رغم أن دولة العسكر تنكر وجود تعذيب في السجون والمعتقلات ومقرات الاحتجاز في أقسام الشرطة، وتزعم أن التقارير الحقوقية سواء المحلية أو الدولية التي تكشف جرائمها، تتضمن اتهامات مفبركة، وأن السجون تحترم حقوق الإنسان وتوفر للمعتقلين كل احتياجاتهم الضرورية والأساسية، ولا تمنع عنهم الزيارات، وتوفر لهم الرعاية الطبية.

إلا أن التقرير السنوي للمجلس القومي لحقوق الإنسان، التابع لنظام الانقلاب الدموي، اعترف بوجود تعذيب تمارسه سلطات العسكر بضوء أخضر من قائد الانقلاب الدموى عبد الفتاح السيسي، داعيا إلى تعديل تجريم التعذيب وسوء المعاملة في قانون العقوبات؛ بهدف تغليظ العقوبات على المدانين بارتكاب جرائم التعذيب.

كما اعترف بوجود تقييد وتضييق، ليس على المعقلين فقط بل على الحريات العامة في البلاد.

وأوضح التقرير، الذي يُغطي الفترة من مايو 2018 حتى يوليو 2019، أن الفترة التي رصدها شهدت وقوع انتهاكات وتضييقات رغم ما وصفه بالمعالجات وتدابير المحاسبة المتخذة، منوها إلى أن هناك فئات كثيرة من الضحايا لا تنطبق عليهم صفة المتهم، مثل المشتبه بهم أو أقارب المتهمين الذين يُستغلون للضغط على المتهم.

ولفت إلى أن هناك أماكن احتجاز غير خاضعة لأي إشراف من جانب السلطات القضائية، مثل مستشفيات الأمراض العقلية، مشدّدا على ضرورة استقلالية الطب الشرعي في ضوء دوره الحاسم في توجيه قضايا التعذيب وتزويده بالإمكانيات التي يحتاج إليها للنهوض بمسئولياته.

وأكد التقرير أن الحريات العامة في البلاد تعرضت لتضييق المجال العام من خلال تدابير وإجراءات ذات طبيعة تقييدية، أوجدت إحساسا عاما بتراجع هامش الحريات على نحو كبير، مشددا على أن البلاد بحاجة إلى مزيد من الإجراءات والتطبيقات لإفساح المجال أمام حريات التعبير والتجمع والتنظيم.

جريمة ضد الإنسانية

من جانبها اتهمت منظمة “هيومن رايتس ووتش” قوات أمن وشرطة الانقلاب بممارسة التعذيب ضد المعتقلين السياسيين بشكل روتيني، باستخدام الضرب والصعق بالكهرباء وحتى الاغتصاب أحيانا.

وقالت المنظمة، في تقرير لها تحت عنوان “هنا نفعل أشياء لا تصدق: التعذيب والأمن الوطني في مصر تحت حكم السيسي”، إن التعذيب الواسع النطاق والمنهجي من قبل قوات أمن الانقلاب قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية.

وكشف التقرير عن تفاصيل الأساليب المعتمدة في التعذيب والتى تستخدمها قوات أمن وعناصر وضباط الأمن الوطني التابع لداخلية الانقلاب لحمل المشتبه بهم على الاعتراف أو الإفصاح عن معلومات، وفى حالة عدم الاعتراف يتم تعذيبهم حتى يعترفوا بأشياء لا يعرفوا عنها شيئا.

وقالت المنظمة، إنها اعتمدت في مضمون تقريرها على مقابلات أجرتها مع 19 معتقلا سابقا تعرضوا للتعذيب بين عامي 2014 و2016، فضلا عن محاميي الدفاع وحقوقيين مصريين. كما اطلعت على عشرات التقارير حول التعذيب، أصدرتها منظمات حقوقية ووسائل إعلام مصرية.

