على مر العصور وبنفس المنهج وكأنه كتالوج واحد، يسير العسكر على نفس السياسات ضد الشعوب وقواها المدنية والفنية ورموزها، وهو ما تكشف عنه مجموعة الأحكام الصادرة مؤخرا على الفنان المصري عبد الله الشريف، وحملات الأمن الشعواء ضد أسرته بمصر؛ عقابا له على مواقفه الرافضة لحكم العسكر، والتنديد عبر الوسائل الفنية المتاحة له ضد سياسات العسكرة، وهو ما يذكر بما فعله جمال عبد الناصر مع الفنان محمد فوزي، من تدمير شركاته وتأميمها ما تسبب في وفاته، نظير دعمه وحبه لمحمد نجيب.

أحكام ضد عبد الله الشريف

أمس، كشف الفنان عبد الله الشريف عن تفاصيل الحكم عليه بالسجن المؤبد من محكمة مصرية؛ بسبب الفيديوهات التي يبثها على يوتيوب.

وقال الشريف، في مداخلة هاتفية مع الجزيرة مباشر، إن الحكم صدر بشكل "مريب جدا" في أبريل الماضي، وبتعتيم مقصود، إما بهدف ترك المجال أمامه للتنقل بين عدة دول ثم القبض عليه وجلبه إلى مصر عن طريق الإنتربول، أو ترهيب المجندين في الجيش المصري الذين قد يرسلون مقاطع فيديو توثق أية انتهاكات.

وأكد الشريف أن خبر الحكم عليه بالمؤبد تم تعميمه على جميع معسكرات الجيش، وأنه تمت تلاوته في طابور الصباح داخل تلك المعسكرات، بهدف تخويف الجنود الذين من الممكن أن يفكروا في فضح أي أخطاء.

وأشار الشريف إلى أنه لا يزال في مرحلة جمع المعلومات عن الحكم الصادر ضده، والتهم الموجهة إليه، وهل هو نهائي أم قابل للطعن، مضيفا أن كل ما يعرفه هو اتهامه بإفشاء أسرار عسكرية، نافيا قيامه بذلك، مؤكدا أنه لم يعلن أي تفاصيل عن عمليات عسكرية وإنما كشف حقيقة ما يحدث داخل سيناء.

واستغرب الشريف من ملاحقته ومعاقبته على قيامه بكشف مقطع فيديو يصور أحد ضباط الجيش وهو يمثل بجثة أحد القتلى في سيناء، بدلا من معاقبة الضابط نفسه.

وأكد الشريف أن مسئولين مصريين أبلغوه بأنه سيتم إطلاق سراح إخوته إذا توقف عن نشر مقاطع الفيديو.

ورأى الشريف أن النظام يتعامل مع المعارضين بالخارج بطريقتين: الأولى هي تهديد أهاليهم وإجبارهم على تصوير مقاطع فيديو يعلنون فيها عن تبرؤهم منهم وتأييدهم للنظام، والثانية هي اعتقال الأهالي أنفسهم للضغط على المعارضين لإسكاتهم.

وبيّن الشريف أن النظام استخدم معه الطريقتين، فعندما نشر مقاطع فيديو عن قصور عبد الفتاح السيسي الرئاسية العام الماضي، سلّط النظام أسرته وجيرانه للخروج في مقاطع فيديو للهجوم عليه، وعندما بدأ في التطرق لما يحدث في سيناء، اعتبر النظام أنه تجاوز خطا أحمر لا يجوز السماح به، ليقوم باعتقال أشقائه الذين سبق أن استعان بهم وأجبرهم على الهجوم عليه واتهامه بالخيانة.

وأكد الشريف أن اعتقال شقيقيه يمثل ضغطا كبيرا عليه، وأنه كثيرا ما يفكر في إغلاق قناته على يوتيوب والصمت حتى يفرج النظام عنهما، لكنه قال إن ما يجعله يستمر فيما يفعله هو أن الكثيرين لا يزالون يستنجدون به ويرسلون له مظالمهم، وبالتالي فإنه لن يتخلى عن طريقه، رغم أنه "في موقف لا يحسد عليه"، على حد قوله.

وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" قالت، في تقرير لها، إن السلطات المصرية لجأت إلى سجن أهالي وأقارب معارضي عبد الفتاح السيسي خارج مصر في محاولة لإسكات كافة الأصوات المعارضة له.

وذكر التقرير أنه بعد أيام من نشر عبد الله الشريف مقطعا مروعا يظهر فيه ضابط جيش وهو يقطع إصبع إحدى الجثث ثم يشعل النار فيها، اقتحمت قوات الأمن منازل أقاربه في مدينة الإسكندرية واعتقلوا شقيقيه بتهم الإرهاب.

