لعل تعدُّد الكثير من الروايات حول مصير وغياب خليفة حفتر عن المشهد الليبي، ومنها وصوله إلى فنزويلا، حسبما أعلن ممثل المعارضة الفنزويلية، أو وجوده قيد الإقامة الجبرية بأحد فنادق القاهرة الجديدة العسكرية، وغيرها من الروايات، تؤكد الخسارة الكبيرة التي مُني بها حفتر المدعوم من السيسي والإمارات.

وهو ما تحاول القاهرة وأبو ظبي تداركه عبر تهديدات عسكرية بتوسيع المعارك، أو دخول الطرف الفرنسي بقوة، مع دعوات أوروبية بوقف القتال فورا، والعودة لمسار 5+5 بجنيف، وهو ما يعبر عن محاولة لثني قوات الوفاق عن الدخول إلى سرت، ذات الأهمية الاستراتيجية للأطراف الإقليمية والدولية، كونها تشرف على الهلال النفطي، المتنازع عليه قبائليًا، والذي تراهن كل من مصر والإمارات على استمرار سيطرة حلفائهم عليه لتعويض خسائرهم المالية.

معركة سرت

وميدانيا، لا تزال قوات حكومة "الوفاق" مصرّة على استعادة السيطرة على مدينة سرت، على الرغم من الدعوات الدولية للتهدئة ووقف إطلاق النار، في وقت يبدو فيه أن الأوضاع تذهب إلى مزيد من التعقيد.

وأكد المتحدث الرسمي باسم الجيش الليبي، محمد قنونو، إصرار حكومة "الوفاق" على استعادة السيطرة على مدينة سرت، قائلاً: "منذ شهور ونحن ننادي مشايخ وأعيان سرت لتحكيم العقل وتجنيب المدينة ويلات الحرب… اليوم نرسل النداء الأخير، فلن نتراجع عن إعادة بسط سيطرة الدولة على سرت". وأوضح، في تصريح نشرته عملية "بركان الغضب"، على صفحتها الرسمية في "فيسبوك"، ليل أمس الثلاثاء، أن قوات الحكومة استهدفت، مراكز لمليشيات حفتر الإرهابية والمرتزقة داخل مدينة سرت.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والتهدئة، فقد حث وزراء خارجية دول فرنسا وألمانيا وإيطاليا، بالإضافة للممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل، جميع الأطراف الليبية "على الوقف الفوري والملموس لكل العمليات العسكرية والانخراط في مفاوضات 5 + 5"، التي ستفضي إلى تفاهمات جادة حول طاولة الحوار السياسي، بحسب البيان الأوروبي المشترك الذي نشرته وزارة الخارجية الإيطالية مساء أمس.

لكنّ مراقبي الشأن الليبي يرون أن تداعيات بروز حفتر ومشروعه المدعوم إقليميا ودوليا في المشهد الليبي لن تتوقف عند حدّ وقف مشروعه العسكري والسياسي، والذي بدا واضحا وجليا في المبادرة السياسية التي أعلنها السيسي، السبت الماضي، حيث أكد كثيرون من حلفاء حفتر إنهاء دوره، وأن أمره "حُسم، وأنه لم يعد له دور فاعل في المشهد الليبي، فخلال الفترة القادمة سيتم تعويمه، عبر اختفائه من عناوين الأخبار ووسائل الإعلام التابعة للدول التي دعمته في السابق.

وأوضحت المصادر نفسها أن "هناك توافقا مصريا فرنسيا إماراتيا، دعمته كل من روسيا والولايات المتحدة، بشأن انتهاء دور حفتر، بعد الفشل الكبير، وبعدما تأكد أنه من الصعب تحقيق نتائج إيجابية تسمح بتهدئة المنطقة في وجوده، خصوصا في ظل عدم التزامه بما يتم الاتفاق عليه، مع داعميه وحلفائه.

