انطلقت، اليوم الأحد، الانتخابات الرئاسية المبكرة التونسية، بعد وفاة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، الذي توفي قبل نهاية ولايته في 25 يوليو الماضي، تحت حراسة عسكرية وأمنية مشددة، حيث جنّدت السلطات أكثر من 30 ألف جندي و70 ألف شرطي، لتأمين عملية الانتخاب.

وتجري الانتخابات الرئاسية الثانية بعد ثورة يناير 2011 بمشاركة 26 مرشحا، انسحب اثنان منهم من السباق لصالح مرشح آخر. ويفترض أن يتوجه نحو 7 ملايين تونسي مسجلين في سجلات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات يحق لهم الإدلاء بأصواتهم.

ويبلغ عدد مراكز الاقتراع 4 آلاف و567 مركزًا، من بينها 13 ألف مكتب اقتراع، و304 مراكز اقتراع بالنسبة للخارج، تتضمن 384 مكتب اقتراعٍ. ووصل عدد المراقبين إلى 1200 مندوب، تم انتدابهم من قبل الهيئة، يضاف إليهم 350 منسقا محليا، ليرتفع العدد إلى 1550 مراقبا سيتولون مراقبة الحملة طيلة الفترة الانتخابية.

ويتوقع أن تشهد عمليات التصويت خلال الساعات القادمة مزيدا من الإقبال وحركية أكبر مما هي عليه في الساعات الأولى لانطلاق عملية التصويت، خاصة أن العديد من التونسيين اعتادوا التوجه إلى مكاتب الاقتراع مع الظهيرة أو بعدها، فيما يفضل البعض المساء أو قبيل غلق المكاتب.

المال السياسي

وزادت المخاوف في الشارع التونسي من دخول المال السياسي في حملات الدعاية للمرشحين في الانتخابات الرئاسية، وما فاقم القلق الكشف عن تمويلات مالية مشبوهة من الإمارات في المعركة الانتخابية.

ولا يخفي رجال الأعمال وكبار المتعاملين الاقتصاديين في تونس دعمهم لمرشحي الانتخابات الرئاسية، حيث لا تخلو حملات المترشحين من مختلف الأحزاب السياسية من حضور بارز لشخصيات اقتصادية نافذة، فيما تظل الأرقام المالية التي يضخها رجال الأعمال في حسابات الأحزاب والمترشحين مخفية، رغم قوانين الرقابة الصارمة على حسابات الأحزاب والحملات الدعائية وسط تحذيرات من التأثيرات السلبية الخطيرة للمال السياسي الداخلي والخارجي.

كما لا يخفي مراقبون ومرشحون قلقهم من تسرب المال الأجنبي القادم من دول تسعى إلى التأثير على العملية الانتخابية في تونس، وخاصة من الإمارات.

وكشف المرشح المستقل للرئاسية ورئيس الحكومة الأسبق (2011 – 2013)، حمادي الجبالي، الأحد الماضي، عن تسرب مال سياسي خارجي قائلا: إن "الإمارات تخرق السيادة الوطنية بالإملاءات والمال والإعلام".

وأضاف الجبالي أن "السيادة التونسية تبنى على القيم التي أتت بها الثورة ونصرة الشعوب وحقوق الإنسان".

ويلعب المال السياسي الخارجي والدعم اللوجستي والمادي الذي يقدمه رجال الأعمال دورًا مهمًا في الانتخابات التونسية، فيما تسعى هيئة الانتخابات ومنظمات المراقبة المدنية إلى تقفّي أثر هذه الأموال والحد من تأثيرها أو تأثير الأموال الأجنبية على أصوات الناخبين.

وأكد عضو منظمة شبكة مراقبون (منظمة مدنية لمراقبة الانتخابات) محمد مرزوق أن الانتشار الميداني لمراقبي الشبكة أكد وجود فوارق كبيرة في تمويل الأحزاب، مشيرا في تصريح صحفي إلى مرشحين يملكون إمكانات "مهولة" تكشف حجم الدعم المالي الذي تتلقاه أحزابهم.

وقال مرزوق: إن الشبكة أعلمت هيئة الانتخابات بشكوك حول تسرب مال سياسي خارجي تمت ملاحظته من الإمكانات المالية الكبيرة التي تم تسخيرها في حملات بعض المترشحين، وفق تأكيده.

انحياز رجال الأعمال

في الوقت الذي لازم فيه الصمت منظمات الأعمال وعدم الكشف عن المرشح الذي تدعمه للانتخابات الرئاسية، إلا أن أعضاء من مكتبها التنفيذي وهياكلها القطاعية لا يجدون أي حرج في الدعم الواضح لهذا المرشح أو ذاك، عبر مشاركته في تنقلاته أثناء الحملة الانتخابية أو في حضور الاجتماعات العامة التي تنتظم في هذه الفترة.

فمن جانبه، يقول عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة رجال الأعمال) عبد السلام الواد: إن المنظمة لم تصدر أي موقف رسمي من المترشحين، غير أن أعضاء من داخل المكتب حددوا خياراتهم بصفة شخصية ويدعمون المرشح يوسف الشاهد على سبيل المثال.

قائلا: إن دعم المرشحين لا يقف عند المشاركة في الحملات الانتخابية أو الحضور في الاجتماعات، بل تمتد مساعدة رجال الأعمال إلى مجالات أخرى لمساندة مرشحهم.

وقبل انطلاق الحملة الانتخابية نشرت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بيانًا، بخصوص سقف التمويل الانتخابي بالنسبة للانتخابات الرئاسية في دورتيها الأولى والثانية، بعد أن كانت رئاسة الحكومة قد أصدرت، يوم 27 أغسطس الماضي، أمرًا حكوميًّا يتعلق بتحديد السقف الإجمالي للإنفاق على الحملة الانتخابية وسقف التمويل الخاص، وبتحديد سقف التمويل العمومي وضبط شروطه وإجراءاته بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وحسب بلاغ هيئة الانتخابات، قدرت الهيئة السقف الإجمالي للإنفاق على الحملة الانتخابية للمترشح الواحد في الدور الأول من الرئاسيات بـ1.768 مليون دينار، أي نحو 618 ألف دولار، منها 1.414 مليون دينار كتمويل خاص.

وبخصوص الدور الثاني من الرئاسيات أوضحت هيئة الانتخابات أن السقف الإجمالي للإنفاق على الحملة الانتخابية للمترشح الواحد في هذا الدور الثاني حُدد بـ1.061 مليون دينار، منها 848 ألف دينار تمويل خاص.

فيما يرى مراقبون أن الانتقال الديمقراطي في تونس "مهدد بالمال السياسي ولوبيات الفساد والتدخل الأجنبي في الحياة السياسية"، وأشاروا إلى أن الهيئة لاحظت كثيرا من الانحرافات في مستوى "اصطفاف بعض الأحزاب وراء الأجنبي وتحرك بعض السفارات الخارجية للتأثير على الحياة السياسية التونسية".

إلا أنَّ الأجهزة الأمنية التونسية كشفت، في وقت سابق، عن تدخلات إماراتية في الشأن التونسي، بهدف إدخال حركة النهضة في أزمات سياسية مع القوى التونسية الأخرى. وكشفت مجلة "أسرار عربية" عن مخطط إماراتي تقوده بعض الجهات في تونس لإفشال تجربة حكومة النهضة وتعاونها مع يوسف الشاهد، عبر تفجيرات وترتيب أموال وإفقار متعمد.

Facebook Comments