وأضاف التقرير أن مقطع الفيديو كان من أكثر المقاطع الصادمة التي تنشر للحرب التي يخوضها الجيش ضد مسلحين في سيناء بدون تغطية إعلامية.

وقال التقرير، إن الشريف يعيش خارج مصر في أمان وبعيدا عن أيدي قوات الأمن المصرية، مما منحه الجرأة لينشر مقطع الفيديو، لكن شقيقيه الآن في سجن شديد الحراسة قرب القاهرة.

ونقل التقرير عن منظمات حقوقية أن الحكومة المصرية، التي نجحت في إسكات كل المنتقدين داخليا تقريبا، تحاول الآن إسكات المنتقدين في الخارج بسجن أقاربهم وأهاليهم الموجودين داخل مصر، مشيرا إلى أنه منذ مطلع العام الماضي اعتقلت السلطات المصرية على الأقل أقارب 15 معارضا ممن يعيشون خارج مصر.

وأضاف التقرير أن قوات الأمن كانت تحطم الأبواب وتصادر الأموال وجوازات السفر وتجبر الآباء على استنكار ما يقوم به أولادهم في بيانات مصورة، كما تم احتجاز آباء وإخوة، وتم توجيه "تهم بالإرهاب" إلى الكثير منهم وتم سجنهم.

وأشار التقرير إلى إحدى الوقائع التي حدثت مؤخرا وتتعلق بالممثل محمد شومان، المقيم في تركيا، والذي وجه نداء مفعما بالعواطف عبر موقع فيسبوك، مطالبا بإطلاق سراح شقيقه وابنه، الذين قال إنه تم سجنهما انتقاما لدوره في فيلم يسلط الضوء على وحشية الشرطة.

عقاب الجنرال جمال عبد الناصر للفنان محمد فوزي

وفي فبراير  2019، كشف المؤرخ والناقد السينمائي المصري أشرف غريب بالوثائق، أسرار "اضطهاد" نظام الرئيس جمال عبد الناصر للفنان محمد فوزي، أحد أساطير الفن الغنائي والسينمائي في مصر.

وفي كتابه "محمد فوزي.. الوثائق الخاصة"، يكشف غريب عن أنه رغم أن فوزي "لم يكن حتى من هواة الكلام في السياسة، فإنها أحرقته، ولم يدرك ذلك إلا متأخرا".

ويشرح الكتاب، الصادر بمناسبة مرور مائة عام على ميلاد فوزي، بالوثائق "الاضطهاد المدمر" الذي تعرض له الفنان، الذي اشتهر بخفة الدم والظل، سواء في التمثيل أو الغناء.

يكشف أن رجال نظام عبد الناصر "انتقموا من فوزي لا لشيء سوى لصداقته مع اللواء محمد نجيب" الذي اعتبره أنصار ناصر في مجلس قيادة ثورة 23 يوليو عام 1952 في مصر خصما ينازع ناصر الحكم والزعامة.

كان نجيب من أنصار تحقيق هدف الثورة في إقامة حياة ديمقراطية سليمة. فسعى لعودة الأحزاب ورجوع الجيش إلى ثكناته بعد أن غيّر النظام. وتمتع نجيب بشعبية كبيرة في الجيش وبين المصريين. غير أن ناصر ورجاله كان لهم رأي مختلف وتخلصوا في نوفمبر عام 1954 من نجيب، الذي وُضع قيد الإقامة الجبرية لا يمارس السياسة لمدة 30 عاما، ولم يعد يذكر اسمه كأول رئيس لمصر في كتب التاريخ والتعليم.

يكشف الكتاب، الصادر عن "دار بتانة" الثقافية، عن أن علاقة فوزي مع نجيب كانت "سبب المشكلة" بين فوزي ونظام عبد الناصر.

يقول غريب: "لا يبدو أن فوزي، تحديدا، قرأ المشهد السياسي جيدا". فهو "لم يدرك لا موازين القوى في اللحظة التالية لقيام الثورة، ولا إلى أين تتجه هذه الموازين في المستقبل القريب، فراح يدفع نفسه إلى مقدمة الصورة في كل المشاريع القومية التي قادها محمد نجيب".

ويظن غريب أنه "لو كان فوزي قد أدرك جيدا المشهد، كما فعلت أم كلثوم، لربما كان قد تجنب كثيرا مما وقع له لاحقا".

ولأنه لم يدرك المشهد أو ربما لم يكن يعبأ، فإنه ظل على تأييده للواء نجيب، كما نشأت علاقة متينة بينهما بسبب "اقتناع فوزي بالعهد الجديد ورموزه والالتحام بالمشاريع الوطنية الأولى التى نادى بها ودعمها نجيب".