وجاء في التقرير أن المنظمة وثقت تقنيات التعذيب في مراكز الشرطة ومقرات الأمن الوطني في جميع أنحاء دولة العسكر، وأن معتقلين سابقين أبلغوها أن جلسات التعذيب شملت “صعق المشتبه به بالكهرباء في أعضائه التناسلية وهو معصوب العينين ومجردا من ملابسه ومقيد اليدين”.

وأضاف أن عناصر الأمن أخضعت المشتبه بهم للصفع واللكم والضرب بالعصي والقضبان المعدنية ما لم يدلوا بالإجابات المطلوبة.

واتهم جو ستورك، نائب المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في “هيومن رايتس ووتش”، نظام الانقلاب باعتماد عمليات التعذيب، مؤكدا أن السيسي أعطى ضباط وعناصر الشرطة والأمن الانقلابي الضوء الأخضر لاستخدام التعذيب كلما أرادوا.

خطوط تجميع

وحمَّلت صحيفة “الجارديان” البريطانية نظام عبد الفتاح السيسي مسئولية انتشار التعذيب والانتهاكات الإنسانية ضد المعتقلين في سجون العسكر، مؤكدة أن ظاهرة التعذيب في المعتقلات أصبحت بمثابة وباء يحصل بطريقة ممنهجة من قبل أجهزة نظام الانقلاب.

وقالت الصحيفة، في تقرير لها، إن عبد الفتاح السيسي أعطى الضوء الأخضر لجهاز الشرطة وأجهزة أمن الانقلاب من أجل استخدام أساليب التعذيب دون أي محاسبة أو ملاحقة.

وكشفت عن أن الاعتقالات العشوائية وعمليات الاختفاء القسري، واستخدام التعذيب ضد كل من يشتبه في أنهم معارضون للنظام، باتت ممارسات شائعة لدى الشرطة والأجهزة الأمنية، ما خلق حالة من اليأس في صفوف المصريين بسبب غياب العدالة.

وأشارت الصحيفة إلى أن وباء التعذيب الذي انتشر في دولة العسكر تطور إلى درجة أنه أصبح يتم في إطار “خطوط تجميع” على غرار المصانع، يتم فيها استخدام تقنيات متنوعة مثل الضرب، والصدمات الكهربائية، والوقوف في وضعيات غير مريحة، وأحيانا الاغتصاب على يد عناصر الأمن، وهو ما يرقى إلى مرتبة الجرائم ضد الإنسانية.

واعتبرت أنّ مساعي السيسي المندفعة لفرض الاستقرار السياسي بأي ثمن، منحت الأجهزة الأمنية خاصة وزارة داخلية الانقلاب وجهاز أمن الدولة الحرية الكاملة في ارتكاب نفس الانتهاكات التي أدت سابقا لاندلاع ثورة 25 يناير 2011.

وأكدت الصحيفة أنه منذ الانقلاب العسكري في يوليو سنة 2013، اعتقلت سلطات العسكر وحاكمت ما لا يقل عن 70 ألف شخص. وتمت محاكمة الآلاف منهم أمام القضاء العسكري، وصدرت أحكام إعدام في حق المئات منهم. في المقابل، تعرض الكثيرون للاختفاء القسري لأشهر داخل أروقة الأجهزة الأمنية.

صعق بالكهرباء

وقال “كرم ناصر”، معتقل سابق، إنه اعتقل من أمام مقر عمله بإحدى الهيئات التابعة لمحافظة الجيزة، وتم اقتياده لمقر تابع للأمن الوطني الانقلابي على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي.

وأكد أنه تعاقب على تعذيبه عدد من الضباط والمخبرين بالضرب بالسياط والصعق بالكهرباء، وإجباره على تناول الملح بكميات كبيرة مع منعه من شرب المياه عدة أيام، موضحا أنه فقد 30 كلجم خلال شهر ونصف قضاها بالمقر الصحراوي، وما زالت آثار التعذيب بادية على جسده.