 

سرت والهلال النفطي

ويبدو أن الدعوة الأوروبية المشتركة للتهدئة ووقف القتال وبدء حوار اللجنة العسكرية، لها علاقة باستعدادات "الوفاق" لاقتحام سرت، ذات الأهمية بالنسبة لمنطقة الهلال النفطي الاستراتيجية.

ويبدو أن القاهرة تكافح من أجل عرقلة تقدم قوات الحكومة باتجاه سرت المفضية إلى منطقة الهلال النفطي وأحواض النفط، وسط البلاد، كونها الورقة الوحيدة التي يمكن أن يجلس حلفاؤها في شرق البلاد على طاولة المفاوضات السياسية لبحثها، لا سيما رئيس مجلس النواب المجتمع بطبرق عقيلة صالح، وبالتالي فإنّ الضغوط الأوروبية تتجه إلى وقف القتال عند سرت، وبدء مفاوضات اللجنة العسكرية التي ستكون أولى مهامها ترسيم حدود فاصلة بين القوتين.

وبحسب مراقبين بليبيا، فإن مشروع السيسي قد يواجه بتحديات عدة، تتعلق بقدرة القاهرة على ضبط فصائل الشرق الليبي وزعاماتها القبلية.

بل إن القاهرة، المعني الأول بالشرق الليبي، ستحتاج إلى وقت طويل لترتيب تركة حفتر قبل الحديث عن أي مفاوضات سياسية أو عسكرية.

وفي أول مؤشرات فوضى السلاح الذي تركه حفتر، قيام فصيل مسلح بإعادة غلق حقل الشرار النفطي الذي تمكنت المؤسسة الوطنية للنفط من إعادة تشغيله بعد أشهر من إغلاقه على يد موالين لحفتر، تبيّن، من خلال بيان للمؤسسة، أن وراءه "العميد محمد خليفة، آمر ما يُسمّى بحرس المنشآت النفطية بالجنوب، والمدعو أحمد إبراهيم بن نايل"، وهما من أبرز قيادات الفصائل القبلية بالجنوب الموالية للنظام السابق.

وبينما يتفق الناشط السياسي الليبي عقيلة الأطرش على أن المبادرة السياسية التي أعلنها السيسي "لا تعدو كونها إعلانا ضمنيا عن نهاية حفتر، وتجميدا للأوضاع حتى حين تدارك آثارها على الصعيدين السياسي والعسكري"، يرى أن معركة سرت "حدث فاصل بالنسبة لمستقبل الحوار السياسي، فحكومة الوفاق لا يبدو أنها تسعى للسيطرة كلياً على منطقة الهلال وحوض النفط، بقدر ما تسعى للسيطرة على سرت، لتكون عامل تهديد وضغط على المنطقة لإضعاف ورقة النفط".

وتسيطر على منطقة الهلال النفطي وحوض زلة، أهم مناطق النفط في البلاد، قبائل، أهمها قبيلة المغاربة والزاوية والمجابرة، التي عرف حفتر كيفية إدارة الخلافات بينها لضمان سيطرتها على المنطقة لصالحه.

وتبقى مخاطر سيطرة هذه الأطياف القبلية على المناطق الحيوية والاستراتيجية في وسط البلاد، تتمثل في وجود مطالب فيدرالية كامنة، قد تفضي إلى الحديث عن التقسيم، في حال أصرّت قوات الحكومة على ضرورة تبعية منابع النفط لها، وخصوصا أن إجدابيا، عاصمة هذه القبائل، شهدت مرات عدة جنائز جماعية للقتلى من أبنائها الذين دعمت بهم حفتر في حربه على الحكومة في جنوب طرابلس.

