد، هذا التهديد لن يزال فقط بتطوير المستخدمين لتقنيات مضادة للتجسس والمراقبة، بل قبل ذلك بتغيير الإرادة السياسية لدائرة الحكم في مصر والتي ترمي لمصادرة منصات النشاط الرقمي.

Facebook Comments