تصريحات قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي حول اتساق مواقفه وسياساته مع اليونان أمس الاثنين، يؤكد أنه ماض في مزيد من التفريط في ثروات مصر لكل من هب ودب؛ فقد فرط السيسي في ثروات مصر من الغاز لليونان وقبرص والكيان الصهيوني، وقبل ذلك فرط في حصة مصر المائية لإثيوبيا وتلاها بالتفريط في جزيرتي "تيران وصنافير" للسعودية وهو ما يخدم الكيان الصهيوني أكثر من غيره.

وتلقى قائد الانقلاب أمس اتصالا هاتفيا من رئيس الوزراء اليوناني كرياكوس ميتسوتاكيس. وبحسب المتحدث باسم الانقلاب فقد تناول  الاتصال 4 قضايا: أولها بحث التعاون المشترك في مكافحة انتشار وباء كورونا المستجد. وثانيا، استئناف الزيارات المتبادلة على مستوى كبار المسئولين فور عودة حركة الطيران الدولي وفتح الأجواء. ثالثا وهو الأهم التأكيد على اتساق المصالح والمواقف المشتركة بين البلدين في منطقة شرق المتوسط، مع التشديد على أهمية منتدى غاز شرق المتوسط باعتباره يمثل أحد أهم الأدوات التي تعزز آفاق التعاون بين دول المنتدي في مجال الطاقة والغاز، وتحويل الموارد الكامنة في المنطقة لفرص استثمارية واعدة لصالح الشعوب والأجيال القادمة. ورابعا، بحث التطورات الاخيرة في القضية الليبية، حيث تم التوافق على رفض التدخل من قبل أطراف خارجية في الأزمة الليبية، والذي لم يزد القضية إلا تعقيداً ولا يحقق سوي المنفعة الذاتية لتلك الأطراف علي حساب حقوق ومصلحة ليبيا وشعبها الشقيق وإرادته الحرة، مما يهدد أمن واستقرار منطقة الجوار الاقليمي الليبي بأسرها امتداداً لأوروبا، ومن ثم حتمية تكاتف جهود المجتمع الدولي من خلال دعم المساعي الأممية ذات الصلة وكذا تنفيذ مخرجات عملية برلين لتسوية القضية.

تنازل وتفريط

وكان رئيس الانقلاب بدأ اغتصابه للحكم بتوقيع الاتفاقية الإطارية لترسيم الحدود البحرية المصرية مع كل من قبرص واليونان (برغم رفض الحكومة المصرية توقيعها منذ 2006)، وبدون الأخذ في الاعتبار حقوق القبارصة الأتراك، كما أن تقسيم تلك الحدود ينتقص من المياه الاقتصادية لتركيا لحساب اليونان، الأمر الذي قابلته تركيا بعدم الاعتراف بتلك الاتفاقية التي تمت لأغراض سياسية واضحة.

وأسفر الترسيم عن تنازل مصر عن مساحة تعادل ضعف مساحة دلتا النيل في مصر، كما صرح الدكتور نايل الشافعي المحاضر في معهد ماساتشوستس للتقنية وأحد المهتمين بقضايا الغاز، حيث أوضح أن حقول ليفياثان الإسرائيلي وإفروديت القبرصي يقعان ضمن المياه الاقتصادية المصرية الخالصة، وبتوقيع السيسي على الاتفاق مع قبرص يكون قد اعترف بالتنازل عن حقوق مصر في تلك الثروات، كما أسفر ذلك التنازل عن منح اليونان منطقة اقتصادية خالصة لجزيرة كاستلوريزو (المتنازع عليها مع تركيا)، فيتحقق بذلك تلامس حدود اليونان مع قبرص، ويؤدي هذا الإجراء لتلاصق الحدود البحرية لكل من إسرائيل وقبرص واليونان، بما يسمح بتمرير أنبوب للغاز الإسرائيلي والقبرصي لأوروبا دون أن تدفع إسرائيل وقبرص أي رسوم لمصر.

