19 يونيو 2019، خرج فرعون الانقلاب عبد الفتاح السيسي وسط جمع من عبيد البيادة ووقود الانقلاب، متوسطًا مقصورة استاد القاهرة الدولي، في محاولة بائسة لاكتساب احترامٍ لا يستحقه، ومقامٍ يفتقده منذ دهس إرادة الشعب واستباح الدم، وتسلطت العدسات على رأس العصابة لإلقاء كلمة افتتاح كأس أمم إفريقيا، غير أن صوته بدا وكأنَّ صاحبه مصابٌ بالشلل، وتحوّل سيناريو اصطناع الهيبة إلى مشهد كوميدي انتزع آهات الملايين وتصدّر مقاطع السخرية على مواقع التواصل.

المشهد الهزلي لم يتوقف عند سخرية القدر من عصابة العسكر، وإنما بدت الصورة أكثر سوداوية بعد 22 دقيقة فقط، عندما ردت الآلاف من الجماهير المصرية على الانقلاب، على وقع دوي هتاف يزلزل أركان الملعب، “أبو تريكة.. أبو تريكة”، ليتحول منذ تلك اللحظة الرقم 22 إلى كابوس يؤرق النظام الفاشي.

إرهابي القلوب

محمد محمد محمد أبو تريكة، أمير القلوب ونجم الأهلي ومنتخب مصر وصاحب الألقاب والأرقام والإنجازات والمواقف والمبادئ، الذي أدرجته بلاده على قوائم الإرهاب بحكم قضائي مشئوم، محكمة جنايات القاهرة، على ذمة القضية رقم 653 لسنة 2014 حصر أمن دولة عليا، مقرونًا بوضعه على قوائم المنع من السفر وترقب الوصول، وسحب جواز السفر، وتجميد الأموال، بات أيقونة للصمود ضد العسكر، ورمزًا لدى الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج.

تحوُّل أبو تريكة إلى تميمة ثورية لدى الجماهير، دفع آلة القمع إلى الدوران بأقصى طاقاتها من أجل فرض الحصار على “الهتاف”، واعتقال عشاق أمير القلوب، فنشرت المخبرين والمليشيات في مدرجات ملاعب البطولة، من أجل التربص بكل من تجاهل مشير الدم وهتف “يا يا يا يا تريكة”.

صنع في مصر

7 نوفمبر يوم جديد لتجديد الحب، والتذكير بأن محاولات الانقلاب لشيطنة الرمز، وتشويه الأيقونة لن تمر إلى قلوبٍ مسها الشوق، وليشهد “تريند” تويتر وثورة مواقع التواصل على حالة العشق التي فرضها أبو تريكة في يوم مولده على الجميع، من مختلف الطوائف والأعمار والجنسيات، الكل اتفق في يوم مولد أمير القلوب على المباركة، ورفض الحكم الانتقامي لشامخ العسكر، وتأكيد أن أسطورة الكرة المصرية سيبقى شوكة في حلق السيسي.

وفي الوقت الذي كانت مليشيات العسكر تكمم أفواه الجماهير، كان تريكة يقدم درسًا مجانيًّا للسيسي في حب مصر، “الشعب المصري متعرفش تضحك عليه، اللي بيخرج من القلب بيوصل للقلب، مصر لو طلبت عينيا وقلبي أنا تحت أمرها”.

ابن ناهيا، تلك الضاحية المنسية على هامش الجيزة، العصامي الذي قهر الظروف العصية وارتقى في سلم المجد، لم يترك لقبا أو رقما في كرة القدم إلا وحققه لمصر ولناديه وحتى في تجربته القصيرة في الإمارات، ولكن الحديث في يوم مولده ليس عند أهدافه الحاسمة، أو مراوغاته الممتعة، وإنما عن مواقف ومبادئ صنعت تلك الأسطورة وحفرت هذا الحب في نفوس الجميع.

أمير الكويت

لم يمض كثير من الوقت على تصنيف تريكة إرهابيًّا من دولة العسكر، وعلى الرغم من دعم الكويت لانقلاب السيسي، إلا أن أمير البلد الخليجي وجد نفسه أمام رمز حقيقي رفض 50 ألف يورو مقابل المشاركة في مباراة نجوم العالم، تقديرًا لعروس الخليج في نفوس المصريين، ليقوم الأمير برد الجميل ومصافحة الرمز، وسط هتافات مدوية في المدرجات، في مشهد أعيا إعلام العسكر، وأَسَالَ الكثير من الحبر الأسود ضد الموقف الكويتي.