ما بعد حفتر

وكشفت تقارير عن صدور قرار باحتجاز الجنرال الليبي "خليفة حفتر" في القاهرة "تحت رقابة لصيقة" من السلطات المصرية، وعدم السماح له بالعودة إلى ليبيا، ما يعني أن قرارا صدر داخل الدول الداعمة له بتنحيه عن المشهد، بعد الهزائم المتكررة التي مني بها، مؤخرا، أمام قوات حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دوليا.

وقبل أيام، قال المبعوث الأمريكي الأسبق إلى ليبيا "جوناثان وينر"، في تغريدة على حسابه بـ"تويتر"، إن "خليفة حفتر سيبقى تحت مراقبة دقيقة في القاهرة، ولن يعود إلى ليبيا في الفترة الحالية".

وأضاف "وينر" أنه "من المتوقع أن يبقى حفتر على الأقل لعدة أسابيع في العاصمة المصرية حتى يتم تحديد مكان آخر لتقاعده"، وذلك نقلاً عن مسؤولين كبار في الحكومة المصرية.

وبحسب مصادر ليبية فإن اللواء "فرج بوغالية"- وهو من أنصار نظام "معمر القذافي" سابقا- من الأسماء المرشحة لهذه المهمة، وذلك خوفا من فقدان دعم رجال النظام السابق الذين يدينون بالولاء لـ"حفتر" وروسيا.

وهناك أسماء أخرى أيضا مرشحة، مثل "عبد الرزاق الناظوري"، رئيس أركان جيش "حفتر"، والعميد "صقر الجروشي" رئيس أركان القوات الجوية.

وبحسب خبراء، فإن زيارة "حفتر" الأخيرة للقاهرة كانت تهدف إلى طلب دعم عسكري جديد من مصر لمعاودة حرب حكومة الوفاق، تحت شعار "مواجهة تركيا"، لكنها كانت محاولة يائسة، في ظل غضب القادة المصريين منه لأدائه الفاضح على الأرض، لاسيما خلال الأيام الأخيرة.

بل فشل "حفتر" في عقد لقاء ثنائي وجها لوجه مع "السيسي"، وذلك بسبب امتعاض كبار المسئولين المصريين منه، حيث إنهم كانوا منذ البداية مترددين بشأن هجوم قواته على طرابلس في أبريل 2019، رغم أن هذه الخطوة كانت تحظى بدعم فرنسا والإمارات والأردن وروسيا.

وبحسب المحلل الليبي في معهد كليجندايل للعلاقات الدولية في هولندا "جلال حرشاوي"، فإن المسئولين في مصر كانوا يدركون أن القاهرة لم تعد هي المسيطرة على مجريات الأمور، إذ إنه إلى جانب تدخل تركيا في الغرب، برزت روسيا كداعم أجنبي قوي في برقة.

اتفاق تركي روسي

وهناك توقعات في الوقت الحالي بحدوث اتفاق تركي روسي، وهو ما يعني أن القاهرة يجب عليها أن تنتظر لترى التطورات المقبلة، حيث يعتقد هذا المصدر أنه سيكون هناك اتفاق بين تركيا وروسيا حتى لا تنتقل قوات حكومة الوفاق إلى الشرق الليبي، بينما تواصلت مصر مع الولايات المتحدة لطلب ضمانات برسم خط لا يمكن لقوات الوفاق تجاوزه.

ويشير الموقع إلى أن مصر وروسيا تسعيان لوضع خطة لتجاوز الأزمة الليبية، ترتكز أساسا إلى خارطة الطريق السياسية التي قدمها "عقيلة صالح"، الذي كان في السابق مساندا قويا لـ"حفتر"، لكنه بات الآن يسعى وراء دور سياسي أكبر لنفسه، وبدأ يتحرك ضد الجنرال.

وتتمحور خارطة الطريق التي قدمها "عقيلة صالح" حول انتخاب مجلس رئاسي جديد مكون من 3 أعضاء، يمثلون المناطق التاريخية الليبية الثلاث، وهؤلاء يقومون بتشكيل حكومة جديدة.

Facebook Comments