وثائق تفضح السيسي

وكانت شبكة “الجزيرة” قد كشفت في ديسمبر 2019م،  عن وثائق تفضح كواليس ترسيم الحدود بين مصر واليونان، والتي تم إقرارها بداية ٢٠١٨، وتُظهر الوثائق اعتراض   وزارة الخارجية  بحكومة الانقلاب على الاتفاقية وما تتضمّنه من شروط مُجحفة تُمثّل تضييعًا لحقوق مصر لحدود مصر المائية. حيث كشفت الوثائق خلافات بين الجانب المصري واليوناني، وتوصية “الخارجية” المصرية لرئاسة الانقلاب برفض الطرح اليوناني لترسيم الحدود البحرية بين البلدين.

وشملت الوثائق مذكرة من وزير الخارجية “سامح شكري” للعرض على “السيسي”، حول الخلافات بين الجانبَيْن المصري واليوناني، وتؤكد أن تمسُّك اليونان برؤيتها يؤدّي لخسارة مصر ٧ آلاف كلم مربع من المياه الاقتصادية المصرية، من بينها ٣ آلاف كلم مربع مقابلة للسواحل التركية، موصيًا الرئاسة برفض المقترح اليوناني.

وضمّت الوثائق التي نشرتها “الجزيرة” وثيقة أخرى للمستشار القانوني في وزارة الخارجية “عمرو الحمامي“، موجهةً لـ “شكري”، يتهم فيه اليونان باللجوء لـ “المغالطات والادعاءات الواهية والأساليب المُلتوية”، ويتهم اليونان بتعمّد استغلال التوافق السياسي بين البلدين لإحراج الوفد المصري الذي يستند لحججٍ قانونيةٍ قويةٍ. فيما ضمّت وثيقة ثالثة رد الفعل الرسمي لمؤسسة الرئاسة على لسان “عباس كامل” مدير مكتب “السيسي”، والذي كشف تجاهل وتعمُّد تضييع حقوق مصر في حدودها البحرية، حيث طالب بتكثيف التحركات الدبلوماسية لتوطيد العلاقات مع اليونان وقبرص، في تجاهل واضح لتوصيات “الخارجية”.

مصالح مصر مع تركيا

ووفقا للباحث خالد فؤاد، المتخصص في العلاقات الدولية، وقضايا الشرق الأوسط، فإن  "نية إسرائيل جادة، في تنفيذ خط غاز (East Med)، مع اليونان، وقبرص، وهو ما يعني خسارة مصر لدورها المستقبلي كمنصة إقليمية لتصدير الغاز الطبيعي، وليس من مصلحة مصر أبدا إنشاء هذا الخط، وهذا يعني أن مصر على أقل تقدير، لا يجب عليها أن تقوم بتسهيل إنشاء الخط الذي سيقضي على أحلامها مستقبلا".

فاليونان طامعة في السيطرة الكاملة على كثير من حقوق مصر في غاز شرق المتوسط والخطة التي تعرضها لترسيم الحدود تضر بمصالح مصر وتحرم القاهرة وأنقرة من حقوقهما في ثروات شرق المتوسط. وبحسب فؤاد فإن الخط المزمع تنفيذه، يمر من قبرص إلى اليونان مباشرة، ولا يدخل ضمن الحدود المصرية، وهو ما يحرمها من الحصول على رسوم المرور، بينما تركيا تعتمد سياستها على أن اليونان ليس لها أي حقوق اقتصادية في تلك المنطقة، وأن الحقوق مقسمة ما بينها وبين مصر، وليبيا، لذلك فمصلحة مصر في هذه النقطة تحديدا مع تركيا.

وكان رئيس الانقلاب قد أبرم اتفاقية لاستيراد الغاز المصري والفلسطيني الذي تنهبه حكومة الاحتلال بأعلى من السعر العالمي بقيمة 20 مليار دولار على مدار 15 سنة. وبالتالي فإن  نظام الطاغية السيسي لا يعتمد في سياسته لإدارة ملف شرق المتوسط، على رؤية تحقق الأمن القومي، أو المصالح الاقتصادية، بقدر ما يعتمد على توافقات مع حلفائه، وداعميه الدوليين والإقليميين خاصة إسرائيل وقبرص واليونان، وهو ما يؤدي إلى عدم استقلالية القرار السياسي من جهة والتفريط في ثروات مصر ومصالحها من جهة ثانية من أجل تعزيز شرعية النظام الذي  اغتصب السلطة عبر انقلاب عسكري منتصف 2013م.

Facebook Comments