مدرج الخضر

عندما تحركت مليشيات السيسي في مدرجات مباريات مصر، وترصدت بكاميراتها الجماهير في الدقيقة 22 لتعتقل من يردد هتافات لأمير القلوب، خرج الصوت عاليا من أنصار الجزائر “الله أكبر.. أبو تريكة”، ليقف العسكر مكتوفي الأيدي أمام تلك الظاهرة، وأصبح صاحب عقلية الـ50% غير قادر على مواجهة الموقف إلا بترحيل 27 من أنصار بطل “الكان”.

حب الجزائر لتريكة لم يكن وليد الصدفة، وإنما استوطن القلوب منذ قرر نجم الكرة المصرية كسر حصار غزة في عام 2008، رافعا شعار “تعاطفا مع غزة” عقب إحراز هدف مصر في شباك السودان في أمم إفريقيا، ليلفت أنظار العالم إلى القطاع المحاصر، في مشهد أحرج طواغيت العرب، وشحن معنويات الشعب الصامد في الأراضي المحتلة.

نسور قرطاج

لم يكد المدرج الجزائري يقول كلمته، حتى صدح الجمهور التونسي بالهتاف لأيقونة الكرة العربية، حتى أصبح عسكر مصر في موقف لا يحسد عليه، فالبطولة التي كان هدفها الأول تلميع السيسي وتبييض وجه الانقلاب، انقلبت إلى ثورة في حب إرهاب القلوب، وباتت السيطرة على حالة العشق لعدو مشير الدم أمرًا مستحيلا.

جمهور نسور قرطاج لم ينس إنسانية اللاعب الخلوق، والتي كشف المعلق الشهير عصام الشوالي عن أنها شعبية لم يصنعها فقط سحر أبو تريكة، وإنما كانت البدايات منذ 2006، عندما أحرز الأسطورة ركلة الفوز بأمم إفريقيا، وانطلق في أرجاء الملعب كاشفًا عن قميص “إلا رسول الله”، ردًّا على الرسوم الدنماركية المسيئة لرسول الله.

من الأطلس إلى النشامى

الهتاف لأمير القلوب انتقل مثل النار في الهشيم في ملاعب بطولة إفريقيا، بعدما دخلت جماهير أسود الأطلس على الخط، تقديرا لمواقف إرهابي القلوب الإنسانية منذ وطأت أقدامه العشب الأخضر، وحتى قرر تعليق الحذاء، والتي ستصاب معها بالإرهاق إذا قررت تتبعها أو حصرها، فقرر أنصار المنتخب المغربي صفع العسكر ورد كيد السيسي في نحره، واستمر الهتاف مدويًا عقب الكان، ليتردد في بلاد النشامى، احتفالا بمشاركة الأيقونة في اعتزال النجم “فادي لافي”.

فلسطين العشق

“الجماهير تنادي.. تريكة مش إرهابي”.. هتاف جماعي في فلسطين، اتفق عليه الفتحاوي والحمساوي، وتناقلته الجماهير من الضفة إلى القطاع، حيث يعد هذا الإرهابي في قوانين بلده، هو المعشوق الأول في بلاد المرابطين.

في يوم مولدك يا تريكة، يتجدد الحب، ويقف الجميع لتأمل مسيرة هذا النجم الثابت على المبدأ، والذي رفض مصافحة المشير حسين طنطاوي، بعدما تلطخت يداه بدماء شهداء الأهلي في بورسعيد، وتقبل الإيقاف والغرامة من ناديه بعدما تمسك بعدم لعب مباراة السوبر، لتأخر تطبيق العدالة بحق مجرمي مذبحة ملعب المصري، والذي احتفظ بالصمت أمام حملات التشويه والتلطيخ ومصادرة الأموال والنفي خارج البلاد، دون أن يمس مصر بسوء، ولم يستسلم لابتزاز إعلام السيسي، وبقيت أرقامه وأهدافه وإنجازاته وألقابه ومواقفه والحفاوة التي تصاحبه كلّما حل وارتحل والتكريمات الدولية، شهودا على إنسانية الفارس النبيل وخسة سفاح الانقلاب السيسي.

https://www.youtube.com/watch?v=ZK9rFkZYK5c

Facebook Comments