وأوضح ناصر أنه قابل عددًا من الذين تم تعذيبهم داخل السجن، مثل عادل حبارة الذي تم إعدامه في ديسمبر   2016وكذلك المتهمين بقتل النائب العام والنائب العام المساعد.

الداخل مفقود

وقال سيد مرسي، أحد أعضاء تنظيم بيت المقدس: إنه تعرض للتعذيب في سجن العازولي الحربي بالسويس، حيث ظل فيه 45 يوما قبل ترحيله لسجن الاستقبال بالقاهرة، موضحا أنه سبق اعتقاله قبل ثورة يناير 2011، وسُجِنَ بعدد من السجون إلا أنه لم يشاهد مثل سجن العازولي الحربي، والذي يرفع فيه المعتقلون شعار: “الداخل مفقود والخارج مولود.”

وكشف مرسي عن أنه شاهد أربعة معتقلين ماتوا أمامه نتيجة التعذيب على يد ضباط المخابرات الحربية الذين يجاهرون بمعصية الله وتحديه، وأن أحدهم قال له: “لو نزل الله لما أنجدك مني”!.

وعن أشكال التعذيب أوضح أنها تتنوع بين السجن في زنازين تحت الأرض ومنعهم من النوم لأيام متصلة، ومنع الأكل والشرب عنهم، وضربهم بكل ما يقع بأيدي الضباط والعساكر، وصعقهم بالكهرباء في أماكن حساسة، وتشريح بعض أجزاء الجسم لإجبارهم على الاعتراف وأكد أن عددا من المعتقلين تعرضوا للاعتداء الجسدي المباشر، وفي بعض الأحيان كان يتم سجنهم مع كلاب بوليسية وثعابين وعقارب سامة، مشيرا إلى أن الإنسان ليس لديه قيمة عندهم، حتى طبيب السجن لا يختلف في إجرامه عن الضباط الذين يقومون بالتعذيب.

مسئولية قائد الانقلاب 

وقال علاء عبد المنصف، مدير منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان، إن هناك مسئولين من الناحية القانونية عن جرائم التعذيب والاعتقالات والقتل والتصفية وانتهاكات حقوق الانسان، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر بأسباب تحتاج للدقة والتحري مثل التعذيب والانتهاكات والإهمال الطبي المتعمد، ومنع الطعام الصحي ومنع الزيارة والتريض، مؤكدا أنّ هناك مسئولية على السيسي وكل من شارك معه فى الاعتقالات التعسفية وما ترتب عليها من إخفاء قسري أو تعذيب أو غيره.

وأضاف عبد المنصف، في تصريحات صحفية، أنه بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية، فرغم أن دولة العسكر غير مصدقة على اتفاقية روما الخاصة بالمحكمة، إلا أنه يمكن إيجاد مخارج  قانونية من قبيل تبني منظمة دولية مصر عضو فيها مثل مجلس حقوق الإنسان، أو المفوضية الأممية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، على أن تحيل هذه الجهة الأمر لمجلس الأمن لرفع الأمر للجنائية الدولية ومجلس الأمن، ويمكنه أن يحيل للجنائية الدولية أو يعقد محكمة خاصة يشكلها المجلس، على أن يتأكد المدعي العام بالجنائية الدولية، أن الجرائم التي ارتكبها السيسي ونظامه تدخل في اختصاص المحكمة.

وبالنسبة لمسألة تعاطف الجهات الحقوقية الدولية في هذا السياق، أكد رئيس منظمة السلام الدولية لحقوق الإنسان، أن هذه الجهات كافة تتبنى مثل هذه القضايا رغم ما تتعرض له من ضغوط، ولكن دورها يدور حول البيانات والتوثيق وإصدار الإجراءات القانونية المتعلقة بهذا الأمر، أما تحميل هذه الجهات أكثر من حجمها، فهذا يعد ظلما لها، ولكنها فيما تصدره وتوثقه أكثر إنصافا من قضاء السيسي.

Facebook Comments