على الرغم من القبضة الحديدية التي يمسك بها السيسي الدولة المصرية، إلا أن الكثير من الشواهد تؤكد عدم اتساق نظام السيسي من داخله؛ فما بين تسريبات ومعلومات من داخل المطبخ، تناولتها وسائل الإعلام من حين لآخر في الفترة الماضية، إلا أنه في الفترة الاخيرة تزايدت وتيرة تلك المؤشرات.

مستقبل وطن في خطر
حيث كشفت مصادر برلمانية مطلعة، مؤخرا، أن عددًا من أبرز أعضاء البرلمان الموالين للسيسي خلال السنوات الأخيرة بدأوا في تحركات غير معلنة لتحريض المواطنين عن طريق أنصارهم، على الاحتجاج ضد السيسي، على خلفية استبعادهم من قائمة حزب "مستقبل وطن" لانتخابات مجلس النواب المرتقبة، والمعروفة إعلاميًا بـ"القائمة الوطنية من أجل مصر". حيث تشهد دوائر السيسي المقربة حالة من الغليان تنتاب العشرات من أعضاء مجلس النواب، بسبب المعايير التي اعتمدها "مستقبل وطن"، ومن خلفه جهاز الأمن الوطني الذي يدير الحزب من وراء ستار، في اختيار أسماء "القائمة الوطنية"، والتي لخصها النواب المستبعدون في أنها "مزايدة على من يدفع أكثر من الأموال".
وتضمنت قوائم الحزب المرتقبة أسماء كبار الفسدة كهمام العادلي بسوهاج، وهو تاجر مخدرات وسلاح، عليه الكثير من التقارير الأمنية بكم كبير من المخالفات وغيره الكثيرون.

مقال المتحدث العسكري السابق
وأثار مقال نشره المتحدث العسكري السابق للجيش محمد سمير، جدلا واسعا، بسبب تضمنه انتقادا للسلطة الحالية، بسبب افتقاد معايير مهنية وسياسية للمرشحين للانتخابات البرلمانية المقبلة. وما زاد حالة الجدل هو أن المقال تم حذفه بعد نشره بدقائق على موقع "فيتو" الإخباري المستقل، أمس الاثنين.

المقال حمل عنوان "لا تغتالوا الأمل!"، ومثل انتقاد المتحدث العسكري السابق لطريقة إدارة الحياة السياسية في مصر سابقة من المهم الوقوف عندها. وهو ما يؤكد حالة عدم رضا داخل النظام والجيش عن طريقة إدارة البلاد.
وخلال المقال، انتقد "سمير" طريقة اختيار المرشحين لمجلس النواب المقبل، معتبرا أنها تكرار لطريقة اختيار مرشحين يفتقدون الحد الأدني من الكفاءة المهنية وغير معروفين للعامة في انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة، قبل أسابيع، ما تسبب في عزوف واسع للناخبين عن المشاركة.
وشن المتحدث العسكري السابق هجوما على أحزاب سياسية بسبب اختيارها منهج لغة المال السياسي لتزكية مرشحين منها لخوض انتخابات مجلس النواب المقبل. وأضاف: "هذا ما يصنع مشهًدا سياسيًا عبثيًا يحمل أقصى درجات السلبية، ويستحضر من الماضى القريب ويعيد إلى الأذهان ذكريات ممارسات فجة كرهها جميع المصريين، وثاروا عليها وتخيلوا أنهم وأدوها إلى غير رجعة، فإذا بأحزاب ضعيفة البنية ولا مسؤولة تقيم مزادات علنية بداخلها لبيع أماكن الترشح لمن يدفع أكثر حتى لو كان عليه ألف علامة استفهام، ولتذهب المعايير المهنية الصحيحة إلى الجحيم طالما حضر المال".

وطالب "سمير" السلطة بالانتباه لهذا الأمر، محذرا من خطورة "هواة وأصحاب مصالح" يقودون المشهد، "خاصة أن مجلس النواب القادم تنتظره تحديات ومهام جسام غير مسبوقة، وهو ما يتطلب أن يتسم كل فرد فيه بمعايير كفاءة مهنية منقطعة النظير".. واختتم "سمير" مقاله بالقول: "يا سادة لا تغتالوا الأمل فى نفوس أصحاب الكفاءة الحقيقيين بهذه الممارسات المنبوذة التى تتعارض مع الصالح العام".

ويعتبر المقال رسالة من جهة سيادية اصطف خلفها سمير، ولا يعجبها إدارة السيسي للمشهد السياسي.. وكانت العلاقة بين السيسي ومؤسسة الجيش سادها بعض الفتور خلال الفترة الأخيرة، بسبب الفشل الاقتصادي والسياسي الناجم عن إدارة الدولة، وطلب السيسي أكثر من مرة تدخل الجيش وهو ما بات مرفوضا لدى قيادات وسطى بالجيش، ترى تزايد الغضب الشعبي بعموم مصر، وهو ما فسره مراقبون برفض نزول الجيش للشارع  لتطبيق خطر التجول، وفق ما يخوله له الدستور، في أزمة كورونا الأخيرة، وعدم مشاركة قواته في تأمين اللجان الانتخابية بمسرحية انتخابات مجلس الشيوخ التي لم يشعر بها أحد مؤخرا.

