كان المؤتمر الفكري الذي نظَّمته جماعة الإخوان المسلمين، يومي السبت والأحد الماضيين، مليئًا بالأطروحات التي يجب التوقف عندها، ومنها كلمة المفكر الإسلامي محمد أحمد الراشد، الذي نبّه خلال مؤتمر “أصالة الفكر واستمرارية المشروع” الذي نظَّمته جماعة الإخوان المسلمين يومي السبت والأحد الماضيين، إلى استهداف الولايات المتحدة الأمريكية للجماعة (أكبر تجمع بشري سني منظم في العالم)، يعاونها الحكام المستبدون وجهل ثلة من الشعوب رسخ لهذه المظالم.

وأشار إلى أن من أكبر مميزات دعوة الإخوان انفرادها بأنها الوحيدة في العالم الإسلامي التي تتمتع بتنظيم واحد وفكر واحد، وإذا استثمرنا تلك الميزة فسوف يكون في ذلك خير كبير للإسلام والمسلمين.

جاءت كلمات المشاركين لتؤكد تمسك شعوب الأمة الإسلامية بحقها في التحرر من قبضة الطغيان والاستبداد، واختيار حكامها عبر آليات ديمقراطية ترتضيها وتتوافق عليها.

كما أكدت رفض جماعة “الإخوان المسلمين” بثوابتها ومنهجها الوسطي والسلمي لكل أشكال العنف والتطرف فكرا وسلوكا أيا كان مصدره أو مبرره، فضلا عن رفض الجماعة احتكار أي شخص أو حزب أو جماعة تمثيل إرادة الشعوب أو الحجر عليها أو تزييفها أو ممارسة الوصاية عليها، ، معلنة أنهم جماعة من المسلمين وليس جماعة المسلمين.

ولم يفت الجماعة تأكيد إدانة قيام الأنظمة الديكتاتورية بممارسة الاستبداد ضد شعوبها المطالبة بحقها في نيل حريتها، ومطالبة القوى السياسية والنخب الفكرية والثقافية وكافة المهتمين بالشأن العام الالتقاء حول إطار عريض ينطلق من المقومات الأساسية لمجتمعاتنا؛ سعيا للتعاون في المتفق عليه وهو كثير، والحوار في المختلف فيه وهو قليل، وذلك من أجل الصالح العام للأمة.

منهج تربوي

وأشار د.طلعت فهمي، المتحدث الإعلامي للجماعة، إلى أن الجماعة عملت بجهد عامين ونصف العام لإنتاج منهج يقوم على كتاب الله وسنة رسوله، يتسع لأسس التربية عند الإخوان وأهداف الجماعة بعد بناء الفرد إلى “تكوين البيت المسلم”، وتحقيق ذلك من خلال مهارات التواصل والحوار والإعداد التربوي للفرد على مستوى البيت، بأداء واجبات الأسرة في هذا الصرح العظيم الذي هو الإسلام.

وعن إشكاليات العمل والرد على الشبهات، أكد أهمية التزود بمهارات القيادة والإدارة والتخطيط التي راعاها منهج البناء التربوي، تلمسا للتعلم على المستوى الفكري والعالمي.

وشدد على أن الجماعة أحرص على ألا تصم الآذان أو تعيش في عالم مغلق، مضيفا أنه لا يوجد عند الإخوان حساسية للاستماع والاستفادة من أي تجربة، والقدرة على كسب أفراد جدد للدعوة، والإسهام في البناء الداخلي للدعوة.

ظل التهديد

وقال القيادي في الجماعة الإسلامية في لبنان عماد الحوت: إن “المؤتمر يأتي في ظل التهديد الذي يواجه هوية الأمة، وفي ظل الالتباس في صورة جماعة الإخوان بسبب تشويه ممنهج”. وأضاف الحوت: “المؤتمر يأتي للإجابة على عدة أسئلة أبرزها: من هي الجماعة وما هو دورها ولمن تتوجه؟”.

وأشار إلى أن شكل الدولة التي تريدها الجماعة “هي دولة نظام وليست دولة سلطة، والتي تقوم على العدل والمساواة والشراكة والمنطلقات المجتمعية”. وذكر أن رسالة الجماعة هي “الدعوة والبيان للوعظ والإرشاد، والدعوة لإعداد الإنسان، والنضال لإصلاح الدستور والحكومة والجهاد لتحرير الأوطان”. وأكد الحوت أن جماعة الإخوان “ليسوا طلاب سلطة لكنهم لن يتهربوا من المسئولية”.

متمسكون بالسلمية

ومن أبرز المبادئ التي ركز عليها المؤتمر، لا سيما على ألسنة قيادات الجماعة الأم، تمسكها بالسلمية ونبذها العنف والتطرف، وأشار الأمين العام للجماعة د.محمود حسين، في دراسة بعنوان “منهج الإخوان المسلمين في الإصلاح والتغيير”، ضمت 14 فصلا تغطي المفاهيم النظرية والجوانب العملية، خلص فيها إلى أن جماعة الإخوان بريئة من ادعاءات العنف والإرهاب؛ لأنه ليس أمر سياسة أو مناورة، بل أمر دينٍ وعقيدة.