و"رغم أن فوزي لم يكن حتى من هواة الحديث فى السياسة، فإنه لم يتخلف مرة عن اللقاءات التي كان يجريها اللواء محمد نجيب مع رجال الفن".

عبد الحليم وأم كلثوم وعبد الوهاب من تأييد الثورة إلى تأييد عبد الناصر

ويعتقد غريب أن أم كلثوم وعبد الوهاب، ثم عبد الحليم حافظ لاحقا، كانوا أكثر قراءة للمشهد السياسي واستغلالا لنفوذهم واتصالاتهم السياسية لحماية مصالحهم بعد زوال الملكية وإعلان الجمهورية.

ويشير الكتاب، في هذا السياق، إلى أن أم كلثوم، مثلا، "استوعبت المشهد السياسي جيدا ونصحها أصدقاؤها ومستشاروها ذوو المعرفة السياسية بأن عبد الناصر هو الأقوى والقائد الفعلي للثورة"، ولذا فإنها ذهبت بعد أيام قليلة من قيام ثورة يوليو 1952 إلى مبنى الإذاعة المصرية من أجل التخلص من كل أغنياتها التى كانت قد تغنت بها للملك فاروق قبل الثورة. ونشرت لها مجلة الكواكب في 5 أغسطس 1952 (أي بعد 12 يوما من بداية الثورة) صورة وهى تفعل ذلك.

ويقول غريب في كتابه: إن "عبد الناصر بقي، حتى رحيله عام 1970، هو الغطاء السياسي الذي وفر الحماية والنفوذ لكوكب الشرق".

ويبرهن الكتاب أيضا على أن النفوذ السياسي للفنانين المصريين في هذه المرحلة وفر الحماية لمصالحهم. ويكشف، لأول مرة، عن وثيقة تؤكد أنه بفضل العلاقات السياسية "سعى الفنان محمد عبد الوهاب لدى الملك عبد العزيز آل سعود كى يتدخل لدى قيادة الثورة عام 1953 لتغض الطرف عن ثروته وثروة أم كلثوم"، أي يستثنيهما من قرارات مصادرة الأموال والممتلكات.

وينشر الكتاب بهذا الخصوص خطابا صادرا في الرابع من يونيو عام 1953 عن ممثل المملكة العربية السعودية في مصر، وموجها إلى نجيب الذي كان رئيسا للدولة ومجلس قيادة الثورة، قبل الأزمة الفاصلة بينه وبين ناصر.

سابقة في الحياة الفنية

ماذا فعل النظام لاحقا مع فوزي صديق نجيب؟ في عام 1961، مارس نظام عبد الناصر تضييقا واضحا على فوزي، كما يقول الكتاب.

وأحد أهم مظاهر هذا "التضييق" هو "فرض الحراسة على موزع أفلامه الوحيد في الداخل (وهو) شركة منتخبات بهنا فيلم- بهنا إخوان- بمقريها في القاهرة والإسكندرية".

ويصف غريب هذا التصرف بأنه "سابقة لم تعرفها الحياة الفنية في مصر من قبل أو من بعد". وأدى إلى أن "غُلت يدا محمد فوزي داخليا وخارجيا في تمويل وتوزيع أفلامه بخلاف المبالغ المالية التي كان قد تكبدها في التجهيز لهذه الأفلام."

وينقل المؤلف عن السيد بازيل بهنا، الوريث الوحيد لعائلة بهنا والمقيم حاليا بالإسكندرية، قوله إن أفراد العائلة "لم يستبعدوا – في حينه – أن يكون المقصود بفرض الحراسة على بهنا فيلم هو محمد فوزي نفسه؛ لأنه كان حدثا فريدا وتزامن مع ما وقع بشكل مباشر لمشاريع وممتلكات محمد فوزي".

ويقول الكتاب: "استولت الدولة على شركة مصر فون لصاحبها محمد فوزي دون شركة صوت الفن لصاحبيها عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، لتبقى صوت الفن وحدها تقريبا بلا منافس في سوق الإنتاج الغنائي، بعد أن أجبر المشاغب الأول محمد فوزي على الانسحاب من الساحة".

ولم تقف ملاحقة فوزي عند هذا الحد، بل امتدت إلى الطعن في فنه، حسب الكتاب. فكانت "إثارة حالة من الكراهية بين السينمائيين تجاه فوزي، لدرجة بلغت التقليل من موهبته والتحريض عليه" مظهرا آخر للاضطهاد من جانب النظام.

