“ناقص ينزّلوا سجن طره على “بوكينج دوت كوم”.. بهذا الكلمات سخر الكاتب الصحفي وائل قنديل من المشهد العبثي الذي شهده سجن طره سيئ السمعة، قبل ساعات قليلة، في محاولة بائسة من النظام الفاشي لتجميل صورته السوداء أمام العالم، خاصة إذا تعلق الأمر بملف حقوق الإنسان.

قنديل واصل السخرية من الكوميديا السوداء التي تنم عن ضحالة عقلية عسكر الانقلاب، والتي يبدو أنها جاءت ضمن خطوات الرد على التقارير الأممية حول اغتيال الرئيس الشهيد محمد مرسي داخل زنازين السيسي، قائلا: “لطيف فيلم السجون الفاخرة بعد تقرير الأمم المتحدة عن أن نظام السجون قتل الرئيس مرسي، لن تكون مفاجأة لو وضعت السلطات سجن طرة ضمن أكثر عشرة مقاصد سياحية في مصر”.

كلاكيت لا نهائي

ولمن لم يتابع ما جرى اليوم في سجن طره، يمكن أن يستدعى سيناريو فيلم «البريء» قبل نحو 34 عاما، لرائد الواقعية عاطف الطيب، والذي حاول تجسيد مأساوية مؤسس الحكم الفاشي في مصر جمال عبد الناصر، عبر إزاحة الستار عن سلخانات التعذيب في زنازين العسكر، والقتل الممنهج لمعارضي دولة القمع.

ذروة الدراما السوداء في فيلم «البريء»، رسخها انتقال كاميرا عاطف الطيب من مشاهد تعذيب الشباب، وإذلال المعارضين، وصراخ المصريين في سجون الاستبداد، إلى استقبال وفد حقوقي للتفتيش على الزنازين، والوقوف على معاناة المعتقلين، فتفتح الكاميرات على صنوف الطعام وتوفير سبل الرفاهية، لتصدير صورة مزورة عن حقوق الإنسان المهدرة تحت حكم الطاغية.

وعلى الرغم من سخرية السينما من جهل العسكر قبل 3 عقود، إلا أن هذا لم يمنعهم من استدعاء نفس المشهد البائس، قبل نحو 6 سنوات، على وقع تفتيش منظمات حقوق الإنسان لسجون السيسي، بوفد ضم حافظ أبو سعدة وناصر أمين وراجية عمران، للتأكد من تطبيق المعايير الحقوقية على جميع النزلاء دون تمييز، عقب شكاوى وجود مخالفات داخل السجون.

ولأن عقلية طالب الـ50% غير قادرة على الابتكار أو التطوير أو التجديد، قررت وزارة داخلية الانقلاب، اليوم الاثنين، وبعد زيارة 2013، تنظيم أضحوكة “المنتدى الثالث للسجون” بحضور نواب برلمان السيسي وممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وأمام عدسات وسائل إعلام محلية ودولية.

الأمم المتحدة

عدسات وسائل الإعلام التقطت مشهدا تمثيليا لـ”شيف” يصنع وجبات “كباب وكفتة” شهية للمعتقلين، وفي الخلفية تنوعت صنوف الفاكهة والمشروبات الغازية، والحلويات الشرقية والغربية، في مقاطع خرجت إلى الشاشة مصحوبة بترجمة إلى الإنجليزية، في دلالة على أن الخطاب موجه إلى المنظمات الغربية، وغير معني بأي حال بالشعب المقهور خلف الزنازين وخارجها.

إذًا ما الذي تغير لتكرار المشهد الهزلي المكرر؟ الجديد هنا أن الأمم المتحدة وبعد طول صمت، خرجت ببيان كاشف على لسان آنييس كالمار، المقررة الخاصة المعنية بحالات الإعدام التعسفي وفريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، عن أن نظام السجون في مصر أدى مباشرة إلى وفاة الرئيس الشهيد محمد مرسي.

البيان الأممي اعترف أن مرسي غُيب في ظروف لا يمكن وصفها إلا بأنها وحشية، ووضع رهن الحبس الانفرادي لمدة 23 ساعة في اليوم، وأُجبر على النوم على أرضية خرسانية، وحُرم من العلاج المستمر لمرض السكري وارتفاع ضغط الدم.