وأكد الدكتور محمود حسين، أن المرحلة الحالية التي يعيشها الإخوان تتطلب أعلى درجات اليقظة فيما يتعلق بقضية الإصلاح والتغيير، خاصة مع التحديات الجمة التي يواجهها الإخوان والحركة الإسلامية بشكل عام، فبعد أن خاض الإخوان تجربة ديمقراطية حقيقية في مصر بعد ثورة يناير 2011، وصلت بهم إلى سدة الحكم عام 2012، هالهم حجم الفساد الذي ينهش مؤسسات الدولة ويلتهم ثروات الشعب، وحاولوا الإصلاح ما استطاعوا، ولكن هذه الرؤية الإصلاحية اصطدمت بمنظومة الدولة العميقة التي عجلت بانقلاب عسكري على الرئيس المنتخب ديمقراطيا. ثم عادت بالبلاد إلى ما كانت عليه- بل أسوأ- من توغل للفساد والاستبداد في كل أركانها.

الدعوي والسياسي

وحول اتهام البعض للإخوان بأنها دعوة سياسية أو ما سمى بلغة الإعلام (إسلام سياسي)، وأن لهم من وراء ذلك مآرب أخرى، أكدت الجماعة أن “اغتيال الرئيس الشهيد محمد مرسي ليس مستبعدا أن يكون تم عقابا له على دوره في دعم أهل غزة ضد الصهاينة وتهديده بأنه  لن يترك غزة وحدها”، كما أشاد بإصرار المرشد د.محمد بديع على إظهار دعم الإخوان المستمر لقضية فلسطين، وتشديده على أن اعتقال الإخوان جاء لأنهم أهم من كان يقف في وجه مخططات تصفية القضية الفلسطينية.

وجاءت كلمته في إطار تقدير دور الإخوان المسلمين في دعم قضية فلسطين منذ إرسال الإمام الشهيد حسن البنا كتائب الإخوان لمحاربة الصهاينة عام 1984 وحتى الآن. لافتا إلى أن على الإخوان تكثيف جهودهم في الاهتمام بالقضية الفلسطينية في المرحلة الحالية التي تحاك فيها مؤامرات رهيبة لتهويد الأرض والقضاء على المقاومة.

قضايا الأمة

ومن واقع الكلمات ناقش المشاركون في حوارات مفتوحة موقف جماعة الإخوان من القضايا العادلة، مثل القضية الفلسطينية، والبعد الإنساني في دعوة الإخوان، ودورها في دعم حقوق الشعوب ومناصرة الأقليات المسلمة”. ونظروا لموقفها من بناء الدولة، وموقفها من المواطنة، ونظرتها لحقوق الآخر المخالف لها في المعتقد والموقف، ومدى قناعتها بالديمقراطية والتداول السلمي المتحضر للسلطة.

وأجاب المؤتمر عن العديد من الأسئلة التي تخص حركة الإخوان، ومنها: “ما ملامح المشروع الذي تطرحه الجماعة؟ وما التحديات والأخطار التي تحيط بهذا المشروع؟ وهل هناك فرص لنجاحه على أرض الواقع؟ وما منهج الإخوان في الإصلاح والتغيير؟ ولماذا تتمسك الجماعة بالوسائل السلمية للتغيير وتؤكد بصورة مستمرة نبذ العنف؟”.

وأورد رد الإمام البنا على ذلك بقوله: “ويعلم الله أن الإخوان لم يكونوا يومًا غير سياسيين ولن يكونوا يوما غير مسلمين، وما فرقت دعوتهم يوما بين السياسة والدين، ولن يراهم الناس في ساعة من نهار حزبيين، ومحال أن يسيروا لغاية غير غايتهم أو يعملوا لفكرة سوى فكرتهم، أو يتلونوا بلون غير الإسلام الحنيف”.

وأضاف: “نقول بكل وضوح: إن المجال السياسي لدى جماعة الإخوان لا ينفك عن المجال الدعوي، و”الدعوي” بغير “السياسي” لا يصلح ولا يصح، كما أن مجال “السياسة” لا يتحقق بغير نور “الدعوة” وضيائها؛ فهناك علاقة ترابط وتناغم  بين المجالَين، لا ينفصل أحدهما عن الآخر في نظر الإسلام، والدولة الإسلامية المنشودة في مفهوم الإخوان (دولة رسالة وإدارة وبناؤها والتوصل إليها يكون بالوسائل المكافئة، وذلك من أولى واجبات الجماعة”.

