يكاد يُجمع خبراء على أن استمرار المفاوضات بين الدول الثلاث (مصر، إثيوبيا، السودان) لا يبدو مجديًا لجميع الأطراف؛ فهي تهم القاهرة، في حين لا تهم السودان كثيرا، وتبدو تكلفة لازمة لنجاح مشروع السد بالنسبة لأديس أبابا؛ فالمفاوض الإثيوبي لديه قناعة راسخة بأن مشروع سد النهضة واستخدامه في مجال الطاقة الكهرومائية يعد مسألة حياة أو موت بالنسبة للإثيوبيين، الذين يعيش أكثر من 70% منهم بدون كهرباء.

وعليه لا ينبغي أن تشغل إثيوبيا نفسها بمثل هذا النوع من التفاوض في المقام الأول، ولكن ببساطة يكفيها إبلاغ دولتي المصب، وتتولي هي مسألة ملء السد؛ حتى لا يتسبب في إحداث ضرر كبير.

أما المفاوض السوداني فلا يزال موقفه يتّسم بالغموض، وهو غموض موروث عن فترة البشير، فلم يحدث تغيُّر حقيقي في الموقف السوداني تجاه المفاوضات، وهو غموض يرجع في جزء منه إلى أن الخرطوم لا تتضرر بصورة كبيرة جراء بناء إثيوبيا للسد. في حين نجد أن المفاوض المصري يواجه طرفين معا؛ فالقاهرة ترى أن السد يمثل ضررًا كارثيَّا لها، إلا في حال ربط تشغيل سد النهضة والسد العالي في أسوان؛ بهدف الحفاظ على ارتفاع المياه في بحيرة أسوان عند مستوى 165 مترًا فوق مستوى سطح البحر، بينما ترى إثيوبيا أن مثل هذا الطلب “غير مبرر وغير معقول وغير علمي”؛ حيث يجعل من سد النهضة مجرد مشروع خاضع في تشغيله للسد العالي في أسوان”.

كما طلبت القاهرة أن يكون الحد الأدنى المضمون من التدفق السنوي للمياه، هو 40 مليار متر مكعب من النيل الأزرق، فيما ترى إثيوبيا أن هذا الطلب غير علمي وغير مقبول. ومن ثم يبدو أن المفاوض المصري لديه آمال كبيرة ولا يملك أيا من أوراق الضغط التي يمكن أن تمكنه من تحقيق آماله، في حين يبدو أن المفاوض الإثيوبي قد حزم أمره، ولم يعد ينتظر سوى مرور الوقت، بينما يلزم المفاوض السوداني غموضه المحايد غير واضح المعالم.

خيانة السيسي لشعبه

وعلى الرغم من التصريحات العنترية التي يبديها السيسي ونظامه الانقلابي من حين لآخر بشأن سد النهضة، إلا أن كثيرا من الدوائر تؤكد مشاركة السيسي في سيناريو خيانة المصريين بالترتيب مع الدوائر الصهيونية لتوصيل مياه النيل لإسرائيل.

ووقّع السيسي اتفاقية المبادئ لسد النهضة بالخرطوم في 2015، متجاهلا تحذير مستشاري مؤسسات سيادية؛ لأنها تعني موافقة مصر على بناء السد دون التزامات من إثيوبيا.

وانتهت إثيوبيا من بناء القسم الأكبر من سد النهضة الذي تقيمه على النيل الأزرق، بعدما استمرت المحادثات مع القاهرة بشأن المشروع منذ 2011، وليس هذا أول طموح لإثيوبيا على حساب جيرانها ناحية مصب نهر النيل. ومصر تعترف بأحقية إثيوبيا في أهدافها التنموية، لكنها تؤكد أن المياه مسألة حياة أو موت، غير أن الاعتبارات المصرية لا تؤثر على الموقف الإثيوبي بشكل فعال.

فلا تزال إثيوبيا تصرّ على ملء الخزان في ثلاث سنوات، بينما تحاول مصر تمديد المدة إلى سبع سنوات، كي لا تعاني صدمة شحّ المياه بشكل مفاجئ، خصوصا وأن مصر تصنّف في عداد “الفقر المائي” فعلا، من دون أن تقيم إثيوبيا سد النهضة، فبينما يحتاج الفرد الواحد إلى ألف متر مكعب سنويا، فإن نصيب المصري حاليا لا يتجاوز سبعمائة متر مكعب، وستمائة في تقديرات أخرى.