اعتقال دياب ودعوى ضد شفيق
وهي من أبرز دلائل الأزمة الداخلية التي يعانيها نظام السيسي، حيث جاء القبض على رجل الأعمال صلاح دياب، عقب جلسة بينه وبين السياسي عمرو موسى وأحمد شفيق بإحدى منتجعات الساحل الشمالي مؤخرا، تداولوا حديثا عن أزمات نظام السيسي وأبدوا عدم إعجابهم ببقاء السيسي، وأنهم سيسعون لتشكيل بديل سياسي لنظام السيسي، وهو الأمر الذي رصدته أجهزة السيسي الأمنية، وتلاه تجديد قضية فساد جمعية الطيارين المتورط بها أحمد شفيق، بعد سبع سنوات من تبرئته قضائيا من قبل نظام السيسي..

تدخل السيسي بالقضاء
ومن ضمن المؤشرات الدالة على الأزمة الداخلية لنظام السيسي، القرار الأخير الذي اتخذه السيسي، بتحويل عدد من القضاة والمستشارين إلى وظائف أخرى غير قضائية خارج وزارة العدل، في مختلف الوزارات، وذلك دون الإعلان عن سبب محدد لذلك أو الإشارة إلى ارتكابهم مخالفة ما تستدعي العقوبة.
ونشرت الجريدة الرسمية، الاثنين، قرارات "السيسي" بنقل عدد كبير من القضاة إلى بعض الوزارات، ما يعني أن القرار أصبح ساريا. وفوجئ المتابعون بالقرار الذي لم يسبقه أي إشارة إلى قرار مماثل، كما ينظر مراقبون إلى القرار باعتباره يلقي ظلالا كبيرة من الشك حول استقلالية منظومة القضاء.
وشملت تلك القرارات نقل "محمد عبدالقادر إبراهيم عبدالله فرجانى" الرئيس من الفئة (أ) بمحكمة أسوان الابتدائية إلى وظيفة غير قضائية بوزارة التنمية المحلية تعادل درجة وظيفته الحالية مع احتفاظه بمرتبه فيها، ونقل "مي عشري محمد عبدالجليل" رئيسة النيابة الإدارية من الفئة (أ) إلى وظيفة غير قضائية بوزارة التموين والتجارة الداخلية تعادل درجة وظيفتها الحالية مع احتفاظها بمرتبها فيها. كما تضمن "نقل محمد علي أبو الحسب براني بركات" الرئيس من الفئة (أ) بمحكمة الجيزة الابتدائية إلى وظيفة غير قضائية بوزارة التنمية المحلية تعادل درجة وظيفته الحالية مع احتفاظه بمرتبه فيها، ونقل "محمد جودة محمد عزب" الرئيس من الفئة (أ) بمحكمة شمال القاهرة الابتدائية إلى وظيفة غير قضائية بوزارة التنمية المحلية تعادل درجة وظيفته الحالية مع احتفاظه بمرتبه فيها. ونصت القرارات كذلك على نقل بغير الطريق التأديبي "عبدالوهاب رمضان أحمد أحمد حجازي" معاون النيابة العامة بنيابة الأربعين الجزئية إلى وظيفة غير قضائية بوزارة التموين والتجارة الداخلية تعادل درجة وظيفته الحالية مع احتفاظه بمرتبه فيها، ونقل القاضي "حاتم علاء الدين عباس الجداوي" الرئيس بمحكمة استئناف طنطا إلى وظيفة غير قضائية بوزارة القوى العاملة تعادل درجة وظيفته الحالية مع احتفاظه بمرتبه فيها.

كما جرى نقل المستشار "عصام عبدالهادي عبدالهادي عصر" الرئيس بمحكمة استئناف الإسكندرية إلى وظيفة غير قضائية بوزارة القوى العاملة، كما سيتم نقل "ساهر سعيد الدين سيد وهدان" الرئيس من الفئة (أ) بمحكمة الأقصر الابتدائية إلى وظيفة غير قضائية بوزارة التنمية المحلية تعادل درجة وظيفته الحالية مع احتفاظه بمرتبة فيها. وتم كذلك نقل بغير الطريق التأديبى "إبراهيم فتوح عبدالبديع شعبان" معاون النيابة العامة نيابة مركز الزقازيق الجزئية إلى وظيفة غير قضائية بوزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية تعادل درجة وظيفته الحالية مع احتفاظه بمرتبه فيها.

وتضمنت القرارات نقل بغير الطريق التأديبى "أحمد محمد عبدالفتاح مصطفى أبوعمارة" معاون النيابة العامة بنيابة جرجا الجزئية إلى وظيفة غير قضائية بوزارة التضامن الاجتماعى تعادل درجة وظيفته الحالية مع احتفاظه بمرتبه فيها. وهي قرارات تزيد الغضب والسهط بين اروقة القضاة، الذين باتوا العوبة بيد السيسي الذي دمر قواعد العمل القضائي المستقر بمصر لعقود من الزمن.

Facebook Comments