فقه المآلات

ووجه المراقب العام لإخوان سوريا د.حكمت وليد، إلى أهمية عودة الاعتبار إلى فقه المآلات الذي استخدمه الإمام البنا في ترجيح المصالح وهو “فقه ما تؤول إليه نتائج الحكم وعواقبه من خلال حسن النظر إلى الواقع استشرافا للمستقبل وعدم الوقوع في الإفراط والتفريط”، ومثاله فداء أسرى المسلمين من العدو ببذل المال له (المفسدة هنا تقوية العدو بالمال والمصلحة المقدمة هنا استنقاذ الأسرى من القتل)، والمثال الآخر هو اعتبار رفع شعار تطبيق الإسلام أمرًا غير ذي أولوية ولا ينبغي اتخاذه منهجًا لأنه باعتبار المآلات سيؤدي إلى إجهاض مساعي الإصلاح من بدايتها، ويتبين لنا في هذا الخصوص أنه لا يسلم من الوسائل إلا ما رجحت مصلحته على مفسدته وأي وسيلة ولو كانت مباحة أدت إلى نتائج غير محمودة في الحال أو المآل يجب العمل على سدها.

والمثال الأوضح في هذا السبيل يتمثل في السؤال الهام: هل يفرض الحكم الإسلامي قوانينه على جميع أفراد المجتمع بغض النظر عن ديانتهم وتوجهاتهم الفكرية والسياسية؟ والجواب أنه لا يجوز ذلك للتوجيه القرآني بعدم الإكراه في الدين أولا وكذلك باعتبار المآلات وموازنات القوى الدولية. ثانيا ولأن ذلك سيؤدي إلى إثارة المجتمع الدولي، كما سيؤدي إلى إثارة حفيظة هؤلاء الذين يشعرون أنهم مواطنون من الدرجة الثانية ويجعلهم ينادون بإلغاء النظام كلية أو بالتدخل الأجنبي وهذا أيضا مفسدة كبيرة.

العمل الجماعي

ورصد همام سعيد، المراقب العام الأسبق للإخوان بالأردن، في ورقة بحثية حول أهمية العمل الجماعي ومشروعيته والفكر التنظيمي في منهج الإخوان، 11 عائقا أمام الدعوة في الوقت الحالي:

أولا: المؤامرات العالمية على الإسلام والمسلمين

ثانيا: التشويه المتعمد للعلماء والدعاة العاملين للإسلام.

ثالثا: تشويه الجماعات الإسلامية وإلصاق تهم الإرهاب بها.

رابعا: جهل العامة بحقيقة الجماعات الإسلامية وحكم العمل معها.

خامسا: خوف العامة من الملاحقات الأمنية جراء العمل مع الجماعات الإسلامية.

سادسا: الفتاوى الخاطئة والمنحرفة الصادرة عن بعض العلماء الذين سلكوا طريق السلاطين وطريق مصالحهم الخاصة.

سابعا: ضعف بعض الأفراد المنتمين لهذه الجماعات علميا وتربويا.

ثامنا: الخلافات الداخلية الكبيرة التي تؤدي إلى الانشقاقات والفرقة البغيضة.

تاسعا: الفرقة بين الجماعات الإسلامية.

عاشرا: ضعف الموارد المادية في سبيل تحقيق الأهداف المرجوة.

حادي عشر: (العولمة) وانفتاح الدول بعضها على بعض، وانعكاساتها السلبية على الأمة الإسلامية.

وقال: ارتبطت فكرة التنظيم في منهج الإخوان المسلمين منذ اليوم الأول ارتباطًا وثيقًا بفكرة مشروعه، وترى الجماعة أن فكرة المشروع مهما كانت قويةً ومنتشرةً، فلا يمكنها أن تتجسد إلا إذا توفر لها جهاز منظم يعمل على نشرها نظريا، وتنفيذها واقعيًا.

قاطرة الإصلاح

وقالت الدكتور هدى صبحى، أستاذ التربية بجامعة عين شمس، إن جماعة الإخوان المسلمين كانت وما زالت حصنا حصينا للإسلام والمسلمين، وإنه لولا دعوة الإمام البنا ومن تبعه لحدثت أمور أخرى كانت ستأتي بالسلب على الأمة الإسلامية والعربية.

وأثبتت أنه تم إجراء بحوث على جماعة الإخوان المسلمين والدفاع عن الإسلام، فكانت أكثر من 113 رسالة، قالت إن الإخوان المسلمين حركة إصلاحية، لم تأت بشيء جديد عن الإسلام وضوابطه بلا شبهة أو انحراف.

وأكدت أن فكرة الإصلاح يجب أن تكون من هذا الواقع ومن داخل هذا الواقع إذا كنا داخل هذا البناء، ولا بد وأن يكون من داخل الجماعة ويعانى منها، ومن لا يتحدث عن هذا الأمر فليس ممن يريد “الإصلاح”.

وأشارت إلى أن الإخوان لا ينوبون عن الشعب والمواطنين فى الإصلاح، فقط الإخوان تقود القاطرة.

Facebook Comments