وكشف بيان “كالمار” عن أن خبراء الأمم المتحدة حصلوا على أدلة موثوقة من مصادر مختلفة تفيد بأن الآلاف من المحتجزين في سجون السيسي يعانون من انتهاكات جسيمة، وقد يتعرضون لخطر الموت.

سمعة سيئة

إعلام السيسي منذ خروج بيان الأمم المتحدة إلى النور، بدا وكأنه أصابه مس، فخرج يتخبط متهما مصادره بأنها إخوانية، وراح يمدح في رفاهية وجمال الزنازين في بلد القمع، وحشد العسكر كاميراته ومريديه من أجل الرقص على جثث الشباب، ومحاولة تبييض وجه الانقلاب الأسود.

غير أن السيسي الذي يكافح في الداخل لغسل عاره، بات يمثل نموذج القتل والقمع والاستبداد حول العالم، ولم يعد قادرا لا هو، ولا آلته الإعلامية النازية، على مواجهة الاتهامات التي باتت تمثل المادة الخام لعقد مقارنات مع مشاهد الدم والقمع حول العالم.

صحيفة “إندبندنت” البريطانية، رصدت تطورات التظاهرات في العراق، عبر تحليل الكاتب باتريك كوبيرن بعنوان “كيف تسيطر “الميليشيات” المدعومة إيرانيا على العراق: طهران لديها دوما خطة”، قائلا: «الميليشيات” المدعومة من إيران تطلق الرصاص على المحتجين العراقيين لمحاولة إبعادهم عن قلب العاصمة بغداد وإنهاء الاحتجاجات، على طريقة السيسي».

وشدد على أن «المذابح التي تجري في العراق للمتظاهرين مشابهة للتكتيكات التي استخدمها السيسي في مصر عام 2013 لسحق المظاهرات المناهضة لانقلابه العسكري الذي أطاح بالحكومة المنتخبة».

ضحك كالبكاء

فيديو الهيئة العامة للاستعلامات، حول رفاهية سجون السيسي، التي تنافس إعلانات المنتجعات السياحية والتجمعات السكنية “الكومباود”، صاحبته حملة من السخرية والضحك على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنه ضحك كالبكاء.

أحمد مرسي– نجل الرئيس الشهيد محمد مرسي- علق على المشهد الهزلي قائلا: «عندي مجرد سؤالين اتنين بس: ١-مصلحة السجون مصدقة الصورة اللي بتصدرها دي؟!.. ٢-النيابة العامة مصدقة الصورة اللي شافتها دي؟!، طيب أسامة اللي في العقرب منذ ٣ سنوات، ولم تتم زيارته إلا مرة واحدة، وجنازتين حضرهما- جنازة والده وجنازة أخيه الصغير- ده نحطه فين في الصورة الجميلة بتاعتكم!”.

وقال أستاذ العلوم السياسية أحمد بدوي، في تصريحات صحفية: «الكل عارف إنهم كدابين، وهما عارفين إنهم كدابين، يوجد تعذيب في سجون مصر، وتوجد معاملة غير آدمية للكثيرين، ويوجد ناس كتيره مسجونة ظلم، وناس طيبة ماتت وبتموت بدون وجه حق جوة سجون مصر. ليه نقبل إن الكذب بالشكل الساذج والفج ده يكون سمة من سمات الدولة المصرية؟”.

ولم يذهب عز الكومي، رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى سابقا، بعيدا عن سابقه: «قام سدنة أمن الدولة بهذه الزيارة الفاضحة لمحاولة تبييض وجه النظام في هذا المحفل الدولي الهام، زد على ذلك هناك منظمات إيطالية من المحتمل أن تطرح ملف الطالب المقتول ريجيني، فضلا عن قيام كالمار المفوضة الأممية بطرح ملف قتل الرئيس محمد مرسي”.

وختم الكاتب أسعد طه، المشهد الكوميدي: “ما هي الشروط المطلوبة للالتحاق بسجن مزرعة طره؟”.

Facebook Comments