ويضرب الكتاب مثالا على ذلك، برسالة وصفها بأنها "مفجعة" بعث بها المخرج حسين فوزي (الذي لا علاقة قرابة له بمحمد فوزي) سنة 1959، إلى شركة "بهنا فيلم" يصف فيها محمد فوزي بأنه "فاشل ومحدود الموهبة".

ويستغرب المؤلف هذا الموقف، قائلا إن الفنان الراحل كان مؤيدا لثورة 23 يوليو ولأفكارها، لكن مشكلته أنه "كان يغني للثورة وليس للثوار".

علامات استفهام

ويشير الكتاب إلى أنه رغم علاقة فوزي القوية بنجيب، فإنه "لم يتوقف عن الغناء للثورة لا للأشخاص بعد عزل نجيب. ولم يترك حدثا وطنيا كبيرا إلا وغنى له.. كذلك تغنى بالاشتراكية والعدالة وحقوق العمال وبكل مكاسب الثورة المصرية في أكثر من أغنية وطنية" .

ويضيف "لم يغفل فوزي في غنائه التوجه القومي الذى انتهجه عبد الناصر. فغنى للكثير من الدول العربية: لوحدة مصر والسودان غنى، مثلا، "يا وادى النيل يا غالي"، وللعراق غنى "تحية يا ابنة الرشيد"، ولثورة اليمن أنشد "الشعب لازم ينتصر"، ولمشروع الوحدة بين مصر وسوريا والعراق سنة 1963 غنى "علم الثوار"، وحتى لإفريقيا غنى "إفريقيا شعبك حر".

أكثر من ذلك، أسهم فوزي في جمع التبرعات لدعم مشروعات ناصر الداخلية، كما يكشف غريب.

وحسب الكتاب، فإن فوزي "تزعم أثناء رئاسته لجمعية المؤلفين والملحنين، حملة لجمع التبرعات من جانب أعضاء الجمعية لصالح إعادة إعمار مدينة بور سعيد بعد العدوان الثلاثي سنة 1956 . وقام مع وفد الجمعية بتسليم الرئيس عبد الناصر شخصيا هذه التبرعات في اللقاء الوحيد تقريبا الذى جمعه به ، دون أن يتوقف عن المشاركة بالغناء في الحفلات العامة التي ترتبط بمناسبات رسمية".

يبدي غريب دهشته من الاهتمام الرسمي بتشييع فوزي رغم ما فعله النظام به. يرجح الكتاب وجود علاقة بين اضطهاد النظام لفوزي وبين تأميم ممتلكات بمرضه. وينقل عن زوجته كريمة قولها، في مقابلة صحفية، إنه بعد التأميم "لم يعد فوزي هو ذلك الرجل الذي تعرفه. فقد دخل فى حالة اكتئاب دائم، حتى وإن حاولت روحه المرحة التغلب على ذلك الاكتئاب. وبدأ ينعكس هذا على حالته الصحية وشهيته للطعام. ومن ثم دخوله فى دوامة المرض اللعين (السرطان).

تهديد لكاريوكا

وهنا يستدعي الكتاب، مرة أخرى، أهمية النفوذ السياسي للفنانين.

وينقل المؤلف عن رواية روتها له شخصيا الفنانة الراحلة تحية كاريوكا ملخصها أنها تلقت تهديدات صريحة من شعراوي جمعة، وزير داخلية نظام عبد الناصر، بأن تكف عن الكلام في موضوع علاج فوزي ومطالبتها الدولة بأن تتحمل النفقات.

ويضيف غريب أن أم كلثوم تدخلت، حسب رواية تحية، لدى عبد الناصر وأقنعته، رغم محاولات سامي شرف قطع الطريق عليها، بإصدار قرار بسفر فوزي للعلاج بأمريكا. وصدر القرار في 9 ديسمبر عام 1965 أي بعد نحو أربع سنوات من بداية خطوات تأميم كل ممتلكات محمد فوزى ودخوله في دوامة المرض.

وبعد نحو 11 شهرا ، توفي الفنان ذو الشعبية الكبيرة عن 48 عاما، وشارك عشرات الألوف في الجنازة.

يقول غريب: "المدهش أن د . عبد القادر حاتم (وزير الإرشاد القومي في ذلك الوقت) الذى ماطل طويلا في علاج محمد فوزي على نفقة الدولة كان على رأس المشيعين".

ويؤكد أن فوزي "عاش غير محب للسياسة لكنه انكوى بنارها. فقط كان محبا لبلده ومصلحة هذا البلد، ولذلك آمن بثورة يوليو حتى لو لم تؤمن به هذه الثورة وساند مشاريعها وتوجهاتها حتى لو لم يلق المساندة من قادتها".

Facebook Comments