ولكن خطاب نظام الانقلاب المصري فيما يتعلق بالأزمة بائس ومزرٍ إلى أبعد الحدود، ففي وقتٍ تستقوي فيه مصر باليونان على جارتها بالضفة الأخرى من المتوسط، تركيا، بشأن حقول الغاز في المتوسط، فإنها لا تستطيع إلزام رديفها الإثيوبي بأوليات القانون الدولي المائي الذي يمنع دول المجرى من الإضرار بدول المصب.

ويقرر لمصر حقها في 55.5 مليار متر مكعب من المياه، بموجب اتفاقية تقاسم مياه النيل عام 1959، بل الأدهى أن نظام عبد الفتاح السيسي أمضى على اتفاقية “إعلان المبادئ” مع إثيوبيا، وألقى بحقوق مصر في الغاز والنفط لإسرائيل واليونان وقبرص مجانًا في اتفاقية “ترسيم الحدود” البحرية.

تماما كما باع جزيرتي تيران وصنافير، بما لهما من أهمية استراتيجية كبرى، للسعودية وإسرائيل، وهو نفسه الذي اعتبر حل أزمة المياه والموت فقرًا في “تحليف القسم” لرئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، أمام الكاميرات بأن “لا يؤذي مصالح مصر”، وكأن ما تسعى له إثيوبيا بالدماء منذ عشرات السنين سيتخلى عنه آبي أحمد بترديد كلماتٍ عربيةٍ لا يفهمها أمام المصورين.

لا تقلّ عبثية المشهد عن عبثية تعليقات السيسي أخيرا في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة، وهو يحمّل مسئولية أزمة سد النهضة، لا على قراراته و”الأيمان” البلهاء التي اقتطعها من إثيوبيا، بل على الثورة المصرية والرئيس الشهيد محمد مرسي.

هذا، رغم أن قراره “الشخصي” توقيع اتفاقية الخرطوم في العام 2015، فيما أجمعت تحذيرات مستشاري الأمن القومي والمخابرات العامة ووزارات الخارجية والدفاع والري على أن توقيع الاتفاقية يعني موافقة مصر على بناء سد النهضة من دون التزامات أو ضمانات من الطرف الإثيوبي.

لكن السيسي حينها أكد قدرته على “استعمال تأثيره الشخصي على المسئولين الإثيوبيين والرأي العام الإثيوبي”. وهذه الثقة الهوجاء في “التأثير الشخصي” أفضت بمصر إلى التنازل عن البند الخامس من الاتفاقية نفسها، المتعلق بقواعد الملء الأول وتشغيل السد، وهي التي تضع الآن 90 مليون مصري على حافّة الموت عطشَا، إذا نفّذت إثيوبيا قرارها بملء السد في ثلاث سنوات.

ومع تعزيزها قدرات قواتها وسلاح الجو، أخيرا، عبر اتفاقيات عدة لتطوير تسليحها، جديدها صفقة المقاتلات الروسية المتطورة فئة “سوخوي سو35” بقيمة مليوني دولار، إلا أنه غير متوقع أن تدخل مصر صراعا عسكريا مع إثيوبيا.

بل يشير مراقبون إلى إنشاء مصر سحارات سرابيوم من غرب قناة السويس إلى شرقها، مرورًا من أسفل القناة وبعرض 60 مترًا، كان مقرّرًا أن تنقل مليار متر مكعب من المياه إلى سيناء، وانتهى بناؤها في أقل من ثلاث سنوات.

فإذا وُضع هذا بجانب تهجير مائة ألف مواطن من بدو سيناء، وتجاهل وجود ترعة السلام وسحارة ترعة السلام التي كان يمكنها توصيل المياه إلى سيناء، لو كان هذا هو المقصود فقط.

ولو نظرنا أيضا إلى مشروع الرئيس الراحل، أنور السادات، في العام 1979، في توصيل المياه إلى إسرائيل بتفريعة من النيل إلى سيناء، فيبدو أن “البلاهة” التي يتعامل بها النظام المصري مع مشروع إثيوبيا تقف وراءها مخططات أخرى، منها مساومة المصريين على الموت عطشَا أو تمديد ملياري متر مكعب مياه إلى إسرائيل.

Facebook Comments